ملخص
فكتوريا «وِكْتُورْيا» هي النصر نفسه في صورة معبودة عند الرومان: امرأة مجنّحة تحمل إكليلاً أو سعفة نخل، أخذوا صورتها عن نِيكِي الإغريقية. وليس لها قصّة ميلاد وزواج كسائر المعبودات، بل قصّة مكان: أين يضع الرومان النصر في مدينتهم. ففي سنة 216 ق.م، بعد هزائم شديدة أمام هانِيبال، أرسل هِيرُون ملك سَرَقُوسَة إلى روما تمثالاً لفكتوريا من الذهب وزنه مئتان وعشرون رطلاً، وقال رسله: خذوه فألاً. فقبله مجلس الشيوخ، ووضعه في معبد جوبيتر على الكابِيتُول.
وفي سنة 29 ق.م وضع أُغُسْطُس تمثال فكتوريا ومذبحها في قاعة مجلس الشيوخ، فصار أعضاء المجلس يحلفون اليمين عند مذبحها. وبقي المذبح هناك قروناً، حتى أمر الأباطرة المسيحيون بإخراجه. فكتب سِيماخُوس، حاكم مدينة روما، باسم مجلس الشيوخ إلى الإمبراطور فالِنْتِينْيان في أواخر القرن الرابع الميلادي يطلب إرجاعه، وسأل: أين نحلف على طاعة قوانينكم؟ وقال إنّ الناس لا يبلغون السرّ العظيم من طريق واحد. فردّ عليه أَمْبْرُوسْيُوس أسقف ميلانو، ولم يرجع المذبح.
والفكرة التي تدور عليها قصّتها أنّ النصر عند الرومان شيء تملكه المدينة وتحفظه في بيتها. فهم لا يحكون كيف وُلدت فكتوريا، بل أين أقاموها: على البالاتِين في معبد بُني من مال الغرامات، وعلى الكابيتول بجوار جوبيتر هديّةً بعد الهزيمة، وفي قاعة المجلس حيث تُتّخذ القرارات ويُحلف اليمين. ولهذا لم يكن إخراج مذبحها نقل تمثال من مكان إلى مكان، بل كان عند سيماخوس وأصحابه خروج النصر من بيت روما القديم.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ننزع اللاحقة اللاتينية -ia «ـيا» من Victōria / Victoria «وِكْتُورْيا» فيبقى «وِكْتور»، والواو والتاء والراء فيه حروف «وَتَر». والوَتَر في العربية حبل القوس الذي يُشدّ ثم يُطلق فيرمي السهم، والوِتْر أيضاً الثأر: والموتور الذي قُتل له قتيل فلم يدرك بدمه. ففكتوريا على هذه القراءة الوتر المشدود الذي ينطلق منه السهم إلى غايته، وهذا ما يجعله المقال الروماني لها؛ ويضيف معنى الثأر وجهاً آخر، هو قراءة مقترحة على المنهج: النصر إدراك الوتر بعد الهزيمة، كما قبلت روما تمثال النصر فألاً وهي موتورة بعد هزائمها أمام هانيبال.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | ما تبيّنه |
|---|---|---|
| Victōria | وِكْتُورْيا، والـv «ڤي» واو والـc «سي» كاف | الاسم اللاتيني. |
| victor | وِكْتُور | المنتصر؛ منه بُني الاسم بزيادة -ia «ـيا». |
| vincō | وِنْكُو | الفعل اللاتيني «أغلب». |
| وَتَر، وِتْر | وَتَر، وِتْر | العربية التي نقرأ بها الاسم. |
كانت v «ڤي» في النطق اللاتيني الكلاسيكي واواً، وc «سي» كافاً، وō «أو» حركة طويلة. فالاسم بعد نزع اللاحقة «وِكْتور»: واو، ثم كاف، ثم تاء، ثم راء. والواو والتاء والراء هي حروف «وتر» بترتيبها. يقول لين: الوَتَر شِرعة القوس ومعلّقها، وجمعه أوتار؛ ووَتَرَه وَتْراً ووِتْراً أدركه بذَحْل، أي قتل له قريباً؛ والموتور من قُتل له قتيل فلم يدرك بدمه، وهو طالب الثأر. وتبقى الكاف بين الواو والتاء بلا مقابل في هذه المادّة، وهي في اللاتينية جزء من بناء الكلمة، تظهر في الفعل vincō «وِنْكُو» نفسه. وفي العبرية יֶתֶר yeter «يِتِر» الحبل أو الوتر، تبدأ بالياء حيث تبدأ العربية بالواو.
ويصل المعجم اللاتيني الاسم بالفعل vincō «وِنْكُو»، أغلب، ومنه victor «وِكْتُور»، المنتصر، ثم victōria «وِكْتُورْيا»، النصر. ويذكر المقال الروماني قراءة ثانية هي «نَصَرَ»، تعطي معنى الغلبة والعون مباشرة، لكنّ حروفها لا تقابل حروف الاسم؛ فهي ترجمة للمعنى لا قراءة للصوت.
السياق التاريخي
كرّس لوكيوس بوستوميوس ميغيلوس «لُوكِيُوس پُوسْتُومِيُوس مِيغِيلُوس» معبد فكتوريا على البالاتين سنة 294 ق.م من مال الغرامات التي جمعها في منصبه. وبين 204 و191 ق.م حفظ المعبد حجر الأمّ الكبرى حتى تمّ معبدها. فصار مال العقوبة بناءً عامّاً، وصار بيت النصر موضعاً لحفظ وديعة مقدّسة.
وربط نصب أغسطس في الكُورْيا اليُولِيَّة، قاعة مداولات مجلس الشيوخ، نجاحه العسكري بهذا المكان السياسي.
القراءة الرمزية
يعمل مارس في التجنيد والقتال، أمّا فكتوريا فتعطي الغلبة المعلنة صورةً، سواء جاءت بعد معركة أو في ذكر سلسلة من الحروب. تحمل الإكليل، ثم تثبت النتيجة في حجر وطقس ومكان.
لكنّ الإكليل لا يحمل الخبر وحده. وراءه قتلى وأسرى وأرض وغنيمة وضريبة، والمنتصر هو الذي يختار الصورة التي ستبقى في القاعة. قد يرى أعضاء المجلس روايته كلّ يوم، بينما يغيب المهزوم عن الموضع الذي صاغ الذكرى.
التوازيات عبر الحضارات
نِيكِي الإغريقية هي المصدر التاريخي الأقرب لصورة النصر المجنّح التي استعملتها روما. أمّا عشتروت وعشتار وسِخْمِت فتجمع الحرب إلى السيادة أو الحماية في أعمال أوسع. وداخل روما تختلف فورتونا أيضاً: تظهر في القرعة وتقلّب النصيب، بينما تظهر فكتوريا عند النتيجة التي يعلنها الغالب ويقيم لها أثراً.