ملخص
هذه قصص وتعاليم تدور على ما تحتاج إليه الأرض لتعطي القوت: ماء في وقته، وبذر وعمل، ثم حصاد يُحفظ، وما يحدث للناس إذا توقف شيء من ذلك.
عند الإغريق يأخذ هاديس برسيفوني إلى العالم السفلي برضا زيوس، فتبحث أمها ديميتر عنها، ثم تمنع الحب من النمو. تجر الثيران المحاريث ويلقي الناس الشعير فلا تنبت الأرض، ويكاد البشر يهلكون وتنقطع القرابين، فيرسل زيوس هِرْمِس، وينتهي الأمر إلى أن تقضي برسيفوني ثلث السنة تحت الأرض وثلثيها مع أمها، فتعيد ديميتر الإنبات.
وفي دورة بعل من أُوغارِيت يبتلع موت بعلاً صاحب المطر، فتبحث عنه عنات، ثم تلقى موت فتضربه بالسيف وتذريه وتحرقه وتطحنه وتنثره في الحقل كما يُفعل بالحب. دورة بعل، اللوح 1.6. وفي «هبوط إنانا» السومرية يُؤخذ دموزي بديلاً عن إنانا في العالم السفلي، ويقتسم نصف السنة هناك مع أخته جشتينانا «گِشْتِينَانَّا».
وفي «تعليمات الزارع» السومرية يعلّم الأب ابنه أن يفحص القنوات قبل أن يدخل الماء، وأن يجهز أدواته، وأن يجعل عند الحصاد رجلاً يقطع وآخر يربط الحزم وثالثاً يقسمها، ثم يدرس ويذري ويكيل، وتنسب الخاتمة هذا التعليم إلى نِينُورْتا ابن إنليل. تعليمات الزارع، 1–22 و74–111. وفي مصر يصف بْلُوتَارْخ كهنة يخرجون ليلاً في شهر أثير، فيصبون ماءً في إناء ذهبي، ويعجنون تراباً خصيباً بالماء والطيب، ويفسر النيل بـأوزيريس والأرض التي يسقيها بـإيزيس. بلوتارخ، إيزيس وأوزيريس 38–40. وفي سورة يوسف يُدبَّر القحط قبل وقوعه: سبع سنين يزرع الناس فيها ويتركون الحب في سنبله إلا قليلاً مما يأكلون، ثم تأكل السنون الشداد ما خزنوه.
تتفق هذه النصوص في أن القوت يتوقف على أكثر من الزرع نفسه: على ماء يأتي، وعلى أسرة أو جماعة تعمل، وعلى ما يُحفظ للسنة التالية. وتفترق في سبب الشدة وعلاجها. في نشيد ديميتر تتوقف الأرض لأن أماً تريد ابنتها، وفي أوغاريت يغيب صاحب المطر ويُعالج الموت معالجة الحب، وفي سومر يتقاسم أخ وأخته الغياب نصف سنة، وفي تعليمات الزارع وسورة يوسف العلاج عمل مدبَّر: قناة تُفحص وحب يُخزن. ولا تذكر هذه القصص أسماء الشهور، فترتيب الأعياد في السنة يحتاج إلى شاهد يخص المكان والعصر.
أمّا الأسماء فنقرؤها في اللسان العربي هكذا: تكتب أوغاريت bʿl «ب-ع-ل»، وإذا رُفعت علامة الإعراب من Baʿlu «بَعْلُ» بقي «بَعْل»: صاحب الشيء ومالكه، والزرع البعل في العربية ما استغنى عن السقي، واختلفت الشروح في مائه: أهو المطر أم الرطوبة التي تبلغها الجذور. فإذا ابتلع الموت بعلاً جفّت الأرض. وديميتر «دِيمِيتِير» من جزأين، «دي» وهو «ذي» العربية، أي صاحبة، و«ميتير» وهو «مطر»، فهي «ذي مطر»، التي تمسك الإنبات وتطلقه. وبرسيفوني «پِرْسِفُونِي» تُقرأ، «قراءة مقترحة على المنهج»، من «بَرْث»، وهي الأرض اللينة السريعة النبات، و«فَناء»: الأرض التي يذهب نباتها ثم يعود. وعَنَات من «العَنَت»، أي المشقة والهلاك، وهي التي تُعنت موتاً. وإيزيس «أ-س-ت» تسقط تاء تأنيثها فيبقى «آس»، وهو «أسا» أي داوى وحزن.
