فورتونا

ملخص

فُورْتُونا معبودة الحظّ والنصيب عند الرومان، تعطي وتأخذ بغير حساب يعرفه الناس، وكان لها في روما وما حولها معابد كثيرة بألقاب مختلفة. وأشهر قصّتها عند أُوفِيد في «الأعياد» قصّة حبّها للملك سِيرْفِيُوس تُولِيُوس، الذي صعد إلى العرش من أصل وضيع. يقول أوفيد إنّ في معبدها تمثالاً مغطّى بالأثواب بعضها فوق بعض، وإنّه تمثال سيرفيوس؛ وإنّ فورتونا أحبّت الملك حبّاً غلبها، فكانت تدخل عليه سرّاً من نافذة صغيرة، ولهذا سُمّيت البوّابة هناك «النافذة الصغيرة». ثم حرّضت ابنته تُولْيا زوجها تارْكْوِينْيُوس على قتل أبيها ليأخذ الملك، فقُتل الملك، وساقت هي عربتها فوق جسده، فسُمّي الشارع «الشارع الآثم».

ولفورتونا في برينيستي «پْرِينِسْتِي»، قرب روما، قصّة أخرى يرويها شِيشِرُون وهو يسخر منها. رأى رجل من أشرافها اسمه نُومِيرِيُوس سُوفُوسْتِيُوس في المنام مرّة بعد مرّة من يأمره أن يشقّ صخرة، فشقّها والناس يضحكون منه، فخرجت منها قطع قرعة من خشب البلّوط عليها حروف قديمة. وفي الموضع الذي بُني فيه معبدها سال العسل من شجرة زيتون، فصُنع من خشبها صندوق حُفظت فيه القطع، يخلطها طفل ويخرج منها قطعة لمن يسأل. وكان قرب الموضع تمثال لفورتونا ترضع جوبيتر وجونو طفلين.

والفكرة التي تدور عليها قصّتها أنّ النصيب يأتي من حيث لا يحسب الناس، فيرفع الوضيع ويهدم القائم. دخلت فورتونا على سيرفيوس من نافذة لا من الباب، فصار الولد الوضيع ملكاً، ثم أسقطته ابنته. وخرجت القرعة من صخرة لا يُنتظر أن يكون فيها شيء. ولهذا كان عيدها على ضفّة التِّيبِر، فُورْس فُورْتُونا في 24 يونيو، عيد العامّة والعبيد: يمشون أو يركبون القوارب إلى النهر ويشربون، لأنّ مؤسّس معبدها كان واحداً منهم ثم صار ملكاً.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ننزع اللاحقة اللاتينية -a «ـا» من Fortūna / Fortuna «فُورْتُونا» فيبقى «فورتون»، وأوّله «فَرَط». والفَرْط في العربية السبق والتقدّم، والفارط الذي يتقدّم القوم إلى الماء، وأفرط جاوز قدره، والفَرْط أيضاً الحين بعد الحين. ففورتونا على هذه القراءة الأمر الذي يسبق الحساب ويجاوز القدر، وهذا ما تجعله القصّة: الحظّ الذي جاء سيرفيوس قبل أن يستعدّ له، فجاوز به قدره من أصل وضيع إلى الملك.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما تبيّنه
Fortūna فُورْتُونا، والتاء بعدها واو طويلة الاسم اللاتيني.
Fortūnae فُورْتُوناي صيغة الإضافة؛ تبيّن أنّ -a «ـا» لاحقة.
fors فُورْس اللاتينية لما يقع اتّفاقاً، ويجعلها المعجم اللاتيني أصل الاسم.
فَرَطَ، الفارط، أفرط فَرَطَ، الفارِط، أَفْرَطَ العربية التي نقرأ بها الاسم.

يقول لين: فَرَطَ فُروطاً أي سبق وتقدّم؛ وفَرَطَ القومَ تقدّمهم إلى الماء ليهيّئ لهم الدلاء والحبال والحوض؛ والفَرْط الإفراط ومجاوزة الحدّ؛ والفَرْط أيضاً الحين من الزمن، وأن تأتي الرجل بعد أيّام، لا أقلّ من ثلاثة ولا أكثر من خمس عشرة ليلة. والفاء والراء في أوّل الاسم اللاتيني هما فاء «فرط» وراؤها، والتاء تقابل الطاء، لأنّ اللاتينية لا طاء فيها فتؤدّيها بأقرب حروفها. ويبقى بعد ذلك النون والنهاية الطويلة -ūna «ـُونا»، ولا تفسّرهما المادّة العربية.

