الرئيسية/المفاهيم/خلق الإنسان

خلق الإنسان

ملخص

قصص خلق الإنسان تجيب عن ثلاثة أسئلة: من أيّ شيء صُنع الناس، ومن صنعهم، ولماذا صُنعوا.

وأقدم جواب متّصل وصلنا في القصيدة السومرية «إنكي ونينماخ». في الأيام الأولى كان كبار المعبودات يشرفون على العمل، وصغارهم يحفرون القنوات ويكدّسون الطمي، فضجّوا من هذه الحياة. وكان إنكي نائماً في سريره في الماء العميق لا يستيقظ، فحملت أمّه نمّا دموع المعبودات إليه وقالت: قم يا بنيّ، واصنع بحكمتك بديلاً يُعفي المعبودات من كدّها. فقام إنكي وقال لها: اعجني طيناً من فوق الأبسو، تقرص منه معبودات الولادة، وأنتِ تُخرجين الهيئة، ولتكن نينماخ عونك، وبعد أن تقضي في مصيره فلتجعل عليه نينماخ عمل حمل السلال. ثم أقام إنكي وليمة، فشرب هو ونينماخ الجعة حتى طابت نفساهما، فقالت نينماخ: جسد الإنسان يكون حسناً أو قبيحاً، وأنا أجعل مصيره كما أشاء. فقال إنكي: كلّ مصير تجعلينه أوازنه. فأخذت من طين الأبسو وصنعت رجلاً لا يقدر أن يثني يديه، فجعله إنكي خادماً للملك، ثم صنعت غيره وغيره، وهو يجد لكلّ واحد عملاً يعيش به.

وتروي «أتراحاسيس» الأكدية القصّة نفسها بتفصيل أكثر. ثار صغار المعبودات، الإيغيغي، على حمل العمل، فاجتمع كبارهم وطلبوا من القابلة مامي، وهي نِنتو، أن تخلق إنساناً أوّل يحمل النير، عمل إنليل، ويحمل سلّة الإله. فقالت: ليس هذا لي، إنّه لإنكي، فليعطني الطين. فقال إنكي: ليُذبح معبود واحد، ومن لحمه ودمه تخلط نِنتو الطين، فيختلط الإله والإنسان في الطين، ونسمع ضربات الطبل إلى آخر الزمان، ومن لحم الإله يكون الشبح، علامة لا تُنسى. فذبحوا في مجلسهم «وِي، الذي له عقل»، وخلطت نِنتو بلحمه ودمه الطين، وبصق الإيغيغي على الطين. فقالت مامي: أمرتموني بعمل فأتممته، وألقيت حملكم الثقيل على الإنسان. فقبّلت المعبودات قدميها وقالوا: كنّا ندعوك مامي، فليكن اسمك الآن «سيّدة المعبودات كلّها». ثم قرصت من الطين أربع عشرة قطعة، سبعاً عن اليمين وسبعاً عن اليسار، ووضعت بينها لَبِنة، وأخرجت سكّين القصب التي يُقطع بها الحبل السرّي، فخرج سبعة ذكور وسبع إناث.

وفي أساطير أخرى مواد أخرى. في بابل يُصنع الإنسان من دم كنغو المهزوم، وفي مصر يصنعه خنوم على عجلة الفخّار، أو يخرج من دموع رع. وفي الصين تعجن نوا التراب الأصفر، ثم تجرّ حبلاً في الوحل. وعند الإغريق يصنع بروميثيوس الناس من التراب والماء، ويصنع هيفايستوس أوّل امرأة من التراب والماء. وعند أهل الشمال يجد أودين وأخواه شجرتين على شاطئ البحر فيجعلون منهما آسك وإمبلا. وفي الهند تخرج طبقات الناس من جسد بوروشا، وفي فارس ينبت الزوجان الأوّلان من الأرض نبتةً واحدة. وفي التوراة والقرآن يُصنع الإنسان من تراب أو طين ثم يُنفخ فيه.