الشواهد بحسب الحضارة
أوغاريت: أعمال المحصول في قصة صراع
بعد خبر موت بعل تبحث عنات عنه، ثم تضرب موت بسيف وتستعمل فيه القطع والتذرية والحرق والطحن. تقارن القراءة الزراعية هذه الأفعال بمعالجة المحصول، وتفهم عمل عنات بوصفه مقاومةً للهلاك والجوع. وأداة القطع في النص ḥrb «حَرْب»، نصل يكون سيفاً ويكون سكّيناً، وتليه في السطور نفسها أفعال الحبّ، ولذلك تقرؤه المقالة الكنعانية منجلاً، نصلَ الحاصد. يعود موت بعد سبع سنوات ويقاتل بعل، وتنهي شپش الخصومة بتحذيره من غضب إيل. لذلك لا يدل المشهد وحده على حصاد سنوي، ولا يحدد أن نساء أوغاريت كن يتولين الحصاد دون الرجال.
سومر: تعليمات الفلاح
يعلم الأب ابنه في «تعليمات الزارع» أن يفحص القنوات قبل إدخال الماء، ويضبط ارتفاعه ويجهز أدواته. وعند الحصاد يخصص رجلاً للقطع وآخر لربط الحزم وثالثاً لقسمتها. ثم يصف الدرس والتذرية والكيل والطقوس المصاحبة، وتنسب الخاتمة التعليم إلى نينورتا، ابن إنليل. يتلقى الابن هنا خبرةً في السقي وتنظيم العمال إلى جانب التعليم الطقسي.
مصر: مراسم التراب والماء
يفسر بلوتارخ في «إيزيس وأوزيريس»، الفصول 38–40، النيل بـأوزيريس والأرض التي يسقيها بـإيزيس، ويجعل حورس ناتج اجتماعهما. ويصف خروج الكهنة ليلاً في اليوم التاسع عشر من شهر أثير: يصبون ماءً صالحاً للشرب في إناء ذهبي صغير، ثم يعجنون تراباً خصيباً بالماء والطيب والبخور، ويصنعون هيئة هلالية يكسونها. يشرح بلوتارخ المراسم بالأرض والماء. شهادته من العصر الروماني، فلا يعمم تاريخها على جميع عصور مصر.
اليونان: توقف إنبات الحبوب
يأخذ هاديس برسيفوني برضا زيوس وعلى كره منها. تبحث ديميتر عن ابنتها، ثم تمنع الحبوب من النمو حتى تراها. تجر الثيران المحاريث ويلقي الناس الشعير، لكن الأرض لا ترد زرعهم؛ وإذا ماتوا انقطعت القرابين عن المعبودات. لذلك يرسل زيوس هرمس، وينتهي الاتفاق إلى ثلث السنة في الأسفل وثلثين مع الأم. تعود الزهور، وتعيد ديميتر الإنبات وتعلم شعائر إليوسيس.
تقارن القراءة الزراعية نزول برسيفوني وخروجها بدفن البذرة وإنباتها. غير أن النشيد يجعل سبب توقف الإنبات امتناع ديميتر حتى تستعيد ابنتها، ويجعل الجوع خطراً على البشر والقرابين معاً. ويذكر الثلث دون أسماء الشهور؛ فتعيين نوفمبر إلى فبراير قراءة حديثة، لا موعداً سجله النص.
القراءة الرمزية
في نشيد ديميتر يحرث الناس ويبذرون، ولا تنبت الأرض لأن الأم ترفض أن تعيد الإنبات قبل رجوع ابنتها. تتوقف بذلك معيشة البشر، ويخشى زيوس انقطاع ما يقدمونه من قرابين. تصل الحكاية أمر الأسرة بما يحتاج إليه الفلاح وما يقدم إلى المعبد.
تذكر سورة يوسف تدبيراً محدداً لسنوات القحط: سبع سنوات من الزرع، يترك الناس الحبوب في سنابلها إلا ما يأكلون، ثم تستهلك السنوات الشداد المخزون ويبقى قليل يحفظونه حتى عام الغوث. يحفظ الناس الطعام قبل أن تقع الشدة، ويحدّون ما يأكلونه حتى يكفي المخزون أعواماً.
وفي «نزول إنانا» يشترط أهل العالم السفلي بديلاً عند خروج إنانا، فيؤخذ دموزي. وتحفظ الخاتمة المكسورة اقتسام نصف السنة بينه وبين أخته جشتينانا، من غير أن تسمي محصولاً يوافق كل نصف. يمكن مقارنة المدة بالمواسم، لكن النص يعطي مدة الغياب لاثنين من أسرة واحدة، لا جدولاً لأعمال الفلاح.
أما تاريخ كل عيد ومن يملك الماء والحقل والمخزن فلا يستخرج من قصة نزول شخص وعودته. يمكن وصف المطر والحصاد في الحكاية، ثم مقارنة ذلك بالشاهد الطقسي أو الإداري الخاص بالموضع؛ ولا تثبت صورة عنات وحدها أن العيد أعاد توزيع الطعام أو أنه كان يحتفظ به لفئة بعينها.