ملخص
يَنَّايَر أوّل أيّام السنة الفلاحية عند أهل شمال إفريقيا، يحتفل به أهل القرى من الأمازيغ والعرب على السواء. ويقع اليوم في 12 يناير في الجزائر، و13 في المغرب وليبيا، و14 في تونس، لأنّه يتبع التقويم اليولياني القديم، وهو يتأخّر عن التقويم المعمول به اليوم. ويسمّيه أهل المغرب في رواية وسترمارك يَنَّايَر وإِنَّايْر ونَّايْر، ويسمّي بعضهم أوّل السنة أو آخر ليلة فيها الحاگوز. ويقال فيه إنّه الباب الذي يفتح السنة، وإنّ عيد العَنْصَرة في الانقلاب الصيفي هو الذي يغلقها، ويدوم يومين أو ثلاثة أو أربعة بحسب المنطقة.
ويبدأ العيد بليلة إمساك. ففي مواضع كثيرة لا يُطبخ الكسكس ليلة ينّاير، ويؤكل بدله البَرْكُوكْس، أو اللبن والبقول المسلوقة كما في بلاد القبائل. ثم يأتي طعام الوفرة: في فاس كسكس «السبع خضاري»، وعند آيت ورايين كسكس بسبعة أصناف من الخضر، وعند آيت يوسي عصيدة من القمح يُخبأ فيها سبعة أشياء صغيرة، نواة تمر ونواة زيتون وفولة وحبّة ذرة وحمّصة وبذرة زبيب وقطعة صغيرة من الكتل الصلبة التي تتكوّن في اللبن المخيض حين يُغلى، فمن وجد واحدة منها أوّلاً كان أسعد أهل البيت في سنته. وفي أمانوز في سوس تُطبخ أنواع الحبّ والقطاني كلّها معاً في طبق اسمه أُورْكِيمْن. وتُذبح الدجاج في أكثر المواضع، وفي دكّالة دجاجة لكلّ فرد من أهل البيت، وفي بلاد القبائل يُرفع رأس ثور فوق الغلام المولود في تلك السنة ليكون «رأساً» في قريته، ويُحلق شعره أوّل مرّة. وتُرمى حجارة الموقد القديمة وتوضع مكانها حجارة لم يُطبخ عليها قطّ، ويُترك على حجارة الموقد شيء من العصيدة لأرواح النار، وعلى سقف الخيمة شيء منها للخيمة نفسها، فإذا أصبحت الكتل مبتلّة من أسفلها قالوا إنّ السنة ممطرة طيّبة. ويُدخلون إلى الخيمة شيئاً أخضر، ولو حزمة من العشب.
وفي ليلة ينّاير تمرّ عجوز يسمّيها أهل المغرب الحاگوزة، واسمها في رأي وسترمارك من «العجوز» العربية بعد أن صارت العين حاءً. تهدّد الصغار الذين لا يأكلون حتى يشبعوا بأنّها ستشقّ بطونهم وتملؤها تبناً، فيُلحّ الآباء على أولادهم أن يأكلوا، ويُترك لها نصيب من العشاء تحت صحن مغطّى. ويخرج في العيد رجال مقنّعون يطلبون المال والطعام للوليمة المشتركة: «حمار التين» في ندرومة، وبُو بْنَانِي في تلمسان، وبُو رْضْوَان في غرب تونس، وفي مواضع أخرى جمل أو أسد. البريغة، الفقرتان 5 و6، وسترمارك، ج2، ص 161 و168.
