ملخص
غُورْزِيل معبود عند قبائل ليبيا القديمة في إقليم طرابلس، كان يُصنع له تمثال من خشب ومن معدن، ويُعرف في هيئة ثور. وأكثر ما نعرفه عنه في قصيدة لاتينية نظمها الشاعر الإفريقي كُورِيبُّوس في قرطاج نحو سنة 550 للميلاد، واسمها «يُوحَنِّيس»، يمدح فيها القائد البيزنطي يوحنّا تْرُوغْلِيتَا الذي حارب قبائل المور في إفريقية بين سنتي 546 و548. وفي القصيدة يقود قبيلةَ اللَّغْوَاتَن رجل اسمه يِيرْنَا، وهو كاهن غورزيل أيضاً، ويقول قومه إنّ أبا غورزيل آمون ذو القرنين، وأمّه بقرة.
وقصّته في القصيدة قصّة صورة تُحمل إلى الحرب. يرسل يوحنّا إلى زعيم الثائرين يتوعّده بأنّ غورزيل المنحوت، الذي يغنّي القوم أنّ النصر يأتي معسكرهم بحمايته، سيُشقّ ويُفرّق خشبه ويُلقى في النار أمام الناس. ثم يلتقي الجيشان، فيُطلق من وسط المور ثور أعدّه يِيرْنَا ليكون أوّل فأل لقومه بقوّة «غورزيل الآموني»، فيهيج بقرنيه العاليين بين الصفّين لا يدري من أين يخترق العدوّ، ثم يشقّ طريقه عائداً نحو معسكر قومه، فيلحقه فارس روماني ويطعنه بحربة تحت كتفه فيطرحه على الرمل. وتعلو صيحات الحرب، فينادي المور سِينِيفِيرِي ومَاسْتِيمَان، ثم ينادون «غورزيل! غورزيل!» فتردّد الصخور الجوفاء الاسم.
وتنكسر قبائل المور، فيهرب يِيرْنَا ومعه صور غورزيل يرجو أن تحميه، فيثقل بها فرسه حتى يعوقه، ويسأله الشاعر ساخراً: من هذا الذي تعبده، وأيّ حماية يعطي قومه، وأنت تسقط ميتاً وهو يُكسر بأيدي الأعداء، والنار تذيب معدنه اللامع؟ ويستردّ الروم رايات قائدهم سليمان القديمة، ويعودون بصور يِيرْنَا أسيرة، ويسقط يِيرْنَا قتيلاً بين ألوف القتلى.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ قوّة القبيلة في صورة معبودها. يصنع الكاهن الثور ويطلقه فيكون أوّل الفأل، وينادي المقاتلون اسمه في الصيحة، ويحمل الزعيم صورته في الهزيمة رجاء النجاة، فإذا قُتل الثور وذابت الصورة سقط الزعيم معها. وغورزيل في نسبه ابن آمون، الكبش ذي القرنين المعبود في واحة سِيوَة، وابن بقرة، فهو من بيت الماشية التي يعيش عليها أهل البادية، وقوّته قوّة الثور في القطيع. وبقي اسمه بعد القصيدة: نقش بوني متأخّر من إقليم طرابلس يذكر غورزيل قبل ساتورن، ويذكر الجغرافي البكري في القرن الحادي عشر صنماً من حجر على ربوة في الطريق من طرابلس إلى ودّان، كتبه المستشرق دِي سْلَان في ترجمته «غِيرْزَة»، وتقول الرواية إنّ قبائل البربر حوله ما زالت تقرّب له القرابين، وتطلب عنده الشفاء من المرض وزيادة المال.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يكتبه كوريبّوس Gurzil «غُورْزِيل» بأربعة حروف، أوّلها كاف مجهورة كالجيم القاهرية، ثم الراء والزاي واللام، وتزيد الأمازيغية اليوم في أوّله الألف التي يبدأ بها الاسم المذكّر فتقول Agurzil «أَغُورْزِيل». وهذه الحروف الأربعة بترتيبها هي حروف «قُرْزُل» في العربية، والقاف تظهر كافاً مجهورة في مقابلات مشروع جذور، كما تُنطق في كثير من بوادي العرب. والقُرْزُل في «لسان العرب» الدابّة الصُّلبة، والقيد، وهو اسم فرس مشهور في الجاهلية قيل سُمّي بالقيد كأنّه قيد للوحش يلحقها، وقال أبو عبيدة: القرزل الفرس المجتمع الخَلق الشديد الأَسْر. فغورزيل على هذه القراءة «القُرْزُل»: الدابّة الصلبة المجتمعة الخلق التي لا يقف أمامها شيء، وهذا ما يجعله النصّ: ثور يُطلق بين الصفّين فيهيج بقرنيه حتى يطعنه فارس. وهذه القراءة الثانية في المقالة السامية الأمازيغية، وقبلها «غَرَز» أي طعن، فيكون معبود الطعن والحرب، والقرنان يطعنان، لكنّها لا تقرأ إلّا ثلاثة من الحروف الأربعة.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | الموضع |
|---|---|---|
| Gurzil | غُورْزِيل | كوريبّوس، «يوحنّيس»، القرن السادس |
| Gurzil | غُورْزِيل | نقش بوني متأخّر من إقليم طرابلس، قبل اسم ساتورن |
| Guerza | غِيرْزَة | البكري، القرن الحادي عشر، كما كتبه دي سلان بالفرنسية |
| Ghirza | غِرْزَة | موضع آثار في ليبيا، يرى كامبس أنّه قد يحفظ الاسم |
| Agurzil | أَغُورْزِيل | الصيغة الأمازيغية الحديثة في المقالة |
في «لسان العرب»: «قَرْزَل الشيءَ جمعه، والقُرْزُل شيء تتّخذه المرأة فوق رأسها كالقُنْزُعة، والقُرْزُل الدابّة الصُّلبة، والقُرْزُل القيد، وقُرْزُل اسم فرس كان في الجاهلية». ويقول الزَّبِيدي في «تاج العروس» إنّ الفرس سُمّي باسم القيد، كأنّه قيد للوحش يلحقها، ويذكر قول أبي عبيدة إنّه اللطيف المجتمع من الخَلق الشديد الأسر من الأفراس. فمعنى الجذر يدور على الجمع والشدّ: شيء مجموع، وقيد يشدّ، ودابّة مجتمعة الخلق مشدودة. وأمّا «الفارس القوي» الذي تذكره المقالة فالمعاجم تجعل القرزل الفرس لا الفارس.
