ملخص
غُونْغ غُونْغ 共工 / Gònggōng «غُونْغ غُونْغ» في أخبار الصين القديمة صاحبُ الماء الذي خرج على النظام. نازع الإمبراطورَ جُوَانْ شُو 顓頊 / Zhuānxū «جُوَانْ شُو» على الحكم فنطح جبل بُو جُو 不周山 / Bùzhōu shān «بُو جُو شَان» فانكسر عمود السماء، وهو في أخبار أخرى الذي رفع الطوفان في زمن الإمبراطور شُون حتى نفاه شون إلى الشمال. ويجعله «كتاب الجبال والبحار» من نسل يَنْ دِي 炎帝 / Yándì «يَنْ دِي»: نزل جُو رُونْغ، وهو من أحفاد يان دي، فأقام عند نهر جيانغ، فولد غونغ غونغ.
يروي «هواينان تسي» 淮南子 / Huainanzi «هْوَايْ نَانْ دْزِ» في بابه الثالث، باب السماء، أنّ غونغ غونغ نازع جوان شو على أن يكون هو الحاكم الأعلى، فغضب ونطح جبل بو جو، فانكسر عمود السماء وانقطع حبل الأرض. فمالت السماء نحو الشمال الغربي، فتحرّكت الشمس والقمر والنجوم إلى تلك الجهة، ونقصت الأرض من جهة الجنوب الشرقي، فجرت إليها المياه والتراب.
وبهذا الكسر تبدأ عند بعض الكتّاب قصّة نوا. ينقل وانغ تشونغ 王充 / Wáng Chōng «وَانْغ تْشُونْغ»، في القرن الأوّل، في كتابه «الموازين» 論衡 / Lunheng «لُونْ هِنْغ»، ما كانت تقوله كتب العلماء في زمنه: نطح غونغ غونغ الجبل فانكسر عمود السماء وانقطع حبل الأرض، فصهرت نوا حجارة ذات خمسة ألوان ورقعت السماء، وقطعت قوائم سلحفاة عظيمة فأقامت بها الجهات الأربع. ثم يردّ عليه: من كانت له قوّة تكسر عمود السماء لم يُغلب في حرب، ولو كانت السماء نَفَساً كالسحاب والدخان لما كان لها عمود يُكسر. «الموازين»، باب «الكلام في السماء». أمّا «لِيه دْزِ» 列子 / Liezi «لْيِه دْزِ» فيعكس الترتيب: رقعت نوا السماء أوّلاً، ثم جاء غونغ غونغ بعد ذلك فنطح الجبل. «ليه دزي»، الباب 5. وفي الباب السادس من «هواينان تسي» تصلح نوا عالماً سقطت أعمدته، ولا يسمّي النصّ من أسقطها.
ويظهر غونغ غونغ في أخبار الطوفان صاحبَ الماء الطاغي. يقول «هواينان تسي» في بابه الثامن إنّه في زمن شون حرّك مياه الطوفان حتى بلغت موضعاً يُسمّى كونغ سانغ، ولم تكن بوّابة التنين قد فُتحت، فصعد الناس التلال وتعلّقوا بالأشجار، فأرسل شون يو فشقّ الأنهار وصرّف الماء إلى البحر الشرقي. «هواينان تسي»، الباب 8. وفي «كتاب الوثائق» يقترحه وزير على الإمبراطور ياو، فيرفضه ياو قائلاً إنّ كلامه هادئ وفعله مخالف، يبدو متواضعاً وهو «يطغى حتى السماء»، وهي العبارة نفسها التي يصف بها الكتاب الطوفان بعد ذلك بأسطر. ثم ينفيه شون إلى يو جو، في العبارة نفسها التي يقتل فيها غون في جبل الريش. «كتاب الوثائق»، «قانون ياو». ويزيد «سجلّ المؤرّخ الكبير» أنّ ياو جرّبه على كره منه «رئيساً للصنّاع» فظهر فساده، وأنّ شون نفاه إلى يو لينغ في الشمال، كما قتل غون في جبل الريش في الشرق، فجعل لكلّ واحد من المذنبين الأربعة جهة.
