طنجة

ملخص

طِنْجَة في الأسطورة امرأة قبل أن تكون مدينة: هي زوجة العملاق الليبي أنتايوس، وباسمها سُمّيت المدينة التي على مضيق البحر في أقصى المغرب، وكتبها اليونان Τίγγις «تِينْگِيس» والرومان Tingi «تِينْگِي».

يروي پْلُوتَارْخ في سيرة القائد الروماني سِرْتُورْيُوس أنّ أهل طنجة يحكون أنّ أنتايوس لمّا مات اقترنت امرأته Τίγγη «تِينْگِي» بـهيراكليس، فولدت له سُوفَاكْس، فملك سوفاكس البلاد، وبنى مدينة سمّاها باسم أمّه. ثم وُلد لسوفاكس ابن اسمه دِيُودُور، فخضعت له قبائل ليبية كثيرة، لأنّه كان معه جيش يوناني من الأُولْبِيِّين والمِيكِينِيِّين الذين أسكنهم هيراكليس هناك. ويقول پلوتارخ إنّ هذه الحكاية تُروى إرضاءً لـيُوبَا، ملك موريطانيا وأشدّ الملوك ولعاً بالتاريخ، لأنّ أسلافه كانوا يُنسبون إلى سوفاكس وديودور. ويروي في الموضع نفسه أنّ سرتوريوس فتح القبر الذي يقول أهل البلاد إنّ أنتايوس مدفون فيه، فوجد جسداً طوله ستّون ذراعاً، فردمه وعظّمه.

ويقول پْلِينِيُوس إنّ طنجة بناها أنتايوس، ثم جعلها الإمبراطور كلاوديوس مستعمرة رومانية. وعلى نقود المدينة في القرنين الثاني والأوّل قبل الميلاد صورة رأس ملتحٍ يراه علماء النقود بعل ملقارت، وفي الوجه الآخر سنبلتان من القمح يجمعهما عِرق، وبجانبهما اسم المدينة بالحروف البونية المتأخّرة TNGʾ «ت-ن-گ-ء».

والفكرة التي تدور عليها الحكاية أنّ المدينة تأخذ نسبها من الأرض ومن الغريب معاً. فطنجة امرأة صاحب الأرض الأوّل، أنتايوس ابن الأرض، ثم تلد من هيراكليس الغريب الذي قتله، فيخرج من بطنها الملك المؤسّس، وتحمل المدينة اسمها هي. فالمؤسّس يجمع في نسبه أهل البلاد والقادمين، والجيش اليوناني الذي يحكم به ابنه القبائل يأتي من رجال أسكنهم أبوه. ويرى المؤرّخ گَابْرِيِيل كَامْبْس أنّ پلوتارخ نقل الحكاية عن يوبا الثاني وهو يسخر منها، وأنّ اسم سوفاكس هو اسم سِيفَاكْس، ملك الماسيسيليين في غرب نوميديا، الذي لم يحكم بلاد طنجة قطّ، فالأرجح عنده أنّه كان اسماً من أسماء المعبودات، كما كان شائعاً عند النوميديين.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج. تذكر المقالة في طرق التجارة أنّ اسم طنجة العربي جاء من Tingi «تِينْگِي»، ولا تقرأ معناه. ونقود المدينة تكتبه TNGʾ «ت-ن-گ-ء»: تاء ثم نون ثم گاف ثم همزة. والتاء في أوّله نقرؤها علامة التأنيث التي تبدأ بها الأسماء المؤنّثة في الأمازيغية، كما في تافوكت وتانيت، وهي تناسب امرأة تُسمّى المدينة باسمها. يبقى ن-گ والهمزة في آخره، فإن كانت الهمزة عيناً ضعفت في النطق قرأنا الحروف ن-ج-ع، وفي معجم لين: انتجع إذا طلب الكلأ في موضعه، والنُّجْعة طلب الكلأ، والمُنْتَجَع الموضع الذي يُطلب فيه الكلأ، ونجع الطعام في الإنسان إذا نفعه وهنأه. فطنجة على هذه القراءة «المنتجَع»، البلد الذي يُقصد للرزق، وهذا ما ترسمه نقودها: سنبلتا قمح بجانب اسمها. وقراءة ثانية تأخذ حروف البونية ت-ن-ء كما هي: تَنَأَ بالبلد في معجم لين أقام به واستوطنه، والتانئ المقيم في بلده، والغنيّ، فتكون طنجة المرأة المقيمة التي بقيت في الأرض بعد موت زوجها، لكنّ هذه القراءة تترك الگاف بلا مقابل.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق الموضع
TNGʾ ت-ن-گ-ء نقود طنجة بالبونية المتأخّرة، القرنان الثاني والأوّل قبل الميلاد
Τίγγη تِينْگِي اسم المرأة عند پلوتارخ
Τίγγις تِينْگِيس اسم المدينة عند اليونان
Τιγγῖται تِينْگِيتَاي أهل طنجة عند پلوتارخ
Tingi تِينْگِي اسم المدينة عند پلينيوس
طنجة طَنْجَة الاسم العربي
Σόφαξ سُوفَاكْس ابن طنجة من هيراكليس

