تاغونجا

ملخص

تَاغُونْجَا مغرفة خشبية كبيرة تُلبس ثياب العروس وتُحمل في موكب من بيت إلى بيت لطلب المطر، وهي أشهر طقوس الاستسقاء عند أهل شمال إفريقيا، يقيمها الأمازيغ ويقيمها جيرانهم الذين يتكلّمون العربية، وسجّلها الباحثون من المحيط الأطلسي إلى برقة. واسمها اسم المغرفة نفسها في الأمازيغية، المغرفة الكبيرة من الخشب التي يُغرف بها الماء، ولها بين القبائل صيغ كثيرة: تَاغُونْجَا، وتْلْغُونْجَا، وتِيغُونْجَا، وبْلْغُونْجَا.

ويجري الطقس في كلّ قرية على وجه قريب. إذا تأخّر المطر وخيف على الزرع، صنعت النساء العروس: تُشدّ المغرفة على قصبة طويلة، ويُشدّ عليها عود أو مغرفة أخرى بالعرض فيصير لها كتفان، ثم تُلبس ثياب العروس وتُعلّق عليها القلائد والأقراط. وفي مرّاكش تصنعها نساء كبيرات من الأرامل والمطلّقات المعروفات بالتقوى، فيرسمن على ظهر المغرفة عينين وأنفاً وفماً بصبغ أسود، ويحمّرن خدّيها، ويلففن رأسها بمناديل الحرير. ثم يخرج الموكب عند الغروب، تحمل العروس امرأة أو فتاة، ويتبعها النساء والأطفال يغنّون: «تاغونجا كشفت رأسها، يا ربّ بلّل أقراطها، تاغونجا يا أمّ الرجاء، يا ربّ أعطنا المطر». ويمرّ الموكب بالبيوت وأضرحة الأولياء، فيرشّ الناس العروس ومن معها بالماء، ويعطونهم الدقيق والحبّ والصدقات، ثم يُطبخ ما جُمع طعاماً يأكله الناس معاً، في مجرى الوادي أو على البيدر أو عند ضريح أو على رأس تلّ. وقد يُعاد الموكب ثلاث ليالٍ متتالية.

وفي قرية تاسْمْسِيت عند قبيلة إِنْفْدْوَاق تخرج مع العروس دمية ثانية هي «زوج تاغونجا»، صُنعت من مِدَقّة وأُلبست خِرَقاً سوداً، لأنّ السواد لون السماء المثقلة بالمطر. وتلبس العجوز التي صنعتهما أوسخ ثيابها حتى تسودّ السماء، وتركب حماراً، وتمشي النساء خلفها، فتسأل بعضهنّ: «يا تاغونجا، من تزوّجك؟» وتجيب الأخريات: «ماء أنزار هو الذي تزوّجك». ثم يدفعن العجوز وحمارها في النهر، ويُبكينها «حتى تبكي السماء».