والفكرة التي تدور عليها أخباره أنّ الماء والحكم أمر واحد في هذه القصص. غونغ غونغ يطلب الحكم بالقوّة فيكسر عمود السماء، ويطلب السيطرة على الماء فيسدّ الأنهار ويرفع الطوفان، وفي الحالين يختلّ العالم: تميل السماء، وتنحدر المياه، وتغرق الأرض. ومن هذا الخلل تخرج أعمال الإصلاح: نوا ترقع السماء في الرواية التي تجمع الخبرين، ويو يفتح المجاري ويقتل وزيره ذا الرؤوس التسعة. ويرى «كلام الدول» أنّ غون سار على طريق غونغ غونغ فهلك، وأنّ يو ترك ذلك الطريق فنجح.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، قراءة مقترحة على المنهج: معنى 共 «غُونْغ» في الصينية «معاً، جميعاً»، ومعنى 工 «غُونْغ» «العمل» و«الموظّف»، و共工 في «كتاب الوثائق» لقب الموظّف الذي يتولّى الأشغال، يقلّده شون رجلاً اسمه تشوي، ويقول «سجلّ المؤرّخ الكبير» إنّ غونغ غونغ نفسه جُرّب «رئيساً للصنّاع». والمقطعان يبدآن بكاف وينتهيان بنون أنفية من أقصى الفم، مرّتين. فنسمع فيهما «القِنْقِن» العربية، بالقاف والنون مكرّرتين. والقنقن في «كتاب العين» للخليل «الدليل الهادي البصير بالماء تحت الأرض وحفر القُنِيّ»، أي الذي يعرف أين يجري الماء في باطن الأرض فيحفر له القنوات. فغونغ غونغ على هذه القراءة «صاحب أشغال الماء»، وهو ما تجعله أخباره: رجل يقدر على الماء، يسدّ الأنهار ويرفع الطوفان، لكنّه يستعمل قدرته في الخراب، فيأتي يو بعلم الماء نفسه فيصلح.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | المعنى أو الموضع |
|---|---|---|
| 共工 Gònggōng | «غُونْغ غُونْغ» | اسمه، ولقب موظّف الأشغال في «كتاب الوثائق» |
| 共 gòng | «غُونْغ» | معاً، جميعاً |
| 工 gōng | «غُونْغ» | العمل، الموظّف |
| 康回 Kānghuí | «كَانْغ هْوِي» | اسمه في «أسئلة السماء» بشرح وانغ يي |
يُنطق 共 في الصينية الوسيطة gjowngH «غْيُونْغ» و工 kuwng «كُونْغ»، وتجعلهما إعادة البناء الحديثة للصينية القديمة *N-k(r)oŋʔ-s «نْكُونْغْس» و*kˤoŋ «كُونْغ». والنون في أوّل الأوّل سابقة صرفية، والسين في آخره لاحقة، فالجذر في الكلمتين كاف ثم ضمّة ثم نون أنفية من أقصى الفم. وفي المقابلة تأخذ القاف مكان الكاف، لأنّ القاف والكاف والجيم مجموعة واحدة تندمج في اللغات الأخرى، وتأخذ النون مكان النون الأنفية الخلفية، كما تُقرأ في «لونغ» التنين. والتكرار في «قنقن» يقابل تكرار المقطع في الاسم.
والقنقن عند الخليل يُجمع على «قَناقِن»، ويستشهد له ببيت للطِّرِمّاح يصف حيوانات تكتم مضغها خوفاً من الهلاك وتنصت «انتصات القناقن»، فالقنقن في البيت مضرب المثل في الإنصات. والقُنِيّ جمع قناة، وهي مجرى الماء المحفور. ولا يذكر معجم لين القنقن، لكنّه يذكر من المادّة نفسها «القُنّة»: الجبل المنفرد، وهو صدى بعيد يأتي من القصّة لا من الاسم، لأنّ غونغ غونغ نطح جبلاً.
