ملخص
آمون سيوة هو المعبود الذي كان له الوحي في واحة سِيوَة، في صحراء ليبيا غرب مصر، وسمّاه اليونان زيوس آمون، وصوّروه رجلاً على رأسه قرنا كبش. هو في اسمه وصورته آمون طيبة المصري، لكنّه صار في الواحة معبود القوافل وأهل البادية، وقصده الملوك من بلاد بعيدة يسألونه عن الغيب.
يحكي هِيرُودُوت عن كهنة طيبة لماذا صُوّر زيوس برأس كبش: أراد هيراكليس أن يرى زيوس، وأبى زيوس أن يراه، فلمّا ألحّ عليه سلخ كبشاً وقطع رأسه، ولبس جلده، ورفع الرأس أمام وجهه، فظهر له هكذا. ولذلك يصنع المصريون تماثيل زيوس برأس كبش، ويقلّدهم الآمونيون، وهم في رأي هيرودوت مستوطنون من مصر وإثيوپيا، يتكلّمون لساناً يجمع اللسانين، ومن اسم زيوس عند المصريين، آمون، أخذوا اسمهم. وفي يوم واحد من السنة يذبح أهل طيبة كبشاً ويسلخونه، ويلبسون تمثال زيوس جلده، ويقرّبون إليه تمثال هيراكليس، ثم يندبون الكبش ويدفنونه في تابوت مقدّس. ويروي هيرودوت عن كاهنات دودونا في بلاد اليونان أنّ حمامتين سوداوين طارتا من طيبة، فنزلت إحداهما في دودونا، وطارت الأخرى إلى ليبيا فأمرت أهلها أن يقيموا وحياً لآمون.
وكانت الواحة جزيرة ماء في بحر من الرمل. يقول هيرودوت إنّ الآمونيين على عشرة أيّام من طيبة، وإنّ لهم عيناً تُسمّى «عين الشمس»: ماؤها دافئ عند الفجر، يبرد حتى يكون عند الظهر أبرد ما يكون، وفيه يسقون بساتينهم، ثم يدفأ حتى الغروب، ويغلي عند منتصف الليل، ثم يبرد حتى الفجر. وأرسل إليه كْرُويْسُوس ملك ليديا يمتحن صدق الوحي، وأرسل قمبيز الفارسي جيشاً إلى الآمونيين، فهبّت عليه في منتصف الطريق ريح جنوبية شديدة فدفنته في الرمل، كما يروي أهل الواحة. ويذكر پِنْدَار في نشيده الپيثي الرابع «معبد زيوس آمون» في ليبيا، ويقول پَاوْسَانْيَاس إنّ پندار أرسل إلى آمونيي ليبيا نشيداً لآمون، رآه منقوشاً على لوح مثلّث بجانب مذبح أهداه بطليموس بن لاگوس.
وأشهر من قصد الواحة الإسكندر المقدوني، بعد أن دخل مصر. يقول أَرِّيَان إنّه أراد أن يسأل آمون لأنّ وحيه كان يُقال إنّه صادق، ولأنّ پرسيوس سأله حين أُرسل إلى الغورغونات، وسأله هيراكليس حين خرج إلى أنتايوس في ليبيا وإلى بوسيريس في مصر، والإسكندر يردّ نسبه إليهما. وفي الطريق نزل مطر كثير في الصحراء، وضلّ الدليل، فسار أمام الجيش ثعبانان يتكلّمان في رواية بطليموس، وغرابان في رواية أرسطوبولوس، فدلّا الجيش على الطريق. ويصف أرّيان الواحة: أرض صغيرة مليئة بالزيتون والنخيل، يقع عليها الندى وحدها في تلك البلاد، وفيها العين التي تبرد عند الظهر وتدفأ عند منتصف الليل، وملح صافٍ كالبلّور يحمله الكهنة إلى مصر في صناديق من سعف النخل هديةً للملك. ويقول دِيُودُور إنّ تمثال المعبود كان مرصّعاً بالزمرّد، يحمله ثمانون كاهناً على قارب من ذهب، فيسيرون حيث يوجّههم المعبود لا حيث يريدون، وخلفهم نساء يغنّين نشيداً قديماً. فلمّا دخل الإسكندر قال له الكاهن الأكبر: «افرح يا بنيّ، وخذ هذا الخطاب من المعبود أيضاً». ويروي پْلُوتَارْخ أنّ الكاهن أراد أن يقول باليونانية «يا بنيّ»، ὦ παιδίον «أُو پَايْدِيُون»، فأخطأ في نطقها فقال ὦ παιδίος «أُو پَايْدِيُوس»، فسُمعت «يا ابن زيوس».
