ملخص
البيضة الكونية قصّة العالم قبل أن يكون: كان كلّه مجموعاً في بيضة واحدة، أو كان في البيضة من يخلقه، ثم انفتحت البيضة فخرج منها ما نراه. وأقدم رواية تامّة لها في «شتاپتها براهمنا»، كتاب الهنود في شرح القربان: كان العالم في البدء ماء، بحراً من الماء لا غير، فاشتهت المياه أن تتكاثر، فتعبت وتعبّدت حتى سخنت، فتكوّنت بيضة من ذهب، ولم يكن الزمن قد وُجد بعد، فطفت البيضة سنة. وبعد سنة خرج منها رجل، هو پْرَجاپَتي، فكسر البيضة، ولم يكن له موضع يقف عليه، فطفا في البيضة سنة أخرى. ثم أراد أن يتكلّم، فقال «بُهُو» فصارت الأرض، و«بُهُوَه» فصار الجوّ، و«سْوَه» فصارت السماء، ولذلك يتكلّم الطفل بعد سنة، ويقف بعد سنة.
وقبل هذه الرواية نشيد في «الرگ ڤيدا» يقول: في البدء قام hiraṇyagarbha «هِرَنْيَگَرْبْهَ»، «الجنين الذهبي»، فكان وحده سيّد الكائنات، وثبّت الأرض والسماء، ويقول إنّ المياه العظيمة جاءت تحمل الجنين وتلد أجني. وتذكر نصوص التوابيت المصرية، التي كُتبت بين 1991 و1786 ق.م، «الصيّاح العظيم» و«الذي حول بيضته»، وفي قصّة الخلق في هرموپوليس خرجت من الآلهة الثمانية الأولى بيضة فيها الإله الذي خلق العالم، باضتها في رواية إوزّة اسمها «الصيّاح العظيم»، وفي رواية أخرى طائر أبو منجل، طائر تحوت. وفي «الطيور» لأرستوفانيس تبيض الليلُ ذات الجناحين الأسودين بيضة في حضن الظلمة، فيخرج منها إيروس بجناحين من ذهب. وفي بلاد فارس يروي بلوتارخ أنّ أورومازيس خلق أربعة وعشرين إلهاً ووضعهم في بيضة، فثقبها الذين خلقهم أريمانيوس ودخلوها، فاختلط الشرّ بالخير. وفي الصين كانت السماء والأرض مختلطتين كبيضة الدجاجة، ووُلد بانغو في داخلها. وفي اليابان يبدأ «نيهون شوكي» بأنّ السماء والأرض لم تكونا قد انفصلتا، وكانتا «كبيضة الدجاجة».
والفكرة التي تدور عليها هذه القصص أنّ العالم كان مغلقاً في قشرة واحدة، كلّ شيء فيه مختلط بكلّ شيء، وأنّ الخلق انفتاح هذه القشرة. ثم تختلف القصص في ما كان في البيضة. فيها الخالق نفسه عند الهنود في «شتاپتها براهمنا» وعند الصينيين وفي هرموپوليس، يكبر فيها حتى يكسرها، وفيها إيروس عند أرستوفانيس. وفيها العالم نفسه في «تشاندوگيا أوپانيشاد»: تنشقّ البيضة نصفين، الفضّي الأرض والذهبي السماء، وأغشيتها الغليظة الجبال، والرقيقة السحاب، وعروقها الأنهار، وماؤها البحر، ثم يولد منها الشمس. وفيها الخير وحده عند الفرس، ثم يثقبها الشرّ من الخارج. ويتكرّر أمران: أنّ البيضة تقوم على الماء أو تخرج منه، وأنّ أوّل الزمن سنة الحضن، فالبيضة تطفو سنة، وتنام سنة، ويطول بانغو فيها ثمانية عشر ألف سنة.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: «البَيْضة» في معجم لين بيضة الطائر، سُمّيت لبياضها، وهي أيضاً «حَوْزة كلّ شيء»، أي ما يحويه ويجمعه، ومنه «بيضة الإسلام»: الموضع الذي يضمّ المسلمين كما تضمّ البيضة الفرخ، و«بيضة القوم» وسط دارهم ومعظمها، و«أفرخت البيضة» صار فيها فرخ، و«أفرخ بيضة القوم» ظهر ما كان خفيّاً من أمرهم. فالعربية تجمع في الكلمة ما تجمعه القصص: وعاء يحوي كلّ شيء، وفرخ يخرج منه فيظهر الخفيّ. ويسمّي القرآن السماء والأرض قبل الخلق «رَتْقاً» وفعل الخلق «فَتْقاً»، وبهذا اللفظ تقرأ المقالة الصينية في هذا المشروع اسم بانغو «فَتَق»، الذي شقّ البيضة. وفي المصرية للبيضة اسمان، أحدهما štꜣ.t «شِتَات»، ويقول المعجم المصري إنّه من جذر štꜣ «شِتَا»، كان خفيّاً مستوراً، ونقرؤه على المنهج «سَتَرَ».
