ساتورن

ملخص

ساتُورْن ملك قديم في أساطير الرومان، يذكرونه ملكاً على إيطاليا في الزمن الذهبي، ويقيمون له في ديسمبر أشهر أعيادهم، الساتُورْنالْيا. وقصّته عندهم قصّة ملك مخلوع وجد ملجأً. يروي فِرْجِيل في «الإِنْيَادَة» على لسان الملك إِيفانْدِر أنّ ساتورن جاء إلى هذه الأرض هارباً من سلاح جوبيتر بعد أن خسر ملكه. فوجد أهلها متفرّقين في الجبال، يعيشون من الصيد وثمر الشجر، بلا قانون ولا زرع، فجمعهم ووضع لهم الشرائع، وسمّى البلاد لاتِيُوم لأنّه اختبأ فيها آمناً. وكان الزمن الذي حكم فيه هو الذي يسمّيه الناس الزمن الذهبي، حكم فيه أهله بالسلم والهدوء، حتى جاء بعده زمن أسوأ أحبّ فيه الناس الحرب والمال.

ويروي ماكْرُوبِيُوس القصّة من جهة مضيفه: وصل ساتورن بحراً إلى نهر التِّيبِر، فاستقبله الملك يانوس، وتعلّم منه الناس الزراعة وغرس الشجر، فأشركه يانوس في الحكم. ثم اختفى ساتورن فجأة، فأقام له يانوس مذبحاً وعيداً. وفي هذا العيد يُفكّ عن تمثاله رباط الصوف الذي يُربط به طوال السنة، ويجلس السادة والعبيد إلى مائدة واحدة، تذكيراً بزمن لم يكن فيه سيّد ولا عبد.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الملك الذي خسر عرشه واختبأ صار هو صاحب أحسن الأزمنة. فالزمن الذهبي عند الرومان ليس في السماء حيث يحكم جوبيتر المنتصر، بل في الأرض التي استتر فيها المهزوم وعلّم أهلها الزرع والقانون. ولذلك يعيده العيد كلّ سنة أيّاماً معدودة: يُفكّ رباط الملك المقيّد، وتسقط المراتب بين الناس، ثم تعود بعد العيد كما كانت. وقد عرف الرومان ساتورن بـكرونوس الإغريقي، فنقلوا إليه قصّة الأب الذي يبتلع أبناءه، غير أنّ الملجأ في لاتيوم والعيد قصّتان رومانيتان لا نظير لهما في قصّة كرونوس.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ننزع اللاحقة اللاتينية -us «ـُس» من Sāturnus / Saturn «ساتُورْنُس» فيبقى «ساتورن»، وأوّله «سَتَرَ». والسَّتر في العربية الإخفاء والتغطية، والمستتر الذي اختفى عن العيون. فساتورن على هذه القراءة «الساتر» و«المستتر»، وهذا بالضبط ما تجعله القصّة: الملك الذي اختبأ في لاتيوم، ثم اختفى عن الناس فأقاموا له المذبح. والطريف أنّ فرجيل نفسه يفسّر اسم البلاد بالاختباء: لاتيوم من الفعل اللاتيني latuisset «لاتُويسِّت»، أي «كان قد اختبأ».

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما تبيّنه
Sāturnus ساتُورْنُس، بألف طويلة في أوّله الاسم اللاتيني في الرفع.
Sāturnī ساتُورْنِي صيغة الإضافة، أي «لساتورن»؛ تبيّن أنّ النون من جذع الاسم وأنّ -us «ـُس» وحدها اللاحقة.
Saturn- ساتُورْن الجذع بعد نزع اللاحقة، وحروفه س-ت-ر-ن.
סָתַר، sāṯar ساثَر تقريباً عبرية: أخفى واختبأ.
סִתרָא، sitrā سِتْرا آرامية: السرّ والمخبأ والحماية.
سَتَرَ سَتَرَ العربية التي نقرأ بها الاسم.

يقول لين: سَتَرَ الشيءَ أي حجبه وأخفاه وغطّاه، واستتر وتستّر أي اختفى وغطّى نفسه، ويقال مجازاً: ستره أي حماه. والسين والتاء والراء في أوّل الاسم اللاتيني هي حروف هذه المادّة نفسها بترتيبها، والألف الطويلة بعد السين حركة. وفي العبرية sāṯar «ساثَر» والآرامية sitrā «سِتْرا» المعنى نفسه، فالمادّة مشتركة بين اللغات الأخوات. ويبقى في الجذع اللاتيني نون رابعة لا تفسّرها هذه المادّة. وفي كبد بِيَاتْشِنْزَا الإتروسكي اسم معبود يُكتب Satre «ساتْرِه»، بالسين والتاء والراء بلا نون، وكان الباحثون يعدّونه ساتورن نفسه؛ وتقول إِرِيكَا سِيمُون إنّ ساتورن معبود روماني أصيل، وإنّ تشابه الاسمين قد يكون مصادفة. فإن ثبتت المطابقة كانت النون زيادة لاتينية على س-ت-ر.

ويذكر المقال الروماني قراءة ثانية هي «صَبَرَ»، أي انتظر واحتمل، والصاد تقابل السين اللاتينية؛ لكنّ الباء لا تقابل التاء، فهي أضعف من «ستر». ويربط المقال كذلك ساتورن بـ«زُحَل»، اسم الكوكب في العربية. ويقول لين إنّ الكوكب سُمّي زحل لبعده، وإنّ زَحَلَ عن مكانه تنحّى عنه وتباعد، وزحل عن مقامه تركه. فالمعنى يلتقي بقصّة الملك الذي ترك عرشه وتنحّى إلى لاتيوم، لكنّ زحل اسم الكوكب في العربية، ولا يفسّر أصوات الاسم اللاتيني كما تفسّرها «ستر». أمّا الرومان أنفسهم فقد ربط فارُّون الاسم بالبذر، وشرح ماكروبيوس ساتورن وزوجته أُوبْس بالبذرة والأرض التي تنبتها، وهو تفسير يوافق عيده الزراعي ويسلك طريقاً غير طريق الستر.