والمقابلة تحفظ الحروف الأربعة بترتيبها. الراء والزاي واللام كما هي، والقاف العربية تقابلها g «گ» في جدول مقابلات مشروع جذور، وكذلك الغين. فاللاتينية تكتب الحرف الأوّل G «گ»، ولا تكشف أكان قافاً أم غيناً أم كافاً مجهورة في نطق أهله، فالحرف الأوّل وحده لا يحسم بين «قرزل» و«غرز». والذي يحسم أنّ «غرز» تترك اللام بلا مقابل، و«قرزل» تقرأ الاسم كلّه. وفي معجم لين: غَرَزَ الإبرةَ في الشيء أدخلها، وغرز العود في الأرض أثبته فيها، والغَرْز ركاب الرحل من جلد، فالمعنى الإدخال والطعن.
وتجعل المقالة السامية الأمازيغية درجة الاقتراح «راجح»، وتقول إنّ الجذر غ-ر-ز أو ق-ر-ز سامي أصيل.
السرديات الأسطورية الرئيسة
كَرْكَسَان ونبوءة آمون
بعد هزيمة المور يجتمع زعماؤهم على كَرْكَسَان قائداً، فيمضي إلى بلاد المَرْمَرِيدَة حيث يسكن آمون ذو القرنين، ويطلب جواب وحيه. فيُضرب ثور على جبهته بفأس ذات حدّين، وتأخذ العرّافة الدفوف وتدور حول المذابح حتى يظهر عليها الإله، ثم تنطق: سينتصر اللَّغْوَاتَن على اللاتين، ويدخل كركسان قلعة قرطاج من أبوابها المفتوحة عالياً يسير في وسط المدينة والناس حوله. ويقول الشاعر إنّ آمون خدع القبائل، فقد دخل كركسان قرطاج حقّاً، لكنّ رأسه هو الذي دخل مرفوعاً على رمح.
القرابين في الليل
وقبل المعركة الأخيرة يقيم المور مذابح في معسكرهم ليلاً، ويسوقون الماشية حولها، ويذبحون لغورزيل ولآمون ذي القرنين، وينادون آلهة أخرى، فتجري الدماء في المروج.
غِرْزَة
يذكر دي سلان في حاشية ترجمته أنّ الرحّالة الإنجليزي سْمِيث رأى سنة 1817 في غرزة قبوراً منقوشة بصور محاربين وصيّادين وجمال وخيل، وأنّ اسم الصنم الذي ذكره البكري يذكّر بأبيات كوريبّوس عن غورزيل.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة السامية الأمازيغية غورزيل معبود الحرب عند الأمازيغ القدماء، وتجعله نظيراً لمارس الروماني ورِشِف الكنعاني. والنصّ اللاتيني يضيف إلى الحرب الماشية والفأل: ثور يُطلق في أوّل المعركة، وذبائح من القطيع في الليل، ونسب إلى كبش وبقرة.
التوازيات عبر الحضارات
أبو غورزيل آمون، وكان وحيه في واحة سيوة معروفاً عند اليونان، وصوّروه بقرني كبش. وأخذ بعل حمّون في قرطاج قرني الكبش من آمون في رأي لُوغْلِيه، فالثلاثة في إفريقيا من بيت واحد من صور الماشية ذات القرون، ويذكر النقش البوني غورزيل قبل ساتورن، وارث بعل حمّون عند الرومان. ويشترك غورزيل مع مارس ورِشِف في أنّ المقاتلين يطلبون عونهم في الحرب، ويفترق عنهما في أنّه لا يحمل سلاحاً في النصّ، وإنّما يدخل المعركة ثوراً يُطلق بين الصفّين.