والفكرة التي تدور عليها هذه الأخبار أنّ المعبود الخفيّ يتكلّم من موضع لا يصل إليه الناس إلّا بعد خطر. فالطريق إلى الواحة رمل بلا علامة، يدفن جيشاً ويُضلّ دليلاً، والماء فيها عين تخالف كلّ العيون، والمعبود نفسه لا يُرى: يُحمل مستوراً على قارب كما يُحمل آمون في طيبة، ويجيب بحركة حامليه. ومن نجا من الطريق ووصل وجد عند المعبود الجواب الذي يثق به. وانتشرت صورة الكبش ذي القرنين بعد زيارة الإسكندر، فضرب ليسيماخوس منذ سنة 297 قبل الميلاد نقوداً عليها الإسكندر بقرني زيوس آمون، وصار آمون عند قبائل ليبيا أباً لـغورزيل، ويرى بعض الباحثين أنّ بعل حمّون في قرطاج أخذ عنه قرني الكبش.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تقرأ المقالة السامية الأمازيغية آمون من «أَمِنَ»، أي استقرّ واطمأنّ، ومن «آمَنَ»، وتقرؤه المقالة السامية المصرية من الجذر نفسه، الأمين الموثوق. وتكتب المصرية الاسم jmn «إِمِن»، ومعناه فيها «الخفيّ»، واليونانية Ἄμμων «أَمُّون»، والنون في آخره من الاسم، فتبقى الحروف أ-م-ن كاملة. وفي معجم لين: أَمِنَ إذا اطمأنّ قلبه وزال خوفه، وأَمِنَهُ على الشيء إذا ائتمنه عليه ووثق به، والمأمن موضع الأمن، والأمان الحماية. فآمون سيوة على هذه القراءة المعبود الذي يأمن إليه من قطع الصحراء، ويثق السائل بجوابه وهو لا يراه، وهذا ما تجعله الأخبار: وحي يُمتحن صدقه فيصدق، وطريق مخوف ينتهي إلى عين وظلّ ونخل.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | الموضع |
|---|---|---|
| jmn | إِمِن | المصرية: «الخفيّ» |
| Ἄμμων | أَمُّون | اليونانية، هيرودوت وپندار |
| Ζεὺς Ἄμμων | زِيُوس أَمُّون | «زيوس آمون» |
| Ἀμμώνιοι | أَمُّونِيُوي | الآمونيون، أهل الواحة |
| Iuppiter Ammon | يُوپِّيتِر أَمُّون | اللاتينية، إهداء في قرطاج |
| Ammon corniger | أَمُّون كُورْنِيگِر | «آمون ذو القرنين» عند كوريبّوس |
تقول المقالة السامية الأمازيغية إنّ آمون الليبي الأمازيغي هو نفسه آمون المصري، وإنّ معبده في سيوة أقدم معابده، وإنّ الطريق سار من آمون الليبي إلى آمون المصري ثم إلى زيوس آمون اليوناني ثم إلى «آمين»، وتجعل درجة ذلك «قطعي». والقراءة نفسها، أ-م-ن، تلتقي فيها المقالتان الأمازيغية والمصرية وصفحة آمون. وأمّا اتّجاه الطريق فالشواهد المكتوبة تسير عكسه: يقول هيرودوت إنّ الآمونيين مستوطنون من مصر وإثيوپيا، وإنّ اسمهم من اسم زيوس عند المصريين، وتروي كاهنات دودونا أنّ الحمامة جاءت إلى ليبيا من طيبة. ويرى كامبس أنّ القول بأنّ مصر نشرت معبوداتها في إفريقيا كلّها، فجعلت كباش النقوش الصخرية في الأطلس صوراً لآمون رع، قول «مبسّط جدّاً»، لأنّ هذه الكباش ذات الكرات على رؤوسها من أقدم طبقات الفنّ الصخري في العصر الحجري الحديث، أقدم من أغنام مقابر كرمة في النوبة، ويرى أنّ الكبش فيها لم يكن معبوداً وإنّما ذبيحة مزيّنة للقربان. فالكبش الليبي أقدم من آمون المصري المكتوب، والاسم المكتوب جاء الواحة من طيبة.
وفي معجم لين للجذر أ-م-ن معانٍ تتّصل بالواحة والوحي معاً: أَمِنَ البلدُ إذا اطمأنّ أهله فيه، والأمين الآمن، و«البلد الأمين» مكّة، والمأمن موضع الأمن، واستأمن إليه دخل في أمانه، وأَمُنَ الرجل إذا كان موثوقاً به، وأمّن إذا قال «آمين» بعد الدعاء. والمعنى المصري، الخفيّ، لا تحمله هذه المادّة، وهو في القصّة صورة المعبود المستورة في قاربه، فالقراءة العربية تقرأ ما يجده الناس عنده، والمصرية تقرأ كيف يكون. معجم لين، أمن، وجذر أ-م-ن.
السرديات الأسطورية الرئيسة
وحي آمون عند كوريبّوس
بعد ألف سنة من هيرودوت يذكر الشاعر كُورِيبُّوس في القرن السادس أنّ زعيم قبائل المور كَرْكَسَان مضى إلى بلاد المَرْمَرِيدَة حيث يسكن آمون ذو القرنين، فضُرب ثور على جبهته بفأس، وأخذت العرّافة تدور حول المذابح حتى ظهر عليها المعبود، فوعدته بأن يدخل قرطاج تحفّ به الجموع، فدخلها رأسه على رمح. وقبل المعركة الأخيرة ذبح المور في الليل لغورزيل ولآمون ذي القرنين. والخبر في صفحة غورزيل. كوريبّوس، «يوحنّيس» 5.145–190 و7.300–304، طبعة 1820.
عبادته في ليبيا وإفريقيا
يقول كامبس إنّ آمون لقي نجاحاً دائماً في برقة وإقليم طرابلس، تشهد بذلك النقوش وأسماء الأماكن، مثل «أرض آمون» عند بطليموس الجغرافي و«عند آمون» في خريطة پويتينگر، وإنّ الشواهد تقلّ غرب خليج سرت الصغير، فلا يبقى إلّا إهداء ليوپيتر آمون في قرطاج وآخر في أوزيا.
التوازيات عبر الحضارات
يحمل المصريون آمون في طيبة مستوراً على قارب في «عيد الوادي الجميل»، ويحمل كهنة سيوة صورته على قارب من ذهب، فالصورة واحدة في الموضعين: معبود لا يُرى يسير به الناس. وفي دلفي يتكلّم أپولّو بلسان كاهنته، وفي سيوة يتكلّم آمون بحركة حامليه وبلسان كاهنه، وقصدهما الملوك أنفسهم: كرويسوس سأل الاثنين معاً ليمتحن أيّهما يصدق.