فاونوس

ملخص

فاوْنُوس معبود روماني قديم للغابات والمراعي، يحمي القطعان، ويتكلّم بالوحي من الأشجار، وقد شبّهه الرومان ببان «پان» الإغريقي. وهو في نسب فِرْجِيل ابن بيكوس «پِيكُوس» وأبو الملك لاتِينُوس. ففي «الإِنْيَادَة» تظهر لِلاتينوس علامات تخيفه في شأن ابنته لافِينْيا، فيذهب إلى مَوحى أبيه فاونوس تحت غابة أَلْبُونْيا العالية عند النبع، ويذبح مئة شاة، ويضطجع على جلودها في الليل، فيسمع صوت أبيه من الغابة يقول له: لا تزوّج ابنتك رجلاً من اللاتين، فسيأتي صهر غريب يرفع نسله اسمكم إلى السماء. وانتشر خبر الوحي قبل أن يصل إينياس وأصحابه إلى الشاطئ.

ويحكي أُوفِيد في «الأعياد» كيف أُخذ منه سرّه بالحيلة. أصابت الصواعق روما في عهد الملك نُوما، فأشارت عليه الحورية إِيجِيرْيا أن يمسك فاونوس وبيكوس. فوضع نوما عند نبع تحت غابة الأَفِنْتِين أقداحاً من الخمر، فجاء المعبودان فشربا حتى غلبهما النوم، فقيّدهما. فلمّا استيقظا علّماه كيف يُنزل جوبيتر من السماء، فنزل جوبيتر وطلب رأساً فداءً للصاعقة، فأعطاه نوما بصلة، ثم طلب شعر إنسان، ثم روحاً، فأعطاه روح سمكة، فرضي جوبيتر.

والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ فاونوس قوّة الغابة البرّية التي تعرف ما يخفى على الناس، ولا تعطيه إلّا لمن جاءها في موضعها: في الغابة عند النبع، نائماً على جلود القرابين، أو حاملاً الخمر. ولهذا يرجوه الفلّاح عند هُوراس أن يحفظ صغار ماشيته، ويقصده الملك ليعرف لمن يزوّج ابنته. وكان يكره الخداع: يروي أوفيد أنّه أراد أُومْفالِي ليلاً، وكانت قد تبادلت الثياب مع هرقل، فلمس ثوب المرأة فوجد تحته جسم هرقل، فطُرد وضُحك منه. ومن يومها كره الثياب التي تخدع العين، ولهذا يجري كهنته اللوبركي «لُوپِرْكِي» عراة في عيده.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ننزع اللاحقة اللاتينية -us «ـُس» من Faunus «فاوْنُوس» فيبقى «فاون»، وهو من مادّة ف-ن-ن. ويقرؤه المقال الروماني «الفَنّ»، أي الضرب والنوع من الشيء، ومنه أنواع الحيوان البرّي؛ ومن المادّة نفسها «الفَنَن»، أي الغصن، وهي قراءة مقترحة على المنهج تجمع المعنيين في الغابة. يقول لين: الفَنَن غصن الشجرة، وجمعه أفنان، والشجرة الفنّاء والفنواء الكثيرة الأغصان، والفنّ الضرب والنوع، والأفانين الأنواع والأساليب. ففاونوس على هذه القراءة صاحب الأفنان، ساكن الشجر الكثيف، وهذا ما تجعله القصّة: معبود يُقصد تحت الغابة العالية، ويتكلّم من بين أغصانها.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما تبيّنه
Faunus فاوْنُس الاسم اللاتيني في الرفع، وفيه حركة مركّبة تُكتب au «أَوْ».
Faune فاوْنِ صيغة النداء.
Faunī فاوْنِي صيغة الإضافة؛ تبيّن أنّ -us «ـُس» لاحقة.
Faun- فاوْن الجذع: ف، ثم الحركة المركّبة، ثم ن.
فَنَن، فَنّ فَنَن، فَنّ العربية التي نقرأ بها الاسم.

يقول لين: الفنّ الضرب والنوع من الشيء، وجمعه فنون وأفنان، والفَنَن غصن الشجرة، وجمعه أفنان، والشجرة الفنّاء والفنواء الكثيرة الأفنان. والفاء والنون في الاسم اللاتيني هما فاء «فنن» ونونها، والنون في العربية مضعّفة، تُكتب في «فنّ» واحدة مشدّدة وفي «فَنَن» اثنتين. أمّا الحركة المركّبة au «أَوْ» فليس لها مقابل في المادّة العربية، والقراءة تأخذها حركةً لاتينية بين الفاء والنون.

