ملخص
العرافة أن يطلب الناس قبل العمل علماً بما لا يرونه: هل يُبنى البيت، هل يخرج الجيش، ما الذي في القِدر. وطرقها اثنتان. إمّا أن ينطق المعبود على لسان إنسان، امرأة تجلس فوق شقّ في الأرض أو عرّافة يسألها الملك، وإمّا أن يُقرأ الجواب في شيء: كبد ذبيحة، شقوق عظم أُحرق، طيران الطير، سهم يُسحب من كيس.
وأقدم نصّ تامّ يروي العرافة من أوّلها إلى آخرها أسطوانة جوديا، حاكم لگش السومري، التي تروي بناء معبد ننگرسو. يرى جوديا في منامه رجلاً عظيماً كالسماء، رأسه رأس معبود وجناحاه جناحا طائر أنزود، يكلّمه في بناء بيته فلا يفهم، ثم امرأة بيدها قلم من فضّة تنظر في لوح فيه النجوم الموافقة. فيركب قاربه إلى مدينة الربّة نانشه، «مفسّرة الأحلام بين الآلهة»، فتفسّر له الحلم. ثم يقوم فيفحص أحشاء جدي أبيض فيخرج الفأل حسناً، ويُرقد جدياً عند قالب اللبن ويسأله فألاً في اللبنة، ولا يقدر أحد أن يُخرج من فمه كلمة عابرة تُحمل على الفأل، ويطهّر المدينة بالنار، ثم يفحص جدياً آخر فيحسن الفأل، ويرمي الحَبّ فيصحّ منظره، وينام في المعبد لحلم الوحي فيرى البيت مبنيّاً.
وصارت هذه الصنعة في بابل علماً له أهله. يقول المعجم الأكدي إنّ bārû «بارُو» العرّاف، وأكثر عمله فحص الأحشاء، وإنّه يقرأ أيضاً الزيت على الماء والدخان، واسمه من فعل barû «بَرُو»، رأى ونظر. ويقول إنّ têrtu «تيرْتُو» التعليمة والأمر، ومن الآلهة الأمر والفأل، وفي ماري الوحي، و«صنع التيرتو» أخذ الفأل، ومعناها أيضاً كبد الحيوان.
ثم تتعدّد الصور في الشعوب. في دلفي تنطق الپيثيا جواب أبولو فوق شقّ يصعد منه نَفَس، وفي سيوة يُحمل المعبود في قارب فيتحرّك بجوابه، وفي دودونا يسمع الناس مشيئة زيوس من بلّوطة عالية، ويخدمه السِّلّوي الذين لا يغسلون أقدامهم وينامون على الأرض. وعند الإتروسكيين خرج من حقل محروث طفل له حكمة شيخ هو تاغيس فعلّمهم قراءة الكبد، وفي روما يقرأ العرّاف الطير. وفي الصين يُحرق ظهر السلحفاة وتُقرأ شقوقه، وفي الشمال تجلس العرّافة وحدها خارجاً فيأتيها أودين يسألها. وعند العرب كان الكاهن، وكانت الأزلام تُجال عند هبل في الكعبة.
والفكرة التي تدور عليها هذه القصص أنّ الجواب يُطلب ويُدفع ثمنه ويحتاج إلى من يقرؤه. جوديا يقدّم الخبز والماء والذبائح قبل كلّ سؤال، وكرويسوس يرسل إلى دلفي الذهب، وأودين يعطي العرّافة الخواتم والقلائد. والجواب علامة لا تُفهم وحدها: الحلم يحتاج نانشه، والكبد يحتاج العرّاف، وكلام الپيثيا يحتمل وجهين. ولذلك يبقى السائل مسؤولاً عمّا يفهم، كما قالت الپيثيا لكرويسوس بعد هلاكه: كان عليك أن تسأل ثانية.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: كلمة «الكاهن» واحدة في ألسن كثيرة، تجعلها المقالة الكنعانية في هذا المشروع في جدول واحد: khn «كهن» في الأوغاريتية، وkohen «كوهِن» في العبرية، و«كاهن» في العربية. وتفترق في المعنى: هي في العبرية الكاهن الذي يقدّم القرابين، ومعجم لين يقول إنّ الكهانة في العربية العرافة، والكاهن العرّاف والعائف. فالكلمة نفسها تسمّي من يخدم المعبود ومن ينطق بالغيب، وهما في دلفي امرأة واحدة. وفي معجم لين أيضاً «عَبَرَ الرؤيا» فسّرها، و«عبرتُ الطير» زجرتها، أي أخذت الفأل من طيرانها، وهي المادّة التي يقال فيها «عبر النهر»، فالتفسير عبور بالعلامة من ضفّة إلى ضفّة.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | اللسان | المعنى |