وتتّفق هذه القصص في أنّ الإنسان مصنوع من شيئين: مادّة من أسفل، طين أو تراب أو شجر أو نبات أو دموع، وشيء من أعلى يدخل فيها، دم معبود أو نفَس أو روح أو هبة من المعبودات. وتختلف في الغاية. في سومر وبابل يُصنع الناس ليحملوا عن المعبودات عملها، وفي الصين يُصنعون لأنّ الأرض كانت خالية، وعند أهل الشمال يُعطَون أسماءهم وثيابهم ثم بيتاً في ميدغارد. والفكرة التي تدور عليها القصص أنّ ما في الإنسان من أرض يفسّر عمله وتعبه وموته، وما فيه من أعلى يفسّر عقله ونفَسه، وأنّ طريقة صنعه تفسّر ما بين الناس من تفاوت: نينماخ تصنع أجساداً مختلفة، ونوا تصنع الأغنياء بيدها والفقراء بالحبل، وجسد بوروشا ينقسم طبقات.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: للإنسان في العربية اسمان يرجعان إلى الجلد ووجه الأرض. الأوّل «البَشَر»، وفي معجم لين البَشَرة ظاهر جلد الإنسان، ويقول بعضهم إنّ الإنسان سُمّي بشراً لأنّ بشرته عارية من الشعر والصوف، وأبو البشر آدم. وبهذا الاسم تقرأ المقالة الهندية اسم بوروشا. والثاني «آدم»: في التكوين يُصنع «هاآدام» من تراب «الأدامة»، أي الأرض، ويذكر معجم براون ودرايفر وبريغز مقارنة الأدامة بالأديم العربي، والأديم في لين الجلد المدبوغ، وأديم الأرض وجهها، ويذكر لين مع ذلك خلافهم في اشتقاق آدم، وينقل ترجيح أنّه اسم أعجمي، أي عبري. والطين نفسه مشترك: تخلط نِنتو في «أتراحاسيس» «طِطّا»، أي الطين، والأكدية «طِطُّو» هي «طيط» العبرية بمعنى الوحل، والعربية والآرامية تقولان «طين»، وتعدّ المقالة المصرية في هذا المشروع الطين «المادة الأولى للخلق». أمّا العقل الذي في الإنسان فاسمه في القصيدة نفسها: المعبود المذبوح «وِي، الذي له طِيمُو»، والطيمو في الأكدية العقل والرأي، ويجعلها معجم براون ودرايفر وبريغز من أصل «طَعَم» العبرية بمعنى الذوق والتمييز، و«طَعِمَ» العربية. وفي لين: رجل «ذو طَعْم» أي ذو عقل وحزم. فالمعبود الذي خُلط دمه بالطين، على قراءة مقترحة على المنهج، «ذو الطَّعْم»، صاحب العقل. ويلاحظ ناشرو النصّ أنّ إحدى النسخ تكتب «إطِمُّو»، أي الشبح الذي يبقى من الميت، بهجاء يذكّر باسم «وِي» وبالطيمو، فالشبح الذي يبقى من الإنسان يحمل في لفظه عقل المعبود المذبوح.

الشواهد بحسب الحضارة

سومر

في «إنكي ونينماخ» يُصنع البشر من طين الأبسو جواباً عن تعب المعبودات، ثم يتنافس إنكي ونينماخ: هي تصنع أجساداً ناقصة، وهو يجد لكلّ جسد عملاً أو رزقاً، فيصير الذي لا يثني يديه خادماً للملك. وفي «أنشودة المعول» طريقة أخرى: يفصل إنليل السماء عن الأرض ليقدر البشر أن ينبتوا في موضع اسمه «حيث خرج اللحم»، ثم يضع بمعوله أوّل صورة للإنسان في قالب اللبِن، فيشقّ أهل أرضه التراب طالعين نحوه كما يطلع النبات. وفي ملحمة جلجامش تغسل أرورو يديها وتقرص قطعة من طين وترميها في البرّية، فيُخلق إنكيدو ندّاً للملك، واسمه في قراءة صفحته «صنيعة سيّد الأرض».

