لاماشتو

ملخص

لاماشتو كائنة مؤذية في بلاد الرافدين، تهاجم الحوامل والوالدات والأطفال الرضّع، ويكتب الكتبة اسمها بالعلامتين السومريتين ᵈDÌM.ME «دِمْ-مِه». وهي ابنة آنو، معبود السماء، طُردت منه إلى الأرض. ليست لها قصّة طويلة في الملاحم، وإنّما نعرفها من التعاويذ التي تُتلى لطردها، ومن التمائم التي حُفظ منها أكثر من ستّين.

وتحكي التعاويذ أخبارها قطعاً متفرّقة تجتمع في قصّة واحدة. في تعويذة آشورية قديمة: «هي واحدة، هي إلهة، هي عطشى دائماً، ابنة آنو. بسبب نيّاتها الشرّيرة وقراراتها الكافرة رماها أبوها آنو من السماء إلى الأرض. شعرها منفوش، وثيابها منزوعة، تقصد من لا إله له». وفي تعويذة بابلية قديمة: «خلقها آنو، وربّاها إيا، وجعل لها إنليل وجه لبؤة. يداها قصيرتان، وأصابعها طويلة جدّاً، وأظافرها طويلة جدّاً. دخلت باب البيت، وانسلّت من مِحور الباب، فلمّا انسلّت رأت الطفل، فأمسكته في بطنه سبع مرّات». ثم يأمرها الراقي: «انزعي أظافرك، وأسقطي ذراعيك، قبل أن يصل إليكِ إيا الحكيم. محور الباب واسع لك، والأبواب مفتوحة: اذهبي وطوفي في البرّية. سأملأ فمك تراباً، ووجهك زوبعة، وعينيك بذور رشاد مطحونة. أقسمت عليكِ بلعنة إيا: اذهبي».

وفي تعويذة أخرى يوصف عملها في البيت والمدينة: «ليست طبيبة وهي تربط السرّة، وليست قابلة وهي تمسح المولود، تعدّ أشهر الحوامل، وتسدّ باب التي تلد، وتتبع خطو الماشية، تمسك الفتى في الشارع، والفتاة في الرقص، والصغير على كتف المرضعة». ثم يرميها معبودان من النافذة، ويُخرجانها من محور الباب، ويربطانها إلى شجرة طرفاء في وسط البحر. وفي غيرها: «هي ذئبة، ابنة آنو، العشب مأواها، تخنق الصغار، وتسقي الكبار ماء الولادة». ومن الإجراء الذي يرافق التعويذة: تُربط كتلة ملح في خرقة وتُعلّق في عنق المريض، فيبرأ.

والفكرة التي تدور عليها أخبارها أنّ الخطر الذي يهدّد ساعة الولادة يُعطى جسداً وطريقاً حتى يمكن طرده. الطفل الذي يموت في أيامه الأولى، والأمّ التي تموت في الطلق، لا يعرف الناس لهما سبباً ظاهراً، فتجعل التعاويذ السبب امرأة طويلة الأصابع والأظافر تدخل من محور الباب، وتجعل لها نسباً في السماء وطرداً منها. وما دام لها باب دخلت منه، فلها باب تخرج منه: يأمرها الراقي أن تنزع أظافرها وتعود إلى البرّية، وتُصنع لها التمائم، ويُرسم معها پازوزو الذي يطردها.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Lamaštu «لَماشْتُو» آخره ضمّة الإعراب الأكدية، وقبلها التاء علامة التأنيث، كما زاد الأكديون التاء في Mulliltu «مُلِّلْتُو»، اسم نينليل. فيبقى lamaš «لَماش»، أي اللام والميم والشين. والشين الأكدية تقابل السين العربية، كما في «سلام» وšalāmu «شَلامُو». فالجذر ل-م-س، والاسم «اللامسة». واللمس في معجم لين المسّ باليد، ويقال مجازاً: لمس البصرَ، أي ذهب به. وتقرأ المقالتان البابلية والسومرية الاسم من «لمس» ثم تجعلان آخره «شطّ»، أي جاوز الحدّ، فهي «اللامسة الشاطّة»؛ غير أنّ التاء علامة التأنيث، فلا حاجة إلى «شطّ». وهو ما تجعله التعاويذ: كلّها تقف عند يديها وأصابعها وأظافرها، فهي تمسك الطفل في بطنه، وتمسح المولود، وتربط سرّته، والراقي يأمرها أن تنزع أظافرها وتُسقط ذراعيها.