ويصل المعجم اللاتيني الاسم بـfors «فُورْس»، أي ما يقع اتّفاقاً، وفيها الفاء والراء أيضاً. أمّا «الفُرصة» العربية فمن ف-ر-ص، ويسجّل لها لين معنى النوبة في أخذ الماء ثم الفرصة التي تمكّن صاحبها من العمل، فهي تشرح النصيب دوراً ووقتاً، لكنّ صادها لا تقابل تاء الاسم. ويذكر المقال الروماني «فَطِنَ» بمعنى الذكاء ثم يضيف «الحظّ»، ولم يُقدَّم شاهد معجمي على هذا المعنى الأخير. ويورد العبرية parat «پاراط» بمعنى قسم، وparatz «پاراص» بمعنى اندفع أو انفتح فجأة، وهما صورتان مختلفتان.

السياق التاريخي

لم تكن لفورتونا سيرة واحدة؛ كان لقبها وموضعها والجماعة التي تقصدها يحدّدون عملها. فـFortuna Primigenia «فُورْتُونا پْرِيمِيجِينْيا» في برينيستي ترتبط بالقرعة، وFors Fortuna «فُورْس فُورْتُونا» على ضفّة التيبر بعيد 24 يونيو، ويذكر تقويم أوّل أبريل Fortuna Virilis «فُورْتُونا وِيرِيلِيس». وكان شيشرون يقول إنّ الحكّام في زمنه لم يعودوا يستشيرون قرعة برينيستي، وإن بقيت عند العامّة.

ويروي لِيفِيُوس أنّ القنصل كارْفِيلِيُوس حوّل غنيمة الحرب إلى مال للخزانة، وعقد منها لبناء معبد فورس فورتونا، وأعطى الجنود حصّة.

القراءة الرمزية

تُستعمل القرعة في برينيستي لطلب جواب عن أمر لا يعرفه السائل. يحفظ المعبد قطعها وينظّم سحبها، وينسب الجواب إلى فورتونا؛ أمّا شيشرون فيشكّك في صدق هذه الوسيلة. وفي خبر كارفيليوس يأتي المال من غنيمة حرب، ويوزَّع على الخزانة والجنود وبناء المعبد. فالنصيب هنا يتّصل بإجراء ينظّمه البشر: سحب قطعة من صندوق في حال، وتقسيم المال بقرار القائد في الأخرى.

وتقارن المقالة الرومانية هذا المجهول بالتأمين الحديث، لكنّ النصوص القديمة تقدّم قرعة وغنيمة وعيداً لا عقداً وأقساطاً وتعويضاً. وتختلف فكتوريا أيضاً: فورتونا تتّصل بتقلّب الشروط والنصيب، وفكتوريا بالنتيجة التي يعلنها المنتصر ويثبتها في معبد أو قاعة.

التوازيات عبر الحضارات

تربط ماعت النظام بالميزان والحكم، وتربط لاكشمي الرفاه بالخصب والوفرة، وتمنح فكتوريا النصر صورة وإكليلاً وذاكرة عامّة. أمّا فورتونا فتظهر حين تسحب يد طفل دوراً مجهولاً، وحين يقسم القائد مالاً جاءت به الحرب، وحين يفتح العيد طريق النهر للعامّة. ويذكر المقال الروماني نظيرها الفينيقي جاد، معبود الحظّ، وهو في العربية الجَدّ، أي الحظّ والبخت.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. أوفيد، الأعياد 6؛ شيشرون، في العرافة 2.85–87؛ ليفيوس 10.46؛ تقويم برينيستي.

  2. معجم لين، فرط؛ المعجم اللاتيني: فورتونا وفُرْس؛ لين: فرط؛ معجم لين، فرص.

  3. معجم لين، جدد