ملخص
التشي 氣 / qì «تْشِي» كلمة صينية أصل معناها البخار والسحاب، ثم صارت اسماً للنَّفَس، ولما يملأ الجسد من قوّة، وللمادّة الواحدة التي تجتمع فتكون الأشياء وتتفرّق فتزول. ويكتبها الصينيون اليوم 气، وهو في معجم «شوو ون جيه دزي» «بخار السحاب»، رسمٌ يصوّره.
وأوضح قصّة لها في الباب الثالث من «هواينان تسي» 淮南子 / Huainanzi «هْوَايْ نَانْ دْزِ»، باب السماء. قبل أن تأخذ السماء والأرض صورة، كان كلّ شيء سابحاً غامضاً. بدأ الطاو في فراغ واسع، فولد الفراغُ المكانَ والزمان، وولد المكانُ والزمانُ التشي. وكان للتشي حدود، فما كان منه صافياً خفيفاً انتشر فصار سماء، وما كان ثقيلاً كدراً تجمّد فصار أرضاً. والصافي يجتمع بسهولة، والكدر يتجمّد بعسر، فتمّت السماء أوّلاً واستقرّت الأرض بعدها. ثم صار ما اجتمع من خلاصة السماء والأرض يناً ويانغاً، وصار من خلاصتهما الفصول الأربعة، ومن الفصول الأشياء كلّها. وولد تشي اليانغ الحارّ المتراكم النارَ، وخلاصتها الشمس، وولد تشي اليين البارد المتراكم الماءَ، وخلاصته القمر.
وهي القصّة نفسها التي يرويها خبر بانغو: كانت السماء والأرض مختلطتين كالبيضة، فصعد الصافي ونزل الكدر. وبعد ذلك بأسطر في الباب نفسه ينطح غونغ غونغ جبل بو جو فيكسر عمود السماء. ولمّا ردّ وانغ تشونغ هذا الخبر في القرن الأوّل سأل: هل السماء تشي أم جسم؟ فإن كانت تشياً كالسحاب والدخان فكيف يكون لها عمود يُكسر؟
وفي الإنسان يكون التشي نَفَس الحياة. يقول هوانغدي في كتاب «جوانغ دزي»: حياة الإنسان اجتماع التشي، فإذا اجتمع كانت الحياة، وإذا تفرّق كان الموت، ولذلك يقال إنّ ما تحت السماء كلّه تشي واحد. «جوانغ دزي»، الباب 22. ولمّا ماتت زوجة جوانغ دزي جاءه صاحبه يعزّيه فوجده يضرب على قصعة ويغنّي، فلامه، فقال: حزنت أوّل الأمر، ثم نظرت في بدئها: لم تكن حياة، بل لم تكن صورة، بل لم يكن تشي، ثم في الاختلاط الغامض تغيّر شيء فكان التشي، وتغيّر التشي فكانت الصورة، وتغيّرت الصورة فكانت الحياة، والآن تغيّرت فكان الموت، كما تتعاقب الفصول الأربعة.
ويجعل مِنْغ دْزِ 孟子 / Mengzi «مِنْغ دْزِ» التشي قوّة تُربّى. يقول: الإرادة قائد التشي، والتشي ما يملأ الجسد. ويقول: «أحسن تربية تشيي الفيّاض»، فيُسأل عنه فيقول: يصعب وصفه، هو أعظم شيء وأصلبه، إذا رُبّي بالاستقامة ولم يُؤذَ ملأ ما بين السماء والأرض، وهو يرافق العدل والطاو، فإن خلا منهما جاع. ثم يضرب المثل برجل من دولة سونغ حزن لأنّ زرعه لا يطول، فجذب السيقان ليعينها على النموّ، فلمّا ذهب ابنه ينظر وجد الزرع قد يبس. فالتشي ينمو بالعمل المستقيم، ولا يُستعجل.