والفكرة التي يدور عليها ينّاير أنّ ما يفعله الإنسان عند باب السنة يفعله السنة كلّها. قال أهل آيت نْدِير لوسترمارك إنّ ما يفعله المرء ليلة ينّاير يفعله طول العام، وقال غيرهم إنّ من نام جائعاً بقي جائعاً، ومن ملأ بطنه لم يعرف الحاجة. ولذلك يكثرون أصناف الحبّ والخضر في الطعام، ويرى وسترمارك أنّهم يأكلون من كلّ صنف ليكثر ذلك الصنف في السنة الآتية. وتقرأ المقالة الأمازيغية العيد تقويماً زراعياً، بداية موسم أمطار الشتاء، وتؤرّخه بسنة 950 قبل الميلاد، وهي السنة التي جُعلت بداية لعدّ السنين الأمازيغية في القرن العشرين، فهي اصطلاح في عدّ السنين، لا تاريخ نشأة العيد.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ينّاير هو اسم الشهر اللاتيني Ianuarius «يَانُوَارْيُوس» بعد أن سقطت لاحقته، وIanuarius «يَانُوَارْيُوس» شهر يانوس، معبود الأبواب والبدايات عند الرومان، ومن اسمه ianua «يَانُوَا»، أي الباب. وهذا ما تقوله المقالة الأمازيغية حين تجعل ينّاير «الباب الأوّل»، وما تقوله الموسوعة البربرية حين تجعله «الباب الذي يفتح السنة». وقد قرأت صفحة يانوس اسمه في اللسان العربي من «جَنَّ»، والياء اللاتينية فيه تقابل الجيم العربية: الجُنّة ما يستر ويحمي، وجِنّ الشيء أوّله وحدّته، يقال جِنّ الشباب أوّله، وفعل الأمر بجِنّ ذلك أي في أوّل أمره وطراوته. فينّاير على هذه القراءة «جِنّ السنة»، أوّلها وهي غضّة، والباب الذي يُدخل منه إليها، والأمازيغية تشدّد نونه كما هي مشدّدة في «جِنّ».
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | الموضع |
|---|---|---|
| Ianuarius | يَانُوَارْيُوس | اسم الشهر في اللاتينية |
| ennayer، yennayer | إِنَّايَر، يَنَّايَر | الجزائر وبلاد القبائل |
| yennáyer | يَنَّايَر | فاس |
| innáyr | إِنَّايْر | الحياينة وأغلو وأمانوز |
| nnáyr، nneír | نَّايْر، نّْعِير | إيگليوا وآيت صدّن وغيرهم |
| ḥagūz، ḥagūza | حَاگُوز، حَاگُوزَة | أوّل السنة أو ليلتها الأخيرة في المغرب |
تردّ «الموسوعة البربرية» الاسم إلى Ianuarius «يَانُوَارْيُوس» بلا تردّد، وتقول إنّ ينّاير الشهر الأوّل في التقويم اليولياني. وأسماء الشهور الأمازيغية كلّها لاتينية الأصل، كما تُظهر المقالة السامية الأمازيغية نفسها في جدولها: يبراير من فبراير، ومايّو، ويونيو. وتقترح المقالة السامية الأمازيغية للاسم تحليلاً آخر: yan «يَان» أي واحد، وayyur «أَيُّور» أي القمر والشهر، فيكون «الشهر الأوّل». وهذه القراءة أضعف، لأنّ ينّاير جاء في سلسلة شهور كلّها من اللاتينية، ويوافق حروف Ianuarius «يَانُوَارْيُوس» بترتيبها. ويذكر تاوتاو تفسيراً ثالثاً يجعله «كلام السماء».
ويبقى بعد نزع اللاحقة اللاتينية جذع Ian- «يَان»، وتقرؤه صفحة يانوس من ج-ن-ن: الياء في أوّل الاسم اللاتيني تقابل الجيم العربية، كما عادت ياء Iuno «يُونُو» جيماً في الإنجليزية Juno «جُونُو». وفي معجم لين: جِنّ الشباب أوّله وحدّته، وجِنّ النبت زهره ونَوره، فالمعنى أوّل الشيء في أحسن حاله. وهذا يوافق ما تقوله المقالة الأمازيغية من أنّ ينّاير «الباب الأوّل» للموسم. والحدّ الوحيد هنا أنّ القراءة تمرّ باللاتينية: ينّاير اسم شهر روماني دخل الأمازيغية، فالقراءة العربية قراءة لاسم يانوس قبل أن يصير ينّاير.