السياق التاريخي

يضع التقليد معبد ساتورن عند سفح الكابِيتُول. يؤرّخ لِيفِيُوس تدشينه وإقامة عيده بسنة 497 ق.م، بينما يحفظ ماكروبيوس أقوالاً مختلفة فيمن بدأ البناء ومن أتمّه، ويذكر أنّ خزانة المال العام كانت فيه. هذه روايات مختلفة عن المؤسسة، لا مراحل معلومة يلزم جمعها في قصّة واحدة.

ويؤرّخ المتحف البريطاني ديناراً فضّياً بسنة 104 ق.م. يظهر ساتورن على ظهره في عربة تجرّها أربعة خيول، ممسكاً باللجام وأداة ذات نصل معقوف، وعلى الوجه رأس روما المشخّصة. رقم الفهرس 1901,0407.66 «1901,0407.66» رمز متحفي حديث؛ أمّا الصورة فتثبت تداول هيئته الزراعية والسياسية في أواخر الجمهورية.

الشخصية صلتها بساتورن الرواية
أُوبْس زوجته وشريكته في الثمر، وأمّ أولاده الستّة ماكروبيوس وهِيجِينُوس.
فيستا وسيريس وجونو وجوبيتر وبلوتو ونبتون أولاده من أوبس؛ ينازعه جوبيتر الملك مقدّمة هيجينوس وحكايته 139.
كايْلُوس، أي السماء أبوه الذي يخصيه ساتورن ماكروبيوس.
أَيْثِر والأرض أبواه في نسب آخر مقدّمة هيجينوس.
يانوس الملك الذي يستقبله ويشاركه الحكم؛ ليس أباه ماكروبيوس.

السرديات الأسطورية الرئيسة

الابتلاع في رواية هيجينوس

يعرف ساتورن في الحكاية 139 المنسوبة إلى هيجينوس أنّ من يولد له سينزع ملكه، فكان قد ألقى أُورْكُوس، أي بلوتو، تحت تارْتارُوس، ونبتون تحت الموج. فلمّا ولدت أوبس جوبيتر طلبته جونو منها لتخبّئه، وسأل ساتورن أوبس عمّا ولدت، فأرته حجراً ملفوفاً فابتلعه، ثم فطن فأخذ يطلب جوبيتر في الأرض. وحملت جونو الطفل إلى كريت، وعلّقت مرضعته أَمالْثِيا مهده في شجرة، فلا يكون في الأرض ولا البحر ولا السماء، ودعت صبياناً أعطتهم تروساً صغيرة من نحاس ورماحاً، فداروا حول الشجرة يقرعونها ليغطّوا صوته. فهذه الرواية توزّع مصائر مختلفة على الأبناء، ولا تقول إنّ ساتورن ابتلعهم جميعاً بالطريقة نفسها.

أيّام الساتورناليا

يبدأ العيد في 17 ديسمبر، ثم طالت مدّته باختلاف العرف وقرارات الحكّام. وتُحظر الحرب والعقوبة في أيّامه، ويتبادل الناس الشموع والتماثيل الصغيرة. لكنّ طلب الأغنياء للهدايا أثقل الفقراء، حتى قصر قانون بابليكي «پُبْلِيكي» ما يتلقّاه الغنيّ منهم على الشموع. فكان رفع القيد مؤقّتاً، ولم يرفع تفاوت المال.

القراءة الرمزية

يصل الخبر بين الزراعة والحكم: الوافد يعلّم غرس الشجر، والملك يجمع أهل الجبال ويضع لهم قانوناً، والغلّة تُجمع وتُحفظ في معبده الذي صار خزانة المدينة. وفي العيد يجلس السيّد والعبد إلى الطعام نفسه أيّاماً معدودة، ثم تعود المراتب وتبقى شكوى الفقير من كلفة هديّة الغنيّ. فالمائدة المقلوبة تكشف تفاوت البيت لأنّها تعلّقه مؤقّتاً ثم تعيده.

التوازيات عبر الحضارات

يعرّف الرومان ساتورن بـكرونوس، وينقلون إليه صراع الأب والابن وأداة القطع. ويقرأ المشروع اسم كرونوس بـ«القَرْن»، أي الجيل والزمن، واسم ساتورن بـ«الستر»؛ فالقراءتان تختلفان كما تختلف القصّتان: كرونوس أب يخاف جيل أبنائه، وساتورن ملك مخلوع يستتر في أرض غريبة فيصير ملك زمنها الذهبي. وفي الخبر الروماني يستقبل يانوس ساتورن ضيفاً، ويصير معبده خزانة لروما، ويفكّ عيده رباط تمثاله. أمّا صراع الأجيال الذي نقله الرومان إليه فتقارنه مقاربة أنساب المعبودات وإينوما إيليش بنظيره البابلي.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. لويس وشورت، مادة ساتورن، ومعجم لين، ستر وزحل.

  2. ليفيوس 2.21، وماكروبيوس، ساتورناليا 1.

  3. فرجيل، الإنيادة 8، ومقدمة هيجينوس، وهيجينوس 139.

  4. المتحف البريطاني، رقم الفهرس 1901,0407.66.

  5. إريكا سيمون، مجمع المعبودات الإتروسكي، ص 60.

  6. المعجم العبري، ستر، والمعجم الآرامي، sitrā «سِتْرا» وs-t-r «س-ت-ر».