والفكرة التي يدور عليها الطقس أنّ المطر زواج. فالموكب كما يصفه لاوست موكب عرس: تُزفّ تاغونجا إلى زوجها أنزار، أي المطر، ويُرشّ عليها الماء كما يُرشّ على العروس. وفي حكاية أنزار عند القبائل يحبس المطر الماء حتى تقبله الفتاة، وفي الطقس تُزفّ إليه عروس رجاء أن ينزل. ويرى لاوست أنّ العروس صورة الأرض التي لا تلد حتى يأتيها ماء السماء، ولذلك تصنعها في أكثر المواضع نساء انقطع عنهنّ الولد بالسنّ أو بالترمّل، وأنّ اجتماع الأرض والسماء أصل الخصب. وفي بلاد القبائل، حيث تُسمّى طقوس المطر كلّها «أنزار»، كانت تُزفّ فتاة حقيقية، حتى منع المرابطون ذلك منذ القرن الثامن عشر، فحلّت المغرفة مكانها في قرى كثيرة.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: taɣunja «تَاغُونْجَا» صيغة التأنيث من aɣenja «أَغَنْجَا»، أي المغرفة، والتاء في أوّله علامة التأنيث في الأمازيغية، فإذا لبست المغرفة ثياب العروس سُمّيت باسم أنثى. يبقى غ-ن-ج، وهو في العربية جذر «الغُنْج»: غَنِجت الجارية وتغنّجت فهي غَنِجة، والغُنج في «الصحاح» الشَّكْل، أي حسن الهيئة والدلال، وهو في «تاج العروس» تكسّر الجارية وتدلّلها. والغين في الأمازيغية والعربية صوت واحد، والنون نون، والجيم جيم. فتاغونجا على هذه القراءة «المتغنّجة»، العروس التي تُزيَّن وتتدلّل في موكبها، وهذا ما يصنعه الناس بالمغرفة: يحمّرون خدّيها، ويعلّقون عليها الأقراط، ويغنّون أنّها كشفت رأسها. وهذه قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ المقالة الأمازيغية تذكر الاسم ولا تقرؤه.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما هي
aɣenja أَغَنْجَا المغرفة الكبيرة من الخشب، عند لاوست
agunja، agenja أَغُونْجَا، أَغَنْجَا المغرفة، عند وسترمارك
taɣunja، tlɣunja، tiɣunja تَاغُونْجَا، تْلْغُونْجَا، تِيغُونْجَا اسم العروس المصنوعة من المغرفة
tislit n wanẓar تِسْلِيت نْ وَنْزَار «عروس المطر»، اسمها عند آيت ورايين وآيت سغروشن

في «الصحاح»: «الغُنْج والغُنُج: الشَّكْل، وقد غَنِجت الجارية غَنَجاً وتغنّجت فهي غَنِجة». وفي «تاج العروس»: «الغُنج في الجارية تكسّر وتدلّل»، ويقال أيضاً: هو ملاحة العينين. فالجذر يدور على دلال المرأة وحسن هيئتها. والمقابلة تحفظ الحروف الثلاثة بلا إبدال. والحدّ الوحيد فيها أنّ aɣenja «أَغَنْجَا» اسم المغرفة في المطبخ قبل أن تُلبس ثياب العروس، فمعنى الدلال يوافق المغرفة المزيّنة في الطقس، ولا يوافق المغرفة أداةً.

ويقول لاوست إنّ المغرفة دخلت الطقس لأنّ شكلها وعملها صورة السقي: تُملأ ماءً ثم تُفرغ، وإنّ قلبها يأتي بالعكس، فزوجة فقيه عند المْتُوكَة كانت تقلب المغرفة لتردّ مطراً يوشك أن ينزل. ويقول وسترمارك إنّ المغرفة اختيرت لصلتها بالسوائل.

السرديات الأسطورية الرئيسة

علي صاحب القُلُنْسُوَة

عند قبائل الأطلس المتوسّط يُحمل في الطقس نفسه رجل لا عروس: قلنسوة برنس محشوّة بأطرافه، يحملها غلام على كتفه، ويخرج بها الرجال لا النساء، ويسمّونه «علي صاحب القلنسوة». ويغنّون أنّ المطر طرده إلى الدوّار، وأنّ الكلاب أكلته، وأنّ الماء أغرق الخيام وحمل المتاع، فهو رجل فاجأه المطر الغزير في الخلاء.

في رأس السنة وعاشوراء

ويذكر لاوست أنّ طلب المطر يدخل أيضاً في ينّاير وعاشوراء، وكلاهما أوّل سنة: يطوف الأطفال بحَمَل ويجمعون الحبوب من كلّ نوع، ثم يضعونها في ضريح ولي ويضعون الحمل فوقها، فإن بال قالوا إنّ السنة طيّبة لا يهلك فيها زرع ولا ماشية. وعند بعض قبائل الأطلس الصغير يُطاف بالحمل مع المغرفة، وتنثر النساء الحبّ على الموكب بعد رشّه بالماء.