والفكرة التي تدور عليها هذه النصوص أنّ مادّة واحدة تجري في العالم وفي الإنسان. في أوّل الخلق تنقسم فتكون سماء وأرضاً، وفي الإنسان تجتمع فتكون حياة وتتفرّق فيكون الموت، وفي الأخلاق تقوى بالاستقامة وتجوع بفقدها. ولذلك لم يكن الموت عند جوانغ دزي فقداً لشيء، وإنّما تغيّراً في صورة التشي.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تقرأ المقالة السامية الصينية qì «تْشِي» من «قُوّة»، وتقابله بالعبرية חַי / ḥay «حَيّ»، أي الحيّ والحياة. وفي معجم لين: القوّة ضدّ الضعف، في الجسد وفي العقل، والقوّة أيضاً الملَكة، يقال: السمع قوّة في الأذن تُدرك بها الأصوات. والقراءتان تلتقيان بوجهين في النصوص: التشي الذي «يملأ الجسد» و«أعظم شيء وأصلبه» عند منغ دزي هو القوّة، والتشي الذي «إذا اجتمع كانت الحياة» عند جوانغ دزي هو الحيّ.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | المعنى |
|---|---|---|
| 氣 qì | «تْشِي» | البخار، النَّفَس، التشي |
| 气 qì | «تْشِي» | الرسم القديم والمبسّط |
| khj+jH | «كْهِي» | نطق 氣 في الصينية الوسيطة |
| *C.qʰəp-s | «قْهَبْس» | 氣 في إعادة البناء الحديثة للصينية القديمة، «البخار المتلبّد» |
تجعل إعادة البناء الحديثة أوّل الكلمة القديمة قافاً منفوخة تُنطق من اللهاة، *qʰ «قْه»، وهي في موضع القاف العربية نفسه، ثم صارت كافاً منفوخة في الصينية الوسيطة، ثم صوتاً قريباً من «تش» في الماندرينية. فالقاف في «قوّة» تقابل أقدم ما يُعرف من نطق الكلمة، والواو تقابل حركتها، وتقع الياء الأخيرة من قوي حيث تقف الحركة الطويلة. أمّا الحاء في «حيّ» فتقابل الصوت نفسه من جهة أخرى، لأنّ القاف المنفوخة والحاء كلتاهما من أقصى الحلق والفم، والحروف الحلقية تتبادل وتسقط بين اللغات. وموضع الحاجة إلى البيان باء في آخر الكلمة القديمة سقطت قبل الصينية الوسيطة، ولا تظهر في «قوّة» ولا في «حيّ».
وتضع المقالة التشي مع البرانا الهندية والكا المصرية في «الطاقة الحيوية»، وتعدّه مفهوماً عامّاً بين الشعوب. فايو في الهند ريح العالم ونَفَس الإنسان معاً، وفي العبرية الحيّ صفة الإله نفسه في قولهم «الإله الحيّ».
السرديات الأسطورية الرئيسة
ويقول «جوانغ دزي» في بابه السادس إنّ فوشي نال الطاو «فدخل أمّ التشي»، فيجعل للتشي أمّاً يرجع إليها أوّل المؤسّسين. «جوانغ دزي»، الباب 6. وفي «كتاب الطريق والفضيلة» تحمل الأشياء كلّها اليين وتضمّ اليانغ، «وتمزج التشي فيكون الوفاق». «كتاب الطريق والفضيلة»، الفصل 42. وفي الباب الثالث من «هواينان تسي» يصير التشي ريحاً ومطراً: التشي المنحرف في السماء إذا غضب صار ريحاً، والتشي المحبوس في الأرض إذا اعتدل صار مطراً، وإذا تلاقى اليين واليانغ كان الرعد.
القراءة الرمزية
تقرأ إعادة القراءة ثنائية اليين واليانغ ثنائية في المادّة نفسها، المادّة والطاقة، وتقرؤها المقالة السامية الطاقة الحيوية. وفي النصوص القديمة صورة أبسط من ذلك يعرفها كلّ إنسان: البخار الذي يصعد من الماء، والنَّفَس الذي يخرج من الصدر في البرد، والسحاب الذي يتجمّع ويتفرّق. من هذه الأشياء المرئية أخذ الصينيون كلمة يصفون بها كيف يصير الخفيف سماء والثقيل أرضاً، وكيف يحيا الإنسان ويموت.
التوازيات عبر الحضارات
يخرج فايو، الريح، في الشعر الفيدي من نَفَس الإنسان الكوني، وتقرن الأوبانيشاد الريحَ بالبرانا، نَفَس الحياة. والتشي مثله يجمع الريح خارج الإنسان والنَّفَس في صدره. ويتحوّل نَفَس بانغو عند موته ريحاً وسحاباً، على نمط الجسد الكوني. ويفترق التشي عن فايو في أنّه ليس شخصاً يُدعى ويُقدَّم له القربان، وإنّما مادّة يتكوّن منها كلّ شيء.