الجذر اللغوي

الصيغ المكتوبة

الصيغة النطق التقريبي الموضع
ᵈDÌM.ME «دِمْ-مِه» تُقرأ لاماشتو الكتابة بالعلامات السومرية في التعاويذ
Lamaštum «لَماشْتُم» لَماشْتُم الصيغة البابلية القديمة، بالميم في آخرها
Lamaštu «لَماشْتُو» لَماشْتُو الصيغة المتأخّرة

يُقسم الاسم ثلاثة أجزاء: lamaš «لَماش»، ثم التاء، ثم الضمّة التي تتبعها الميم في البابلية القديمة. والتاء قبل حركة الإعراب علامة التأنيث في الأكدية، وبها صارت أسماء كثيرة مؤنّثة، كما صار اسم إنليل في الإيمسال Mulliltu «مُلِّلْتُو» حين صار اسماً لزوجته. فالجذر ثلاثة أحرف: اللام والميم والشين.

وتقابل الشين الأكدية السين العربية في الكلمات التي ترجع إلى أصل واحد، كما تشهد قوانين المشروع: «سلام» العربية šalāmu «شَلامُو» الأكدية. ويُخرج هذا الطريق الاسم إلى ل-م-س بلا زيادة ولا نقص. واللمس في معجم لين المسّ، والمسّ باليد خاصّة، أو تحسّس الشيء باليد ليُعرف، ومنه التمس الشيء إذا طلبه، ويقال لمس البصرَ إذا ذهب به.

وتقرأ المقالتان الاسم «لمس + شطّ»، الماسّة التي تجاوز الحدّ، وتقرّبان «المسّ» بالمسّ الذي يُنسب إلى الجنّ. وتقترحان قراءة ثانية: «لَمّ + أشتّ»، التي تجمع ثم تشتّت، أي تخطف الأطفال. والقراءتان تقطعان التاء عن الشين وتجعلانها حرفاً أصلياً، والتاء في الأكدية علامة التأنيث، فتبقى «لمس» وحدها هي القراءة. وتقرأ المقالة السومرية بالجذر نفسه اسم lamassu «لَمَسُّو»، الحارس المجنّح الذي يقف على الأبواب، فتجعله «الذي يلمس فيحمي». فالحارسة التي تقف على الباب والمؤذية التي تنسلّ منه تُقرآن عندها من مادّة واحدة.

والحدّ الذي يبقى على هذه القراءة أنّ الفعل الأكدي للّمس lapātu «لَپاتُو»، ولم يظهر بعدُ في الأكدية ولا في فرع سامي غير العربية فعل ل-م-س بمعنى اللمس، ولا يعرف الدارسون للاسم أصلاً متّفقاً عليه.

السرديات الأسطورية الرئيسة

ابنة آنو المطرودة

تتّفق التعاويذ على أنّها ابنة آنو، وتختلف في سبب طردها. التعويذة الآشورية القديمة تقول إنّ آنو رماها من السماء بسبب نيّاتها الشرّيرة وقراراتها الكافرة، ويذكر متحف المتروبوليتان أنّ بعض الروايات تجعل السبب أنّها طلبت أن تأكل لحم الأطفال. وتلتقي هذه الأخبار في صورة واحدة: كائنة من السماء نزلت إلى الأرض جائعة عطشى، فهي تطوف بين البيوت تطلب ما مُنعته.

