ملخص
تريل، tteryel «تْتِرْيَل»، هي الغولة في حكايات الأمازيغ، وأشهر ما تُعرف به في حكايات القبائل في جرجرة. امرأة عجوز متوحّشة تسكن البرّية، تأكل الناس، والأطفال منهم خاصّة، ولها بنت جميلة واحدة يطلبها الأبطال. وتُسمّى في المغرب بأسماء أخرى، منها تَامْزَا، tamẓa «تَامْظَا».
يصفها الباحث عبد الله بونفور في «الموسوعة البربرية» كما ترسمها الحكايات: عجوز قبيحة شرّيرة، كثيرة الشعر، لها عُرف لا شعر، وعيناها «مريضتان» دائماً، وأسنانها كبيرة تُحدث صوتاً كلّما تحرّكت، وذراعاها قويّتان مسلّحتان بالمخالب، وأشهر ما فيها ثدياها العظيمان الثقيلان تلقيهما على كتفيها. صوتها عالٍ، وهي ماكرة، وقد تتزيّن لتغري، وتظهر في حكايات القبائل امرأة جميلة. وتأكل الأطفال، وفي بعض البلاد تأكل الجيف واللحم المحرّم كلحم الحمار. ويردّها الماء، ويردّها الرضاع: فإذا أمسك الطفل بأحد ثدييها ورضع منه صار بينهما عهد، فلا تأكله، بل تعينه.
ويقول قاموس دالي للهجة آيت منقلات إنّ تريل غولة القبائل، تهاجم الإنسان وتأكله، وهي «ضدّ المرأة»، «المرأة التي بقيت متوحّشة»، و«ضدّ الخصوبة»، ويقول إنّها تُذكر في حكايات القبائل أكثر من الغول الذكر، وإنّ الغولة المعروفة باسمها في بلاد القبائل هي «يمّا جيدا» وبنتها «يمّا نوجا». ويحفظ قولين من كلام الناس: «الرجل الأزرق العينين في نسبه غولة»، و«آذان تريل» اسم لنوع من الفطر.
ومن حكاياتها التي دوّنها ج. ريفيير في جرجرة سنة 1882 حكاية الأمير والغولة. يمرّ ابن الملك بفرسه على عجوز عند العين، فتقول له: لم تتزوّج ابنة الغولة. فيعرف من العجوز مكانها ويذهب. فتستقبله البنت، لونجا، وتقول: إن وجدتك أمّي أكلتك، فإنّها تأكل كلّ من تلقاه، وتخبّئه في حفرة دقّ الزيتون. وتعود الغولة فتسأل: من دخل البيت يا لونجا؟ فتقول: لا أحد يا أمّي، أنتِ الغولة وأنا ابنة الغولة، ونحن وحدنا. وفي الليل يهربان، وتلقي البنت حجراً في المهراس وتقول: «دُر يا مهراس، رجل يأخذ لونجا ابنة الغولة»، فيدور المهراس فتسمعه الأمّ وتظنّه ابنتها. ثم تطاردهما فيعترضها شجر السدر والنهر، فتناديهما من التلّ: يا لونجا، إن وجدتما نسوراً تقتتل فلا تفرّقا بينها. فيفرّق الأمير بينها، فيأخذه النسر الكبير تحت جناحه، ولا يُنقذ إلّا حين يُطعم أبوه النسور ويضرب السابع منها.
والفكرة التي تدور عليها الغولة أنّها المرأة التي تأكل بدل أن تُطعم. فالأمّ ترضع والغولة تأكل الأطفال، والأمّ تلد البنين والغولة لا تلد إلّا بنتاً، والأمّ في البيت والغولة في البرّية. لكنّ الحكاية تترك لها بابين إلى عالم الناس: ثديها، إذا رضع منه الطفل صارت أمّاً له، وبنتها، التي تخرج من بيتها بالزواج إلى بيت الناس. وتقرأ الباحثة كاميل لاكوست دوجاردان، كما يلخّص عرضٌ لكتابها، تريل امرأة مستقلّة بلا زوج، تأبى أن تلد البنين، فلم تلد إلّا «نوجا الجميلة».
