ملخص
بَعْل حَمُّون أكبر معبودات قَرْطَاج، المدينة الفينيقية على ساحل إفريقيا، وكان أهلها يقرنون به تانيت في نذورهم. وأصل اسمه من شمال سوريا: أقدم ما ورد فيه نقش فينيقي للملك كِلَمُو في زِنْجِرْلِي، مدينة شَمْأَل القديمة، من القرن التاسع أو الثامن قبل الميلاد. ثم عبده الفينيقيون في قرطاج وسائر المدن البونية في شمال إفريقيا ومالطة وصقلية وسردينيا، وسمّاه اليونان باسم كرونوس، وورثه الرومان في إفريقيا باسم ساتورن. نِيهْر، «بعل حمّون»، معجم صور الآلهة والشياطين، كامبس، «آمون»، الفقرة 1.
وليس لبعل حمّون قصّة مكتوبة من قصص الآلهة، وإنّما له خبران. الأوّل خبر الحجارة التي أقامها أهل قرطاج: يكتب الناذر على الحجر أنّه نذر «للسيّدة تانيت، وجه بعل، وللسيّد بعل حمّون»، ويكتب أحياناً سبب نذره: «لأنّهما سمعا صوته»، ثم يكتب اسمه ونسبه إلى جدّه. وتصوّره هذه الآثار شيخاً ملتحياً على رأسه قلنسوة عالية، جالساً على عرش أو على أبي الهول المجنّح، يرفع يداً بالبركة ويمسك بالأخرى صولجاناً ينتهي في الغالب بسنبلة، وأمامه في صور كثيرة مِبْخَرة قائمة.
والخبر الثاني يرويه المؤرّخ اليوناني دِيُودُور الصقلّي. نزل أَغَاثُوكْلِيس، طاغية سرقوسة، بجيشه قرب قرطاج سنة 310 قبل الميلاد، فرأى أهلها في هزيمتهم غضباً من كرونوس، لأنّهم كانوا في القديم يقدّمون له أشرف أبنائهم، ثم صاروا يشترون أطفالاً ويربّونهم ويرسلونهم مكانهم. فاختاروا مئتين من أبناء أشرف البيوت وقدّموهم علناً، وقدّم ثلاثمئة آخرون ممّن اتُّهموا أنفسهم طوعاً. وكان في المدينة تمثال لكرونوس من نحاس، يداه ممدودتان والكفّان إلى أعلى مائلتان نحو الأرض، فيوضع الطفل عليهما فيتدحرج ويسقط في حفرة مملوءة ناراً. ويقول ديودور إنّ خبر اليونان القديم بأنّ كرونوس أهلك أبناءه بقي في ذاكرة القرطاجيين بهذه العادة.
والفكرة التي تدور عليها عبادته أنّه الأب الشيخ الذي يُطلب منه ويُعطى. الناذر يطلب فيُستجاب له فيشكر بحجر يبقى بعده، والمدينة في الخطر تعطيه أعزّ ما عندها في رواية ديودور. وبين الخبرين يقوم موضع التوفِت في قرطاج، حيث وُجدت جرار فيها بقايا أطفال وحيوانات محترقة تحت حجارة النذور، واختلف الباحثون في تفسيرها: يرى فريق أنّ أكثر الأطفال ماتوا عند الولادة أو قبلها فدُفنوا هناك، ويرى فريق آخر أنّ أعمارهم تدلّ على الذبح. وفي العصر الروماني صار بعل حمّون ساتورن الإفريقي، سيّد الأرض وواهب ثمرها، وصارت تانيت قرينته باسم «كاييلِسْتِيس»، أي السماوية، وفي معبد ثِينِيسُّوت يجتمع الاسمان القديمان والاسمان الجديدان.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يكتبه الفينيقيون بلا حركات bʿl ḥmn «بَعْل حَمُّون». أوّله بعل، وهو في العربية صاحب الشيء ومالكه وزوج المرأة، وفي النذور «السيّد». وثانيه ح-م-ن، وتقرؤه المقالة السامية الأمازيغية من «حَمَّ»، أي سخّن وأحمى، فحمّون «الحارّ». وفي معجم لين: حَمَّ الماءَ سخّنه بالنار، وحَمَّ التنّورَ أوقده وملأه حطباً، والحَمِيم الماء الحارّ وشدّة حرّ الصيف، والحميم أيضاً الجمر الذي يُتبخّر به. وفي العبرية حَمَّان، وجمعه حَمَّانِيم، مذبح البخور أو عمود الشمس، يجعله معجم براون ودرايفر وبريغز من «حَمَّة» أي الشمس، وهي من الجذر نفسه. فبعل حمّون على هذه القراءة «صاحب الحَمّ»، ربّ الحرارة والمجمرة الحامية، وهذا ما تُظهره صوره: شيخ جالس والمبخرة قائمة أمامه، ويوافقه ما يرويه ديودور عن النار التي يسقط فيها ما يُقدَّم له.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | الموضع |
|---|---|---|
| bʿl ḥmn | بَعْل حَمُّون | نقش كِلَمُو في زنجرلي، السطر 16، القرن التاسع أو الثامن قبل الميلاد |
| lʾdn lbʿl ḥmn | لَأَدُن لِبَعْل حَمُّون | «للسيّد بعل حمّون» في نذور قرطاج |
| Κρόνος | كْرُونُوس | الاسم الذي يسمّيه به ديودور |
| Saturnus | سَاتُورْنُوس | وارثه في إفريقيا الرومانية |
الحاء في ح-م-ن حاء في الفينيقية والعربية معاً، والميم ميم، فالمقابلة مقابلة حرف بحرف بين فرعين من بيت واحد. والنون في آخر الاسم لاحقة، كما في العبرية حَمَّان من ح-م-م. ويجتمع على هذا الجذر ثلاثة أشياء: الحرارة في العربية، والمذبح الذي يُحرق عليه البخور في العبرية، والمبخرة التي تقوم أمام بعل حمّون في صوره. وقد قرأ الباحث بَارْنِت الاسم من قبل «سيّد المذبح المحترق» وجعل صاحبه معبود الشمس، وردّ ذلك كْسِيلَّا.