|---|---|---|---|
bārû |
بارُو | الأكدية | العرّاف، فاحص الأحشاء |
barû |
بَرُو | الأكدية | رأى، نظر |
têrtu |
تيرْتُو | الأكدية | التعليمة؛ الفأل؛ الوحي؛ الكبد |
khn |
كهن | الأوغاريتية | الكاهن |
| כֹּהֵן | كوهِن | العبرية | الكاهن |
| נִחֵשׁ | نِحِش | العبرية | تفاءل وأخذ العلامة |
| תּוֹרָה | تورا | العبرية | التعليم والشريعة |
| Πυθία | پِيثِيَا | اليونانية | كاهنة دلفي |
| 卜، 筮 | «بُو، شِه» | الصينية | العرافة بالسلحفاة، العرافة بالأعواد |
| كاهن، كهانة | العربية | العرّاف؛ العرافة | |
| عَبَرَ الرؤيا، عَبَرَ الطير | العربية | فسّر الحلم؛ زجر الطير | |
| زَلَم، أزلام | العربية | سهم بلا نصل ولا ريش، سهام الاستقسام | |
| نَحِسَ | العربية | كان مشؤوماً |
الكاهن
يقول معجم براون ودرايفر وبرِغز إنّ العبري כֹּהֵן «كوهِن» الكاهن، ويذكر له نظائر في الآرامية والحبشية، ويحيل في الفينيقية والعربية إلى مادّة الفعل. ويقول معجم لين، في النسخة المنقولة إلى موقع المعاجم العربية، إنّ الكهانة العرافة، وإنّ الكاهن بمعنى العرّاف والعائف، ويقول الجوهري: الكاهن معروف، وكهن يكهن كهانة إذا تكهّن. فالحروف ثابتة في الألسن الثلاثة: كاف وهاء ونون، والمعنى في العبرية خدمة المذبح، وفي العربية النطق بالغيب. ودلفي تجمع المعنيين: الپيثيا تخدم المقام، وتنطق بجوابه.
الرائي
يسمّي الأكديون العرّاف bārû «بارُو» من فعل الرؤية والنظر، ويقول سفر صموئيل الأوّل إنّ من كان يذهب يسأل الله في إسرائيل كان يقول: لنذهب إلى الرائي، لأنّ النبيّ اليوم كان يُسمّى قديماً الرائي. وتقرأ المقالة الهندية في هذا المشروع اسم الريشي، حكيم الڤيدا، من «رأى»، فالريشي عندها «الرائي»، من يرى ما لا يراه غيره. فالعرّاف في هذه الألسن من يرى، وعلمه علم النظر في العلامة.
التعليمة والسهم
الكلمة الأكدية têrtu «تيرْتُو» تجمع التعليمة والفأل والوحي والكبد، فالأمر الإلهي يُقرأ في كبد الذبيحة. وفي العبرية תּוֹרָה «تورا»، التعليم والشريعة، ويقول معجم براون ودرايفر وبرِغز إنّها ربّما كانت في أوّلها من إلقاء القرعة، وفعلها יָרָה «يارا»، رمى بالسهم وعلّم. والعرب كانوا يستقسمون بالأزلام، ويقول معجم لين إنّ الزلم سهم بلا نصل ولا ريش، يُكتب على واحد «أمرني ربّي» وعلى آخر «نهاني ربّي» ويُترك الثالث غفلاً، فإذا أراد الرجل سفراً أو حاجة أدخل يده في الوعاء فأخرج سهماً، فإن خرج الأمر مضى، وإن خرج النهي قعد، وإن خرج الغفل أعاد. وفي القرآن «وأن تستقسموا بالأزلام». فالأمر في الألسن الثلاثة يُطلب من شيء يُرمى أو يُقرأ.
النَّحس
ومن الأفعال العبرية للعرافة נִחֵשׁ «نِحِش»: أخذ العلامة وتفاءل، ويذكر معجم براون ودرايفر وبرِغز أنّ بعض العلماء يشتقّه من נָחָשׁ «ناحاش»، الحيّة، ويخالفهم آخرون. وتلاحظ المقالة الهندية في هذا المشروع هذا الاقتران: الحيّة في العبرية والعرّاف من حروف واحدة. ونقرأ المادّة في العربية «نَحِس»: الشين العبرية تقابلها السين العربية بانتظام، وفي معجم لين نحِس الرجل أو النجم كان مشؤوماً، ضدّ سعِد. فالكلمة في العربية تسمّي الفأل السيّئ وحده، وفي العبرية فعل أخذ الفأل. وهي قراءة مقترحة على المنهج. والحيّة حاضرة عند الوحي في اليونان أيضاً: في دلفي تنّينة قُتلت فتعفّنت حيث قام المقام.