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، قراءة مقترحة على المنهج. تقول المقالة السامية الأمازيغية إنّ «تي» في أوّل الأسماء الأمازيغية أداة تأنيث، كما في تيفيناغ، ويكتب الاسم دِستان taryal «تَارْيَال»، بالتاء والحركة اللتين تبدأ بهما الأسماء المؤنّثة. فإذا أُخذت التاء علامة تأنيث بقيت الراء والياء واللام، وهي حروف «رالَ يَريلُ»، ورال الصبيّ في معجم لين سال لعابه، و«الرِّيال» و«الرُّوال» اللعاب، ويقال الرُّوال للعاب الدابّة. فتريل على هذه القراءة «التي يسيل لعابها»، الجائعة إلى لحم الصغار، ذات الأسنان الكبيرة التي يُسمع صوتها.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | المعنى أو الموضع |
|---|---|---|
| tteryel | «تْتِرْيَل» | الغولة، في قبائلية آيت منقلات |
| tteryulat | «تْتِرْيُولَات» | جمعها |
| taryal | «تَارْيَال» | الجنّية الشرّيرة، عند دِستان |
| awaɣzen، iwaɣzniwen | «أَوَاغْزَن»، «إِوَاغْزْنِيوَن» | الغول الذكر، وجمعه |
| lɣul، lɣula | «لْغُول»، «لْغُولَة» | الغول والغولة، من العربية |
| tamẓa | «تَامْظَا» | الغولة في المغرب |
يضع دالي الكلمة تحت الأصل TRYL، فيعدّ التاء من أصلها، ويذكر بجانبها صيغة دستان taryal، ويحيل في الذكر على كلمة أخرى تماماً، awaɣzen، فليس للغولة اسم ذكر من حروفها. ويذكر أيضاً أنّ القبائلية تقول lɣul «لْغُول» للغول والغولة، وهي الكلمة العربية «الغول» دخلت القبائلية بأداة التعريف، فالعربية والأمازيغية تتجاوران في هذا الموضع: الكلمة الأمازيغية وبجانبها الكلمة العربية.
وتقول المقالة السامية الأمازيغية إنّ «تي» في تيفيناغ أداة تأنيث، وهذا ما تعرفه الأمازيغية في أسماء الإناث، تبدأ بالتاء وكثيراً ما تنتهي بها، كـ tifrit «تِيفْرِيت»، تصغير إفري، الكهف. فإن كانت التاء في tteryel علامة التأنيث بقيت ر-ي-ل، وهي حروف «ريل» في مكانها بلا قلب ولا إبدال. وفي معجم لين في مادّة «ريل»: رال الصبيّ يريل سال لعابه، و«الرِّيال» اللعاب، بلا همز، وفي مادّة «رول»: «الرُّوال» لعاب الدابّة، و«مِرْوَل» الرجل الكثير اللعاب.
وموضع الضعف أنّ دالي نفسه يعدّ التاء من الأصل، وأنّ الكلمة لا تنتهي بالتاء الثانية التي تختم كثيراً من الأسماء المؤنّثة، وأنّ اللعاب معنى ضعيف بجانب «الغولة»، يصف شهوتها ولا يصفها هي. ولا تذكر المقالتان الأمازيغيتان في المشروع تريل، فالقراءة مقترحة على المنهج.
السرديات الأسطورية الرئيسة
أسماء الغول في المغرب
يذكر بونفور للغول والغولة في حكايات المغرب أسماء كثيرة: بَخُّو، أي البعبع، وتامزا، وأكوكّو، ومَجّغْيول، وتتيريل، وتِرْغو، وأگرود، وتاغوزنت، وتايو، وزبّار. ويترجم إميل لاوست مجّغْيول «آكل الحمير»، ويرى بونفور أنّه أخطأ، وأنّ الاسم مركّب قديم معناه «أذن الحمار».
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة الأمازيغية التي تعيد قراءة الأساطير الكهف مسكن الأرواح والأجداد، والبرّية والصحراء بيئة يحفظها أهلها في أخبارهم. والغولة ابنة هذه البرّية: تسكن خارج القرية، حيث لا مجلس ولا عرف، وتأكل ما لا يأكله الناس. فالحكاية ترسم الحدّ بين البيت والبرّية، وتجعل الرضاع والزواج الجسرين الوحيدين بينهما.
التوازيات عبر الحضارات
ويروي ديودور الصقلّي أنّ في ليبيا، على طريق القائد أوفيلاس من قورينا إلى قرطاج، تحت صخرة عالية، كهفاً كثيف اللبلاب وُلدت فيه لَامِيَا، ملكة جميلة، مات كلّ أولادها، فحسدت الأمّهات على أطفالهنّ، وأمرت أن يُنتزع المواليد من أحضان أمّهاتهم ويُقتلوا، فتغيّر وجهها إلى صورة وحش، وبقي اسمها إلى زمانه أشدّ ما يُخوَّف به الأطفال. ويستشهد ببيت يوريبيدس: «من لا يعرف اسم لاميا، الليبية الأصل». فالغولة آكلة الأطفال كانت في الكتب اليونانية ليبية قبل أن تُدوَّن حكايات الأمازيغ بقرون.
وفي بلاد الرافدين تأتي لاماشتو إلى المرأة في الولادة وتأخذ الرضيع، وتُرسم على التمائم بمخالب ويرضع من ثدييها جرو وخنّوص. وتريل ذات المخالب أيضاً، وثدياها على كتفيها، لكنّ ثديها إذا رضع منه الطفل حماه، وثدي لاماشتو يرضع منه الحيوان لا الطفل.
وفي اليابان ياماأوبا، امرأة الجبل، تأكل الأطفال وترضعهم، وتربّي في الجبل الطفل كينتارو الذي صار بطلاً، فهي مثل تريل تأكل وترضع، وخبرها في ياماأوبا.