ويقدّم نيهر قراءة أخرى عليها كثير من الباحثين: «سيّد الأَمَانُوس»، وهو الجبل في شمال سوريا قرب زنجرلي حيث ظهر الاسم أوّل مرّة، فيكون حمّون اسم مكان لا صفة، ويكون «بعل حمّون» لقباً حلّ محلّ اسم قديم. وهذه القراءة تفسّر موضع الاسم الأوّل، وقراءة الحرارة تفسّر معنى الجذر وصور المبخرة، ولم يُحسم الأمر بينهما. وتقترح المقالة السامية الأمازيغية قراءة ثالثة: أن يكون حمّون هو آمون المصري الليبي، فيكون بعل حمّون «سيّد آمون»، وهذه أضعف، لأنّ الفينيقية تكتب الاسم بالحاء، واسم آمون يبدأ بحركة لا حاء فيها. أمّا الصلة بين الاثنين فصلة صور لا اسم: أخذ بعل حمّون قرني الكبش من آمون في رأي لُوغْلِيه، ويعدّ كامبس صوره ذات القرون قليلة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
من سوريا إلى قرطاج وإلى تدمر
يقول نيهر إنّ بعل حمّون ليس معبوداً فينيقياً في الأصل، وإنّما معبود محلّي من شمال سوريا، دخل مجمع آلهة صور في القرن السادس قبل الميلاد، وعُبد بعد ذلك في قرطاج ومدن الغرب، ثم رجعت عبادته إلى الشرق بين القرن الأوّل قبل الميلاد والقرن الثاني بعده، فكان له معبد في تدمر على جبل المُنْطار. ومن صوره في الغرب شاهدة من الحفرة قرب قسنطينة مهداة إليه، وتمثال من الفخّار له جالساً وُجد في معبد ثينيسّوت المهدى إلى بعل-ساتورن وتانيت-كاييلستيس.
ساتورن الإفريقي
في إفريقيا الرومانية انتشرت عبادة ساتورن في كلّ موضع حتى عدّه كامبس سيّد هذه الأرض حقّاً، وعُبد بوجهين: واهب الثمر وسيّد الزمن، ويقول كامبس إنّه ورث بعل حمّون بلا شكّ. ويرى لوغليه أنّ ساتورن وكاييلستيس صارا في العصر الروماني متقاربين حتى تبادلا الألقاب، فكلاهما «المقدّس» و«الأبدي» و«السيّد»، وبقيت عبادتهما إلى آخر العصور القديمة.
القراءة الرمزية
تجعل المقالة السامية الأمازيغية بعل حمّون «الإله الأب» و«الإله الأعظم في قرطاج»، وترى في اقترانه بتانيت مثال عنات وإيل في كنعان، وفي اسمه اندماج إله سامي بإله أمازيغي. والآثار تُظهر الأبوّة في صورة الشيخ الجالس، وتُظهر الأرض في السنبلة التي ينتهي بها صولجانه، وقد بقيت هذه الصلة بالزرع في ساتورن واهب الثمر بعده.
التوازيات عبر الحضارات
ربط ديودور نفسه بين عادة قرطاج وقصّة كرونوس الذي ابتلع أبناءه خوفاً على ملكه في رواية هِسْيُود. والفرق أنّ كرونوس يأخذ أبناءه ليحفظ ملكه، والمدينة في رواية ديودور تعطي أبناءها لتحفظ نفسها. وورث ساتورن الروماني، نظير كرونوس، اسم بعل حمّون في إفريقيا. وفي ليبيا القريبة كان آمون ذو القرنين أبا غورزيل، ويذكر نقش بوني غورزيل قبل ساتورن. وأمّا بعل أوغاريت فيشاركه في اللقب وحده: بعل أوغاريت فتى المطر الذي يقاتل البحر والموت، وبعل حمّون شيخ جالس يستقبل النذور.