ملخص
ماستيمان معبود من معبودات قبائل المور في إقليم طرابلس، لا نعرف عنه إلّا ما قاله الشاعر الإفريقي كُورِيبُّوس في قصيدته اللاتينية «يُوحَنِّيس» نحو سنة 550 للميلاد، وهي القصيدة التي يُعرف منها غورزيل أيضاً. ويجعله الشاعر يُوپِّيتِر التيناري، أي ربّ عالم الموتى، تُذبح له الضحايا من البشر.
يذكره كوريبّوس مرّتين. في المرّة الأولى يلتقي جيش القائد البيزنطي يوحنّا بجموع المور، ويُطلق كاهن قبيلة اللَّغْوَاتَن ثوراً باسم غورزيل ليكون أوّل الفأل فيقتله فارس روماني، ثم تعلو صيحات الحرب وتردّدها الغابة بألسنة القبائل: ينادي صفّ المور سِينِيفِيرِي، وينادي «ماستيمان المتوحّش»، فيردّ الصدى «ماستيمان»، ثم ينادون «غورزيل»، فتردّد الصخور الجوفاء «غورزيل». وفي المرّة الثانية يقيم المور في معسكرهم ليلاً، قبل المعركة الأخيرة، مذابح يسوقون الماشية حولها فتجري دماؤها في المروج: بعضهم يذبح لغورزيل ولـآمون ذي القرنين، ويعبد غيرهم معبوداً يعدّه المَازِيكِس مارس الناري ويرونه قويّاً في الحرب، وهو في قراءة كامبس سينيفيري، وفي طبعة 1820 «الناري» مكان اسمه، وآخرون يذبحون لماستيمان، وتقول قبائل المور إنّ هذا اسم يوپيتر التيناري، الذي يُذبح له ضحية من البشر بدم كثير. ويصرخ الشاعر: يا للجريمة! وتملأ الأنّات الهواء، ويضرب الكاهن السكّين في الحلوق، ويحثّ المعبود بصوته، ويدعوه أن يخرج من الظلال المظلمة ويسلك طريق الشمس، ثم يشقّون أحشاء الذبائح ويسألونها عن القدر، لكنّ المعبود بقي أصمّ عن أناشيدهم، ولم يعطِ الكاهن جواباً.
ويوپيتر التيناري اسم من الشعر اللاتيني لربّ الموتى: تَيْنَارُون رأس في جنوب بلاد اليونان، يقول أبولّودور إنّ فيه فم الطريق النازل إلى عالم هاديس، ومنه نزل هيراكليس ليأتي بكلب الجحيم، ويسمّيه پندار «فم هاديس الأرضي». ولذلك كتب ناشر طبعة 1820 في مقدّمته أنّ القصيدة تحفظ أسماء معبودات المور: غورزيل ليوپيتر آمون، وماستيمان ليوپيتر التيناري، أي پلوتو. ويقول المؤرّخ گَابْرِيِيل كَامْبْس إنّ ماستيمان معبود من أطراف إقليم طرابلس يصفه كوريبّوس بالمتوحّش، وإنّ ربطه بپلوتو إفريقي اقترحه سْتِيفَان گْزِيل بعد تصحيح في النصّ، وهو عنده غير مؤكّد، وإنّ الاسم نفسه إفريقي بلا شكّ.
والفكرة التي تدور عليها الأخبار أنّ المقاتلين يشترون النجاة بالدم. فالقبائل تقف بين الحياة والموت قبل المعركة، فتذبح الماشية لغورزيل وآمون، وتذبح البشر لربّ الموتى، وتصيح باسمه في أوّل القتال، والكاهن يدعوه أن يخرج من الظلال إلى طريق الشمس، أي من عالم الموتى إلى عالم الأحياء، ليعطي قومه جواباً عن مصيرهم. وكوريبّوس شاعر مسيحي يمدح القائد الذي هزم هذه القبائل، فهو يروي عبادتها ليسخر منها، ويقول إنّ المعبود لم يُجب.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج. يكتبه كوريبّوس Mastiman «مَاسْتِيمَان» بحروف خمسة: م-س-ت-م-ن. وهذه الحروف بترتيبها حروف «مُسْتَأْمَن» العربية بعد سقوط الهمزة، والهمزة تسقط في اللاتينية لأنّها لا تكتبها. واستأمنه في معجم لين طلب منه الأمان، أي الحماية والعهد بالسلامة، واستأمن إليه دخل في حمايته. فماستيمان على هذه القراءة «المُستأمَن»، الذي يُطلب منه الأمان، وهذا ما تجعله الأخبار: ربّ الموت الذي يُنادى في أوّل المعركة، وتُذبح له الضحايا في الليل ليحمي قومه من الموت. والجذر نفسه جذر آمون الذي يُذبح له في الليلة نفسها، أ-م-ن. وتقرأ المقالة السامية الأمازيغية المقطع «ماس» في اسم الملك ماسينيسا «سيّد»، وهذا يلتقي بأوّل الاسم، ويترك باقيه بلا قراءة.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | الموضع |
|---|---|---|
| Mastiman | مَاسْتِيمَان | «يوحنّيس» 4.682 و7.307، طبعة 1820، وهما 5.38 و8.307 في الطبعات الحديثة |
| Mastimanque ferum | مَاسْتِيمَانْقْوِي فِيرُوم | «وماستيمان المتوحّش»، في صيحة الحرب |
| Tenarium Iovem | تِينَارْيُوم يُوفِم | «يوپيتر التيناري»، كما سمّاه المور في رواية الشاعر |
في اسم ماستيمان خمسة حروف ثابتة: الميم والسين والتاء والميم والنون، وفي «مستأمن» ستّة، الخامس منها همزة تسقط في اللاتينية، فالحروف الباقية تقابل حروف الاسم بترتيبها، والحركات أيضاً قريبة: الألف الأولى في «ماس» بعد الميم، والياء في «تيمان» مكان الفتحة بعد التاء. وصيغة «استفعل» عربية، تدلّ على الطلب: استغفر طلب المغفرة، واستأمن طلب الأمان، وهذا حدّ القراءة الأوّل: لا نعرف في الليبية القديمة صيغة تقابلها. والحدّ الثاني أنّ أسماء كثيرة من أسماء ملوك نوميديا وموريطانيا تبدأ بالمقطع «ماس»، مثل ماسينيسا، ومَاسْتِيَاس الذي ترك نقشاً في جبال الأوراس، والمقالة الأمازيغية تقرأ هذا المقطع «سيّد»، فقد يكون «ماس» في ماستيمان هو هذا المقطع، لا ميم «مستأمن» وسينها.
التوازيات عبر الحضارات
يرسل پلوتو الروماني وهاديس اليوناني الموتى إلى مملكة تحت الأرض لا يخرجون منها، وأمّا كاهن ماستيمان فيدعو ربّ الموتى نفسه أن يخرج من الظلال إلى طريق الشمس ليتكلّم. وفي الشرق تنزل إنانا إلى إريشكيگال ملكة عالم الموتى، فلا تخرج إلّا إذا تركت بدلاً منها، كما يعطي المور ربّ الموتى ضحية من البشر بدلاً من أنفسهم. والقصّتان من باب النزول إلى العالم السفلي ومن يخرج منه.