ولا تقرأ المقالتان الصينيتان في المشروع اسم غونغ غونغ ولا تذكرانه. وموضع الضعف في القراءة أنّ القنقن كلمة نادرة، وأنّ الصلة بين لقب الأشغال وعلم الماء تحتاج إلى خطوة من القصّة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
تسأل قصيدة «أسئلة السماء» 天問 / Tianwen «تْيَانْ وِن»: غضب كانغ هوي، فلماذا مالت الأرض نحو الجنوب الشرقي؟ ويقول وانغ يي 王逸 / Wáng Yì «وَانْغ يِي» في شرحه إنّ كانغ هوي اسم غونغ غونغ، ويروي خبر نطح الجبل كما في «هواينان تسي».
وفي «كتاب الجبال والبحار» لغونغ غونغ وزير اسمه شْيَانْغ لْيُو 相柳 / Xiāngliǔ «شْيَانْغ لْيُو»، ويُسمّى أيضاً شيانغ ياو، حيّة بتسعة رؤوس بوجوه بشر تأكل من تسعة جبال، وكلّ موضع تمسّه يصير مستنقعاً ماؤه مرّ. فقتله يو، فسال دمه نتناً فلم يصلح موضعه لزرع، فردمه يو فهبط ثلاث مرّات، فجعله بركة بنى عندها الحكّام منصّاتهم. وفي الكتاب نفسه «منصّة غونغ غونغ»، لا يجرؤ الرماة على أن يرموا نحو جهتها.
ويروي «كلام الدول» خطبة لأمير من بيت جو: هجر غونغ غونغ طريق القدماء وانغمس في اللذّة، وأراد أن يسدّ الأنهار المئة ويهدم المرتفع ليردم به المنخفض، فلم تنصره السماء ولا الناس فهلك. ويختلف الشرّاح في زمنه: ينقل وي جاو 韋昭 / Wéi Zhāo «وَيْ جَاو» عن جيا كوي أنّه أمير من نسل يان دي اسم بيته جيانغ، نازع غاو شين على الملك، ويرى أنّ غونغ غونغ زمن ياو غيره. وفي الخطبة نفسها أنّ أحفاد أخي غونغ غونغ، زعماء الجهات الأربع، أعانوا يو على عمله، فبنو بيت المخرّب شاركوا في الإصلاح.
القراءة الرمزية
لا تذكر إعادة القراءة غونغ غونغ باسمه، لكنّها تقرأ انشقاق السماء الذي أصلحته نوا انهيارَ سدّ، والطوفانَ فيضاناً حقيقياً للنهر الأصفر. وعلى هذه القراءة يكون نطح الجبل وكسر العمود صورة للحادث الذي فتح الماء على الناس. والنصّ نفسه يذكر ما يراه الناس كلّ يوم: أنّ أنهار الصين تجري نحو الشرق والجنوب الشرقي، وأنّ النجوم تتحرّك نحو الغرب، فيفسّر الخبر جهة الماء وجهة السماء بفعل واحد. وجبل بو جو في الخبر عمود يحمل السماء، كما تقوم الجبال في أساطير أخرى مركزاً للعالم، وهو ما تجمعه صفحة الجبل المقدّس.
التوازيات عبر الحضارات
يخرج تيفون في «الثيوغونيا» على زيوس بعد أن استقرّ له الملك، فيكاد يملك العالم، ثم يغلبه زيوس. وغونغ غونغ ينازع جوان شو على الحكم، فلا يغلبه، لكنّه يترك العالم مائلاً إلى اليوم. ويقف في الخبرين خصم أخير يهزّ النظام الجديد، وتفترق النهاية: تيفون يُرمى في التارتاروس، وغونغ غونغ يترك أثره في جهة الأنهار والنجوم.
ووزيره شيانغ ليو حيّة بتسعة رؤوس يقتلها يو فيفسد دمها الأرض، ولوتان حيّة بسبعة رؤوس يغلبها بعل في أوغاريت، وياماتا نو أوروتشي حيّة بثمانية رؤوس يقتلها سوسانو في اليابان. تجتمع الثلاث في الحيّة الكثيرة الرؤوس المتّصلة بالماء، وهي صورة يجمعها صراع المعبودات مع البحر والتنين، ويختلف القاتل: يو عامل في الماء، وبعل صاحب المطر، وسوسانو إله طريد.
وكسرُه عمود السماء نقيض فصل السماء عن الأرض، ورفعُه مياه الطوفان رجوعٌ لما تسمّيه قصص الخلق الأخرى الماء الأوّل.