الشواهد بحسب الحضارة
بلاد الرافدين: الحلم والكبد
تجمع أسطوانة جوديا طرق العرافة كلّها تقريباً: الحلم ومفسّرته، واللوح الذي فيه النجوم، وأحشاء الجدي، والكلمة العابرة، والحبّ المنثور، والنوم في المعبد لطلب الرؤيا. وتسمّي نانشه «مفسّرة الأحلام بين الآلهة»، وتقول إنّ كلامها «موثوق مقدَّم». ويظهر في المعجم الأكدي أنّ العرّاف صار له مراتب: «ابن العرّاف» صاحب الصنعة، و«ناظر العرّافين» رئيسهم، وأنّ «سلسلة البارُوتو»، أي صنعة العرّاف، اسم لمجموعة نصوص فحص الأحشاء المكتوبة.
مصر وليبيا: المعبود المحمول
في سيوة يحمل ثمانون كاهناً تمثال المعبود على قارب من ذهب، فيسيرون حيث يوجّههم لا حيث يريدون، وتروي صفحة آمون سيوة الخبر. ويقول هيرودوت إنّ طرق العرافة في طيبة المصرية ودودونا متشابهة، وإنّ العرافة من الذبائح جاءت اليونان من مصر.
اليونان: دلفي ودودونا
دلفي صفحتها دلفي. وفي دودونا يدعو أخيل «زيوس الدودوني الپلاسغي الساكن بعيداً، حاكم دودونا الشاتية، وحوله السِّلّوي مفسّروك، الذين لا يغسلون أقدامهم وينامون على الأرض»، ويقال في «الأوديسة» إنّ أوديسيوس ذهب إلى دودونا ليسمع مشيئة زيوس من البلّوطة العالية. وتروي كاهنات دودونا لهيرودوت أنّ حمامة سوداء طارت من طيبة فوقفت على بلّوطة ونطقت بلسان الناس تأمر بوحي لزيوس، ويرى هيرودوت أنّ الحمامة امرأة مصرية بيعت هناك، سُمّيت حمامة لأنّ لسانها كان غريباً كصوت الطير، حتى تعلّمت لسانهم.
إتروريا وروما: الكبد والطير
يروي شيشرون عن الإتروسكيين أنّ حرّاثاً في أرض تاركوينيا شقّ الأرض بمحراثه أعمق من العادة، فخرج منها تاغيس في صورة طفل وله حكمة العرّاف، فاجتمعت إتروريا كلّها، فعلّمهم علم قراءة الأحشاء فكتبوه، وكبد پياتشنزا البرونزي يقابل به العرّاف كبد الذبيحة، كما في صفحة تاغيس. ويروي شيشرون نفسه قول كاتو القديم: «أعجب كيف لا يضحك العرّاف إذا رأى عرّافاً آخر». وفي روما يقرأ العرّاف الطير: يقود العرّاف نوما إلى القلعة، فيجلسه على حجر مستقبلاً الجنوب، ويضع يده على رأسه، ويسأل يوپيتر أن يرسل علامات إن رضيه ملكاً، فتظهر. ويُروى أنّ العرّاف أتّوس ناڤيوس امتحنه الملك تاركوينيوس: أفكّر في شيء، فهل يكون؟ فنظر في الطير وقال: يكون. فقال الملك: كنت أفكّر أن تقطع حجر المِسنّ بالموسى، فقطعه أمام الناس.
الصين: السلحفاة والأعواد
في باب «الخطّة الكبرى» من «كتاب الوثائق»، في الفقرة السابعة «فحص الشكّ»، يُختار رجال للعرافة بالسلحفاة وبالأعواد، فإن عرف ثلاثة اتُّبع قول اثنين منهم، وإذا كان على الملك شكّ عظيم شاور قلبه ووزراءه والعامّة والسلحفاة والأعواد، فإن وافقت كلّها فهو «الوفاق الكبير». ويقول سيما چيان في «السجلّات التاريخية» إنّ الملوك الحكماء لم يقيموا دولة إلّا استعانوا بالعرافة، وإنّ «عرافة السنونو الطائر» هي التي أقامت دولة شانغ، وإنّ الملك يحسم الشكّ بأعواد اليارو والسلحفاة، ويصف العرافة بأنّها «حرق السلحفاة والنظر في الشقوق». وفي متحف المتروپوليتان قطعة من عظم وحي من عصر شانغ، من القرن الثالث عشر إلى الحادي عشر ق.م.