السرديات الأسطورية الرئيسة
عدّ السنين من شيشنق
تقول المقالة الأمازيغية إنّ سنة 950 قبل الميلاد هي السنة المنسوبة إلى انتصار الملك الأمازيغي شيشنق الأوّل على فراعنة مصر. ويروي تاوتاو أنّ هذا العدّ وضعه في باريس مؤسّسو «الأكاديمية البربرية»، وهي جمعية قامت سنة 1967، ونشره عمّار نقادي سنة 1980، وجعلوا بدايته السنة التي يُفترض أنّ شيشنق الأوّل تولّى فيها عرش مصر. ويرى تاوتاو أنّ هذه البداية لا يسندها دليل علمي، وأنّ تقديرات الباحثين لتولّي شيشنق تتباعد: نحو 945 عند كِيتْشِن، و980 عند جِرْتُو، و820 أو 819 عند جيمس وفان دير فين. وقد جعلت الجزائر ينّاير عيداً وطنياً بالقانون 18-12 سنة 2018، وأثار ذلك جدلاً في أصل العيد.
الفأل والمطر
يتنبّأ الناس في ينّاير بالسنة: يقرؤون مستقبلها في البركوكس أو في دم الذبيحة، ويكلّم أهل القبائل بقرهم ومعزهم، وعند آيت ندير يخرج رجل في الفجر قبل أن يستيقظ الناس فيصيح بالغنم والمعز، فإن أجابت الغنم أوّلاً كانت السنة طيّبة. ويذكر لاوست أنّ طلب المطر يدخل أيضاً في ينّاير: يطوف الأطفال بحَمَل ويجمعون الحبّ من كلّ نوع، ويضعونه في ضريح ولي ويضعون الحمل فوقه، فإن بال قالوا إنّ السنة طيّبة.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة الأمازيغية عادات ينّاير قراءة زراعية: أطباقه، ومنها الكسكس بسبع خضر، تنويع للمحاصيل كما في تاغونجا، وتبديل أعمدة الخيمة تجديد للبيت، ورشّ الماء على العتبة تطهير في أوّل الموسم، وإطعام الأشجار تسميد لها في الشتاء. والسجلّات تحفظ التجديد في حجارة الموقد التي تُرمى ويؤتى بغيرها، ويذكر سِيرْفْيِي أنّ اسم العيد في الأوراس قد يكون «يوم أوتاد الخيمة» عند أنصاف الرحّل. ويجمع سيرفيي معاني العيد في أربعة: دفع المجاعة، ومعرفة ما تأتي به السنة، والعبور من فصل إلى فصل، واستقبال القوى الخفيّة التي يمثّلها المقنّعون.
التوازيات عبر الحضارات
في «الأعياد» لأوفيد يسأل الشاعر يانوس في أوّل يوم من يناير: لِمَ يتهادى الناس التمر والتين اليابس والعسل؟ فيجيبه: هذا للفأل، حتى تأتي السنة كلّها حلوة كأوّلها، والفأل ينتظر البدايات. وهذا ما يقوله أهل ينّاير حين يأكلون ليشبعوا السنة كلّها، وما يأكله آيت أوباحتي ليلة العيد من تين ورمّان. ويرى وسترمارك أنّ المقنّعين في أعياد شمال إفريقيا يمكن أن يُردّ بعضهم إلى عيد أوّل يناير عند الرومان وما اجتمع فيه من عادات الساتورناليا، مع بقايا عادات أمازيغية أقدم. والسنة الزراعية التي يفتحها ينّاير يجمعها مفهوم السنة الزراعية، وطلوع الثريّا بنات أطلس كان عند هسيود موعد الحصاد.