الهدايا والتمائم

تُرسم لاماشتو على التمائم بجسد إنسان طويل، ورأس أسد، ومخالب، وقدمَي طائر جارح، ويرضع جرو وخنّوص من ثدييها في بعض الصور. وتُرسم حولها هدايا تُقدّم لها لترضى وتذهب: مشط ومغزل ودبّوس، وهي من أدوات النساء، وربما عضو حيوان طعاماً. ويدور على التميمة نصّ أكدي يخاطبها «السيّدة الرفيعة» ويدعو المعبودات أن تطردها.

پازوزو الذي يطردها

ويُرسم معها في كثير من التمائم Pazuzu «پازوزو»، ملك شياطين الريح، الذي كانت الرياح الباردة النازلة من جبال زاغروس تُنسب إليه وتُعدّ حاملة للمرض. لم يكن خيّراً في نفسه، لكنّه يردّ لاماشتو ويسوقها إلى العالم السفلي. ففي لوح برونزي في متحف اللوفر يرقد مريض على سرير، ويقوم حوله رقاة في هيئة السمك، وتظهر لاماشتو في أسفل اللوح، ويظهر رأس پازوزو ورجلاه في أعلاه، ثم يظهر مرّة أخرى في أسفله إلى اليسار، يُستدعى ليُفزعها. وكان الناس يعلّقون رأسه قلادة في أعناقهم ووجهه إلى الخارج، يوجّهونه نحو ما يخافون. وتقرأ المقالة البابلية اسمه من «فَزَّ»، والپاء تقابل الفاء العربية لأنّ العربية لا پاء فيها. وفي معجم لين: فزّ فلاناً عن موضعه، أي أفزعه وأزعجه عن مكانه وطيّر قلبه. وهذا عمله في التمائم: يُفزع لاماشتو عن سرير المريض.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالتان لاماشتو قوّة شرّيرة «تمسّ فتؤذي»، وتقرّبانها بالمسّ الذي ينسبه الناس إلى الجنّ. وتسند التعاويذ نفسها جانباً من هذه القراءة، فهي تصف الأذى لمساً: إمساك البطن، ومسح المولود، وربط السرّة، وخنق الصغار.

والتعاويذ في الوقت نفسه سجلّ لما كان يخافه البيت. فهي تعدّ لحظات الخطر واحدة بعد أخرى: أشهر الحمل، وساعة الطلق، والسرّة التي تُربط، والمولود الذي يُمسح، والطفل على كتف المرضعة، والماشية التي تتبع خطوها. وتبيّن ما يُصنع لها: يُعلّق الملح في العنق، وتُقدّم لها أدوات النساء من مشط ومغزل ودبّوس لترضى، ويُرسم پازوزو ليطردها، ويُفتح لها الباب الذي دخلت منه لتخرج. فالكائنة التي جاءت من السماء جائعة صارت اسماً لكلّ ما يهدّد الأمّ والطفل، والتعويذة والتميمة صارتا ما يملكه البيت في مواجهته.

التوازيات عبر الحضارات

تقابل المقالة السومرية لاماشتو بليليث العبرية، وبهيكاتي الإغريقية، وبعمّيت المصرية. أمّا داخل بلاد الرافدين فصلاتها أوضح: هي ابنة آنو المطرودة إلى الأرض كما طُرد إنليل من نيبور في قصّة نينليل، وأذاها مرض يدخل البيت كما يدخل نمتار المدينة في «أتراحاسيس»، وكلاهما يُعطى في النصّ شيئاً حتى يرضى ويذهب: نمتار الخبز والدقيق عند بابه، ولاماشتو المشط والمغزل والدبّوس.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. مصادر الأدب الأكدي المبكر، الجامعة العبرية: تعويذة الملح، تعويذة «خلقها آنو»، تعويذة «ليست طبيبة»، تعويذة الذئبة، التعويذة الآشورية القديمة.

  2. متحف المتروبوليتان، تميمة لاماشتو من حجر السبج، 1984.348، وقلادة رأس پازوزو، 1993.181.

  3. وزارة الثقافة الفرنسية، لوح طرد لاماشتو، متحف اللوفر AO 22205.

  4. أوراك، نينليل، الاسم وكتاباته.

  5. معجم لين، لمس وفزّ.