أكد وبابل

في «أتراحاسيس» يُذبح وِي، ويُخلط لحمه ودمه بالطين، ويبصق الإيغيغي عليه، ومن لحمه يكون الشبح، ومن الطين أربع عشرة قطعة تصير سبعة أزواج. ويُطلب أن توضع اللبنة سبعة أيام في بيت المرأة التي تلد، فالقصّة تؤسّس طقس الولادة أيضاً. ولم تمضِ ستمئة سنة حتى كثر الناس وضجّوا فلم ينم إنليل، فأرسل الوباء ثم الجفاف ثم الطوفان. وفي اللوح السادس من «إينوما إيليش» يقول مردوخ: أجمع دماً وأُقيم عظاماً، وأُوقف «لُلّو»، وليكن اسمه «إنسان»، يحمل عمل المعبودات فيستريحوا. فيطلب إيا أن يُسلَّم واحد من المعبودات، فيسمّي المجلس كنغو الذي أثار تيامات، فيُقيّد ويُسفك دمه، ومن دمه يصنع إيا البشر. وتقرأ صفحة كنغو اسمه «قِنّ»، أي العبد الخالص، فالبشر المصنوعون من دمه يرثون الخدمة. وتجمع المقالة البابلية في هذا المشروع الروايتين حين تقول إنّ بيلت إيلي خلطت الطين بدم كنغو في «أتراحاسيس»، والدم في «أتراحاسيس» دم وِي، ودم كنغو في «إينوما إيليش».

مصر

يصنع خنوم الإنسان وقرينه على عجلة الفخّار، ويصنع الجنين في بطن أمّه، وتقول ترنيمة إسنا إنّه صوّر المعبودات والناس والقطعان على عجلته، وعقد الدم بالعظام، وبنى الجمجمة، وفتح العينين، وصنع اللسان، وإنّ العجلة لا تقف بعد ذلك، تدور كلّ يوم. وفي بردية بريمنر رند يقول «سيّد كلّ شيء» إنّه بكى على شو وتفنوت حين رجعا إليه مع عينه، فخرج البشر من دموع عينه، ويلاحظ المترجم أنّ لفظ البشر ولفظ الدموع متقاربان في المصرية.

الصين

يحكي كتاب «فنغ سو تونغ يي»، في نقل موسوعة «تاي بينغ يو لان»، أنّ السماء والأرض انفصلتا ولم يكن على الأرض ناس، فعجنت نوا التراب الأصفر وصنعت الناس واحداً واحداً، فلمّا ثقل عليها العمل جرّت حبلاً في الوحل ورفعته، فصار ما سقط منه ناساً. ولذلك كان الأغنياء والأشراف ناس التراب الأصفر، والفقراء والعامّة ناس الحبل. وتقرأ صفحة نوا اسمها «نوى»، أي قصد وعزم، فهي التي صنعت الناس عن قصد. وتقابل المقالة السامية الصينية طينها الأصفر بطين آدم.

الإغريق

يقول أبولودوروس إنّ بروميثيوس صنع الناس من الماء والتراب، وأعطاهم النار التي خبّأها في ساق نبتة الشمر، فعاقبه زيوس (1.7.1). ورأى بوسانياس في بانوبيوس حجرين بلون الطين، رائحتهما كرائحة جلد الإنسان، يقول أهل المكان إنّهما بقيّة الطين الذي صنع منه بروميثيوس الناس (10.4.4). وعند هِسْيُود يأمر زيوس هيفايستوس أن يخلط التراب بالماء ويضع فيه صوت الإنسان وقوّته، فتُصنع باندورا، أوّل امرأة (الأعمال والأيام 60–82)، ثم يعدّ أجيال الناس خمسة: ذهبياً وفضّياً، وبرونزياً «من شجر الدردار»، ثم الأبطال، ثم الجيل الحديدي الذي لا يستريح من التعب (109–201). ويجعل أوفيد الإنسان الذي صنعه بروميثيوس من التراب وماء الأنهار قائماً ينظر إلى السماء والنجوم، والحيوان منكبّ على الأرض. وتقرأ صفحة بروميثيوس اسمه «المُبرِم»، الذي يحكم الأمر قبل وقوعه. وبعد الطوفان يصنع ديوكاليون وبيرّا ناساً جدداً من الحجارة.