زوجة أم عروس؟

ترى جِيلَار أنّ تاغونجا في أكثر الروايات زوجة لا عروس بكر: تلبس الحزام الذي تلبسه الأمّهات، ويُرسم على وجهها وشم المتزوّجات، وثيابها ثياب عيد لا ثياب عرس، وتخرج أحياناً مع زوج. وتقول إنّ الطقس يقام في الغالب قبل البذر، بين ديسمبر وفبراير في الصحراء ونحو مارس في غيرها، وإنّ البيوت تعطي الموكب البيض والدقيق والحبّ، لا اللحم ولا المال، فيُطبخ منها في المساء حساء الشعير أو العصيدة أو الفطائر، وكثيراً ما ينتهي الطقس بلعب الكرة. وتقرأ الطقس كلّه صورة لخصب المرأة، فالمغرفة والقصب والماء والطعام كلّها من عالم النساء وطعامهنّ، وتنقل قولاً يجعل تاغونجا علامة على بقاء الأمازيغ: ما دامت تاغونجا حيّة فالشعب الأمازيغي حيّ.

عند المتكلّمين بالعربية

ويقيم الطقس من يتكلّمون العربية أيضاً. ففي الغربية ودكّالة تُلبس النساء المغرفة ثياب امرأة أو عروس ويطفن بها من خيمة إلى خيمة، ويغنّين باللفظ نفسه: «تاغنجا حلّت راسها، يا ربّي تبلّ خراصها».

القراءة الرمزية

تصف المقالة الأمازيغية تاغونجا طقساً ربيعياً تُحضَّر فيه أطعمة من سبع حبوب مختلفة، وتقرؤها دليلاً زراعياً ونظام تكافل في صورة طقس: سبع حبوب لتنويع المحاصيل، فإذا فشل محصول نجحت الستّة الأخرى، والطعام يوزَّع على الجميع، والطقس في الربيع موعد الزرع. أمّا السجلّات التي جمعها لاوست ووسترمارك فتجعل تاغونجا المغرفة المزيّنة عروساً، وتُظهر فيها التكافل الذي تذكره المقالة: يجمع الموكب الدقيق والحبّ من البيوت فيأكل الناس معاً. وأمّا الطبق ذو السبعة أصناف فتسجّله هذه السجلّات في رأس السنة، في ينّاير. فالمقالة جمعت في الاسم الواحد عادتين من سنة زراعية واحدة. ويقرأ لاوست العروس صورة الأرض التي تنتظر ماء السماء، وتقرأ المقالة الأمازيغية الفتاة أو الدمية في حكاية أنزار صورة الأرض أيضاً، فتلتقي القراءتان.

التوازيات عبر الحضارات

في «أنساب الآلهة» عند هسيود يغطّي أورانوس، السماء، غايا، الأرض، من كلّ جهة ويقترن بها فتلد، فالسماء زوج الأرض هناك كما أنزار زوج تاغونجا هنا. والفرق أنّ اقتران أورانوس بغايا يبدأ الخلق مرّة واحدة، وزفاف تاغونجا يُعاد في كلّ جفاف، تصنعه القرية بيدها حين يتأخّر المطر. ومكان الطقس من السنة يتّصل بما يجمعه مفهوم السنة الزراعية.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. لاوست، «كلمات وأشياء بربرية»، 1920، ص 204–217

  2. وسترمارك، «الطقوس والمعتقدات في المغرب»، ج2، 1926، ص 266–268

  3. جيلار، «صلوات طلب المطر: غونجا، تلغونجا، بلغونجا»، الموسوعة البربرية 41، 2017

  4. بلانتاد، «المطر»، الموسوعة البربرية 38

  5. «الصحاح» و«تاج العروس»، غنج