ويصل المعجم اللاتيني الاسم بالفعل faveō «فاوِيُو»، أي حابى وأعان وحمى، فهو عندهم «المواتي» الذي يُرجى عونه للحقل والقطيع. وهذا يلتقي بالقراءة العربية في حماية الحياة الريفية، ويختلف عنها في موضع المعنى: اللاتينية في فعل العون، والعربية في الشجر الذي يسكنه. ويذكر المقال الروماني قراءة ثانية هي «فَأْن» بمعنى الحمار الوحشي، ولا نجد لهذه المادّة مدخلاً في معجم لين، فهي تحتاج إلى شاهد معجمي على اللفظ والمعنى؛ ويذكر العبرية panim «پانِيم»، أي الوجوه، وpaʾah «پاءا»، أي الناحية، وهما لفظان تستدعيهما المقارنة لا صيغ يمرّ بها الاسم.

السياق التاريخي

تصلنا هذه الصور في شعر هوراس وفرجيل وأوفيد، في أواخر القرن الأوّل قبل الميلاد وبداية القرن الأوّل للميلاد. يصف هوراس دعاء صاحب حقل، ويحكي فرجيل خبر ملك، ويشرح أوفيد أعياداً وطقوسها. واختلاف العمل الذي يتحدّث عنه كلّ شاعر يفسّر اختلاف صورة فاونوس عنده.

وفي نسب فرجيل، بيكوس أبو فاونوس، وفاونوس أبو الملك لاتينوس من الحورية مارِيكا.

السرديات الأسطورية الرئيسة

دعاء الفلّاح

في قصيدة هوراس يدعو صاحب الأرض فاونوس إلى حقله، ويقدّم جدياً وخمراً وبخوراً، ويرجو سلامة صغار القطيع. وحين يأتي عيده في الخامس من ديسمبر تستريح القرية والثيران، ويتخيّل الشاعر الذئب بين الحملان لا يؤذيها.

اللوبركاليا

ويجمع أوفيد فاونوس ذا القرنين ببان في تفسير عيد اللوبركاليا «لُوپِرْكالْيا». ويروي أنّ النساء طلبن الولد عند جونو، فجاء جواب ملتبس عن التيس، فذبح عرّاف تيساً وأمر بضرب النساء بسيور جلده. وفي خبر لِيفِيُوس يحمل صاحب الطقس اسم بان أو إنووس «إِينُوُوس». هذه تفسيرات قديمة للعيد، لا أسماء متطابقة في كلّ رواية.

القراءة الرمزية

يرجو صاحب القطيع سلامة صغار ماشيته، ويريد الملك أن يعرف لمن يزوّج ابنته، ويطلب نوما فداء الصاعقة. وكلّهم يذهب إلى فاونوس في الغابة: لاتينوس يترك قصره إلى النبع وينام على الجلود، ونوما يضع الخمر عند النبع. فالقطيع يحتاج حفظاً، والزواج يغيّر صلات الأسر، وعيد القرية يتيح للناس وحيوانات العمل راحة يشتركون فيها؛ ويتغيّر الدعاء مع حاجة صاحبه.

التوازيات عبر الحضارات

ويظهر سيلفانوس «سِلْوانُوس» في تعليمات كاتُو للمزرعة، في الصيغة Marti Silvano «مارْتِي سِلْوانُو»، عند نذر في الغابة لحفظ الثيران. تشترك الشعيرة مع دعاء فاونوس عند هوراس في طلب سلامة الحيوان الذي تعتمد عليه المزرعة. وسيلفانوس هنا في نصّ لاتيني، وليس شخصية فينيقية.

والصلة ببان صلة أقامها المؤلّفون الرومان أنفسهم. أمّا مقارنة فاونوس بـإنكيدو فتبدأ من الحيوان وعلاقته بالإنسان: يعيش إنكيدو مع حيوانات البرّ، ثم يخرج من صحبتها إلى حياة المدينة؛ ويدعو المزارع فاونوس لحماية حيوانات يملكها بالفعل. فالبرّ موضع عيش في قصّة، وموضع خطر ورجاء لصاحب الماشية في أخرى.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. معجم لين، فنن.

  2. لويس وشورت، فاونوس، والفعل فاويو: المحاباة والنصرة.

  3. فرجيل، الإنيادة 7، والأبيات 81–106.

  4. هوراس، القصيدة 3.18.

  5. كاتو، في الزراعة 83.

  6. أوفيد، الأعياد 2 و3، وليفيوس 1.5.