الشمال

تقول «نبوءة العرّافة» إنّ ثلاثة من الآسير جاؤوا إلى بيت، فوجدوا على الأرض آسك وإمبلا قليلَي القوّة، بلا قدر، لا نفَس فيهما ولا روح، ولا لين ولا حركة ولا لون حسن، فأعطى أودين النفَس، وأعطى هونير الروح، وأعطى لودور اللين واللون الحسن (17–18)، ثم تذكر العرّافة في البيت الذي بعده النورنات اللواتي يخترن أعمار الناس. ويقول سنوري إنّ أبناء بور كانوا يمشون على شاطئ البحر فوجدوا شجرتين، فرفعوهما وصنعوا منهما الناس: أعطى الأوّل النفَس والحياة، والثاني العقل والحركة، والثالث الوجه والكلام والسمع والبصر، وأعطوهما ثياباً وأسماء، وسكن نسلهما ميدغارد (خداع غيلفي 9)، وميدغارد نفسها صُنعت من حاجبي يمير حصناً للناس من العمالقة (8). أمّا العمالقة فخرجوا من جسد يمير نفسه: نبت تحت ذراعه رجل وامرأة، وولدت إحدى قدميه ابناً من الأخرى (خداع غيلفي 5، أقوال ڤافثرودنير 33). وخرج جدّ الآلهة بوري من حجر الصقيع الذي لحسته البقرة أوذهوملا (6)، فلكلّ نسل في هذه الرواية مادّته: العمالقة من جسد، والآلهة من حجر ملح، والناس من شجر.

الهند

في نشيد بوروشا من «الريغفيدا» تقسم المعبودات الإنسان الأوّل في القربان: فمه البراهمة، وذراعاه المحاربون، وفخذاه أهل الزرع والتجارة، ومن قدميه وُلد الخدم، ومن عقله القمر ومن عينه الشمس (10.90.11–13). فالطبقات الأربع هنا أعضاء جسد واحد، وهو ما تجمعه صفحة نمط الجسد الكوني. أمّا أبو البشر فهو مانو، الذي نجا من الطوفان وخرجت له إيدا من قربانه.

فارس

يروي «البندهشن» أنّ كيومرث، الإنسان الأوّل، ألقى نطفته حين مات، فطهّرها نور الشمس، وبعد أربعين سنة نبت من الأرض مشيه ومشيانه في هيئة نبتة ريباس، وهي من الراوند، ذات ساق واحدة وخمس عشرة ورقة، متلاصقين لا يُعرف الذكر من الأنثى. ثم تحوّلا من هيئة النبات إلى هيئة الإنسان، ودخلت فيهما الروح، وقال لهما أهورا مزدا: أنتما إنسان، وأصل العالم، فافعلا الخير ولا تعبدا الشياطين (15.1–6).

كنعان

لم تصل من أوغاريت قصّة في صنع الإنسان، لكنّ ألواحها تسمّي إيل «خالق المخلوقات» و«أبا البشر». وتقول مقالة إعادة القراءة الكنعانية إنّ الكنعانيين لم يتركوا نصّاً كاملاً في خلق الإنسان، وتجعل دانئيل القاضي العادل نموذج الإنسان عندهم.

التوراة والقرآن

في التكوين يصنع الله الإنسان ترابًا من الأرض، وينفخ في أنفه نسمة حياة، فيصير نفساً حيّة (2: 7)، ثم يقول له بعد الأكل من الشجرة: بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود إلى الأرض التي أُخذت منها، لأنّك تراب وإلى تراب تعود (3: 19). وفي القرآن: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ»، ثم «إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ» (الحجر 26–29)، و«إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ» (ص 71). وتضع المقالتان الصينية والهندية في هذا المشروع آدم المخلوق من الطين والتراب في مقابل نوا وبوروشا.

اليابان

ليس في «كوجيكي» قصّة في صنع الناس. ويُذكر الناس فيه حين يهرب إيزاناغي من دار الموتى، فيكتب الكتاب اسمهم بثلاثة رسوم معناها «عشب الناس الأخضر»، وتقول إيزانامي عند الصخرة إنّها ستخنق كلّ يوم ألفاً منهم، فيجيبها بأنّه سيقيم كلّ يوم ألفاً وخمسمئة بيت للولادة. فالناس هنا نبات يموت منه كلّ يوم قدر ويولد أكثر منه.