تكتب اليونانية الگاف والنون معاً γγ «نْگ»، فالحروف الثلاثة ت-ن-گ ثابتة في كلّ الصيغ، والسين في Τίγγις «تِينْگِيس» علامة الرفع. واللاتينية واليونانية تكتبان G «گ» ولا تكشفان أكان الحرف في نطق أهله جيماً أم قافاً أم غيناً أم كافاً مجهورة، كما يُقال في صفحة غورزيل. وفي جدول مشروع جذور تقابل g «گ» الجيمَ والقافَ والغينَ، فنقرؤها جيماً في «نجع». والعرب لم يحفظوا للفظ معنى: يذكر الصاحب بن عبّاد أنّ طنجة موضع، ويقول الفَتَّنِي إنّها بلد على شاطئ بحر المغرب، وأمّا «الطُّنوج» في «لسان العرب» فالكراريس، وعند غيره الأصناف، ولا صلة لهما باسم المدينة.

وأمّا سوفاكس فنقرؤه، وهي قراءة مقترحة على المنهج، من Σόφαξ «سُوفَاكْس»: الـξ «كْس» كاف وسين، والسين علامة الرفع، فيبقى س-ف-ك. والصاد العربية تصير σ «سين» في اليونانية، والقاف κ «كاف»، فنقرؤه «صَفْق». وفي معجم لين: صفق يده بالبيعة إذا ضرب بيده على يد صاحبه ليمضي البيع أو العهد، والصَّفْقة العقد نفسه. فسوفاكس على هذه القراءة صاحب الصفقة، الملك الذي تُعطى له البيعة باليد، وهذا ما يجعله الخبر: ملك تخضع لابنه قبائل ليبيا.

وحدّ القراءتين أنّ الأسماء المؤنّثة في الأمازيغية تأخذ التاء في أوّلها وفي آخرها معاً، كما في تافوكت، وطنجة ليس في آخرها تاء، وأنّ قيمة الهمزة في آخر الاسم البوني لم تثبت، فقد تكون عيناً ضعفت، وقد تكون همزة أصلية أو لاحقة.

التوازيات عبر الحضارات

في قرطاج قصّة مدينة أخرى أسّستها امرأة جاءت من صور، هي إليسا التي يسمّيها الرومان ديدو، ويحكي يوستينوس أنّها اشترت من أهل البلاد ما يحيط به جلد ثور، فقطعته سيوراً وأحاطت به أرضاً واسعة، والخبر في صفحة غيفيون التي تحرث أرضاً من السويد بثيرانها. وفي طنجة الإله الذي على النقود بعل ملقارت، معبود صور الذي عرفه اليونان باسم هيراكليس، فالغريب الذي تلد منه طنجة ملكها هو على هذه الصورة معبود البحّارة الفينيقيين الذين بنوا مدن الساحل.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. پلوتارخ، «سرتوريوس»، والنصّ اليوناني، 9.4–5

  2. پلينيوس، «التاريخ الطبيعي»، الكتاب الخامس

  3. متاحف هارفارد، نقد طنجة 1979.419.143

  4. كامبس، «أنتايوس»، الموسوعة البربرية 5

  5. معجم لين، نجع، وتنأ، وصفق

  6. «المحيط» و«لسان العرب» وغيرهما، طنج