الشمال: العرّافة وأودين
في «ڤولوسپا» تجلس العرّافة وحدها خارجاً حين يأتي الشيخ، أودين، فينظر في عينيها، فتقول: لماذا تسألني؟ لماذا تمتحنني؟ أعرف كلّ شيء يا أودين، أعرف أين خبّأت عينك، في بئر ميمير. ثم يختار لها «أبو الجيوش» خواتم وقلادة، فتبصر بعيداً في كلّ عالم. وتروي صفحة السَّيْذْر عمل العرّافة في الولائم وكيف كانت تُسأل.
العرب: الكاهن والأزلام
كان هبل أعظم أصنام قريش، قائماً في جوف الكعبة وبين يديه سبعة قداح، وكانوا إذا اختلفوا في أمر أو أرادوا سفراً أو عملاً استقسموا بها عنده، كما في صفحة أبولو. ونهى القرآن عن الاستقسام بالأزلام، وجعلها مع الخمر والميسر والأنصاب «رجساً من عمل الشيطان».
التوازيات عبر الحضارات
العرافة في هذه الشعوب نوعان يلتقيان. النوع الأوّل لسان: الپيثيا في دلفي، والعرّافة التي يسألها أودين، والكاهن عند العرب، والسِّلّوي في دودونا. والنوع الثاني علامة تُقرأ: كبد ذبيحة جوديا، وكبد پياتشنزا عند تاغيس، وشقوق السلحفاة في الصين، وطير العرّاف الروماني، وأزلام هبل. وتجمعهما بلاد الرافدين في رجل واحد، فجوديا يحلم ويسأل المفسّرة ويفحص الكبد في قصّة واحدة.
ويتكرّر في القصص أن يُمتحن الوحي قبل أن يُصدَّق: كرويسوس يسأل الأوحية ماذا يصنع في يوم بعينه، والملك تاركوينيوس يسأل العرّاف عن شيء في نفسه، والعرّافة تسأل أودين لماذا تمتحنني. ويتكرّر أن يحضر عند الوحي حيوان: الحمامة في دودونا، والتنّينة في دلفي، والكبش في سيوة، والجدي عند جوديا، والطير في روما.
ومن أسماء العرافة في العربية «عَبَرَ الرؤيا»، وهي مادّة العبور، فيلتقي هذا الباب بـنهر الموتى الذي يُعبر إلى العالم الآخر. والوحي الذي يحدّد مصير الملوك يقف قريباً من المويرات ولوح الأقدار: جواب الپيثيا لكرويسوس أنّ المعبود نفسه لم يقدر على صرف نصيبه.
وفي «ملحمة إيريك الأحمر» صورة عمل العرّافة في البيوت: تجلس ثوربيورغ «الڤولڤا الصغيرة» على منصّة في وليمة شتاء في غرينلاند وقد اشتدّ القحط، وتُنشد لها غوذريذ نشيداً، فتقول إنّ الأرواح جاءت، وتخبر بأنّ القحط سينتهي مع الربيع، ثم يسألها كلّ واحد عن قدره؛ انظر السَّيْذْر.
وفي اليابان كان وحي هاتشيمان في أوسا يقرّر أمور الدولة: حملت كاهنته إلى العاصمة وحياً بأنّه سيعين على صبّ تمثال بوذا الكبير، ومنع وحيه الراهب دوكيو من الجلوس على العرش، كما في هاتشيمان.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة الرومانية في هذا المشروع العرافة الرومانية علماً بالطبيعة: الطيور تتأثّر بالطقس فعلاً، فهجرتها تغيّر الفصل، وعلوّ طيرانها صحو، وانخفاضه عاصفة، فالعرّافون عندها أوّل خبراء الأرصاد، والعرافة من الأحشاء فحص صحّي، لون الكبد يدلّ على صحّة الحيوان والمرعى. وتقرأ المقالة الإغريقية دلفي مركزاً للرصد الفلكي والمعرفة بالمناخ. وأسطوانة جوديا تجمع العلامتين اللتين تذكرهما المقالتان: الكبد، واللوح الذي فيه النجوم الموافقة.