التوازيات عبر الحضارات

الرواية الصانع المادّة ما يدخل فيها من أعلى لماذا صُنعوا ما يتفاوت فيه الناس
«إنكي ونينماخ» نمّا ونينماخ بتدبير إنكي طين الأبسو قضاء المصير حمل السلال عن المعبودات أجساد نينماخ المختلفة
«أتراحاسيس» نِنتو بتدبير إنكي طين ولحم وي ودمه عقل المعبود، والشبح حمل نير إنليل ـ
«إينوما إيليش» إيا بتدبير مردوخ دم كنغو ـ عمل المعبودات ـ
خنوم خنوم على العجلة طين ـ تعمير الأرض اختلاف ألسنة البلاد
نوا نوا بيدها وبالحبل تراب أصفر ووحل ـ الأرض خالية الأغنياء والفقراء
بروميثيوس وهيفايستوس بروميثيوس، هيفايستوس تراب وماء النار، والصوت والقوّة ـ الأجيال الخمسة
آسك وإمبلا أودين وأخواه شجرتان على الشاطئ النفَس والروح واللين واللون ـ ـ
بوروشا المعبودات بالقربان جسد الإنسان الأوّل ـ ـ الطبقات الأربع
مشيه ومشيانه من نطفة كيومرث نبتة الراوند الروح ـ ـ
التكوين والقرآن الله تراب، طين، صلصال النفخ والروح ـ ـ

المادّة التي تتكرّر هي الطين، وهي مادّة الخزّاف وصانع اللبِن. تقرص المعبودات الطين في «إنكي ونينماخ» و«أتراحاسيس»، ويضعه إنليل في قالب اللبن، ويديره خنوم على العجلة، ويعجنه بروميثيوس بالماء، وتعجنه نوا بيدها. والطين في هذه القصص من ماء: من فوق الأبسو، ومن طمي الفيضان الذي يحرس خنوم منبعه، ومن ماء الأنهار عند أوفيد. وقد جمعت صفحة المياه الأولى هذا الماء الذي تبدأ منه الأشياء.

وفي قصص أخرى ينبت الإنسان كما ينبت الشجر: آسك وإمبلا شجرتان، ومشيه ومشيانه نبتة راوند، وجيل هسيود البرونزي «من شجر الدردار»، والناس في «كوجيكي» عشب أخضر، وأهل سومر يشقّون التراب طالعين نحو إنليل. واسم آسك في النوردية هو الدردار نفسه، شجرة يغدراسيل، وتقرؤه صفحته «ساق»، وهي في العربية جذع الشجرة وساق الإنسان معاً، فتلتقي هذه القصص بصفحة شجرة العالم. وفي آخر الزمان يعود الناس إلى الشجر: يختبئ ليف وليفثراسير في غابة هودّميمير، ومنهما تنشأ الدهور الجديدة (أقوال ڤافثرودنير 45). وفي فارس يتّصل الأمران: بعد أن صار مشيه ومشيانه إنساناً يقول النصّ إنّ شجرة نبتت على هذا المثال، ثمرها أصناف الناس العشرة.

والجزء الذي يأتي من أعلى يختلف. في بابل دم معبود مقتول: وي الذي له عقل في «أتراحاسيس»، وكنغو المهزوم في «إينوما إيليش». وفي التوراة والقرآن نفخة من الله، وعند أهل الشمال نفَس وروح ولين ولون يعطيها ثلاثة من الآسير، وعند الإغريق النار التي سرقها بروميثيوس، وفي فارس روح تدخل النبتة. ويصنع الجسد نفسه العالم في قصّتي بوروشا ويمير، وهذا نمط الجسد الكوني: من بوروشا تخرج طبقات الناس، ومن يمير يخرج العمالقة، ومن حاجبيه الحصن الذي يسكنه الناس.

وتربط القصص صنع الإنسان بما يأتي بعده. في «أتراحاسيس» يكثر الناس ويضجّون فيرسل إنليل الطوفان، وعند الإغريق يعيد ديوكاليون وبيرّا صنع الناس من الحجارة بعد الطوفان، فتدخل القصّتان في الطوفان. وفي «أنشودة المعول» يُصنع الإنسان بعد فصل السماء عن الأرض مباشرة، وفي «فنغ سو تونغ يي» بعد انفصالهما كذلك. وبروميثيوس الذي يصنع الناس ويعطيهم النار واحد من الأبطال الحضاريين.

ولا يكفي الطين في قصّة إنكيدو، فالتي تتمّ صنعه إنساناً شمحات بالخبز والجعة والزيت والثوب، فيقول النصّ: «صار إنساناً»، في صفحة شمحات.

القراءة الرمزية

تقرأ مقالة «إعادة قراءة الأساطير البابلية» خلق الإنسان لخدمة المعبودات تنظيماً لعمل الإمبراطورية: الشعب يعمل لبناء المعابد والقصور، وهي ضريبة العمل الإلزامية. وتقرأ تمرّد الإيغيغي في «أتراحاسيس» ثورة أوّل العمّال، لأنّ حفر القنوات وبناء الزقّورات كان يقع على طبقة بعينها، وتقرأ «خلق الإنسان ليعمل» نظام السخرة واستعباد الشعوب المغلوبة. وتجعل مقالة «إعادة قراءة الأساطير الصينية» صنع نوا الناس من الطين صورة لصناعة الفخّار. وتجمع المقالة السامية الهندية آدم و«أتمن»، النفس في السنسكريتية: آدم الجانب الجسدي المخلوق من التراب، وأتمن الجانب الروحي، والإنسان الاثنان معاً.

وتسمح النصوص نفسها بقراءة من جهة الطبيعة وعمل الناس. الطين الذي يُصنع منه الإنسان هو طين الأنهار الذي صنع منه أهل الرافدين ومصر بيوتهم وآنيتهم وألواح كتابتهم، وفي معجم لين أنّ أجود الطين ما بقي بعد انحسار الماء، وأجوده طين مصر. وأدوات الخلق أدوات الصنّاع: قالب اللبن، وعجلة الفخّار، وسكّين القصب التي يُقطع بها الحبل السرّي. وتصل القصص صنع الإنسان الأوّل بكلّ ولادة بعده: في «أتراحاسيس» توضع اللبنة سبعة أيام في بيت المرأة التي تلد، وفي مصر يصنع خنوم كلّ جنين في بطن أمّه، وتحضر معبودات الولادة صنع البشر في «إنكي ونينماخ».

ومن جهة المجتمع، تشرح القصص لماذا يعمل الناس ولماذا يتفاوتون. السلّة والنير في سومر وبابل عمل نُقل من المعبودات إلى البشر، وكنغو الذي يُصنع البشر من دمه قِنّ في قراءة صفحته. ونينماخ تصنع أجساداً ناقصة فيجد لها إنكي عملاً، فيصير العاجز خادماً للملك ويُجعل لكلّ جسد رزق. ونوا تصنع الأغنياء بيدها والفقراء بالحبل، وطبقات الهند أعضاء جسد بوروشا، وأجيال هسيود تنحدر من الذهب إلى الحديد الذي لا يستريح أهله من التعب. فقصّة المادّة التي صُنع منها الإنسان هي أيضاً قصّة موضعه بين الناس.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «إنكي ونينماخ» و«أنشودة المعول»، مدوّنة الأدب السومري؛ ملحمة جلجامش، اللوح الأوّل.

  2. «أتراحاسيس»، اللوح الأوّل، مع الشرح، المكتبة الإلكترونية للأدب البابلي؛ «إينوما إيليش»، اللوح السادس، المكتبة البابلية الإلكترونية.

  3. ليشتهايم، الأدب المصري القديم 3؛ بردية بريمنر رند.

  4. «تاي بينغ يو لان»، الباب 78.

  5. أبولودوروس؛ بوسانياس؛ هسيود، «الأعمال والأيام»؛ أوفيد، «التحوّلات» 1.

  6. «نبوءة العرّافة»؛ «خداع غيلفي» 5 و6 و8 و9؛ «أقوال ڤافثرودنير».

  7. «الريغفيدا» 10.90؛ «البندهشن»، ترجمة وست.

  8. ويغينز، إعادة تقويم عشيرة.

  9. التكوين 2 و3؛ الحجر 26–29؛ ص 71–72.

  10. «كوجيكي»، القسم 9، ترجمة تشامبرلين.

  11. معجم لين، بشر وأدم وطين وطعم؛ معجم براون ودرايفر وبريغز: أدامة وطيط وطعم.