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | اللسان | المعنى |
|---|---|---|---|
| بَيْضة، بَيْض | العربية | البيضة؛ وحوزة كلّ شيء | |
swḥ.t |
سُوحِت | المصرية | البيضة |
štꜣ.t، štꜣ |
شِتَات، شِتَا | المصرية | البيضة؛ كان خفيّاً مستوراً |
jm.j-swḥ.t=f |
إِمِي سُوحِتِف | المصرية | الذي في بيضته، لقب لإله الشمس |
Ngng-wr |
نِگِنْگ وِر | المصرية | الصيّاح العظيم |
ḫmn.w |
خِمِنُو | المصرية | الثمانية؛ هرموپوليس، «مدينة الثمانية» |
हिरण्यगर्भ hiraṇyagarbha |
هِرَنْيَگَرْبْهَ | السنسكريتية | الجنين الذهبي |
गर्भ garbha |
گَرْبْهَ | السنسكريتية | الرحم؛ باطن الشيء ووسطه؛ الجنين |
आण्ड āṇḍa |
آنْدَ | السنسكريتية | البيضة |
| 雞子 | «جِي زِه» | الصينية | بيضة الدجاجة |
| رَتْق، فَتْق | العربية | الالتئام والسدّ؛ الشقّ والفصل | |
| سَتَرَ، السِّتْر | العربية | غطّى وأخفى؛ الغطاء | |
| جِراب | العربية | الوعاء؛ وعاء الزاد؛ غمد السيف |
البيضة والحوزة
في معجم لين: البَيْضة بيضة النعامة وكلّ طائر، سُمّيت لبياضها، وجمعها بَيْض وبُيوض، و«أفرخت البيضة» كان فيها فرخ، و«بيضة البلد» البيضة التي تتركها النعامة في الفلاة. ثم يقول إنّ البيضة «حوزة كلّ شيء»، ومنه «بيضة الإسلام»: الموضع الذي يضمّ المسلمين، كما تضمّ البيضة الفرخ، أو جماعتهم، و«بيضة القوم» ناحيتهم، وقلب دارهم ووسطها، و«ابتاضهم» دخل بيضتهم، و«أفرخ بيضة القوم» ظهر ما كان خفيّاً من أمرهم. والبيضة أيضاً خوذة الحديد، سُمّيت لأنّها تشبه بيضة النعامة. فالبيضة في العربية وعاء يحوي، ووسط يُحمى، وخفيّ يظهر بالفقس، وهذا ما تجعله القصص: البيضة تحوي الخالق أو العالم، ويثقبها الشرّ في رواية بلوتارخ كما يدخل العدوّ بيضة القوم، ثم تُفقس فيظهر ما كان مستوراً.
البيضة المستورة
يقول المعجم المصري إنّ swḥ.t «سُوحِت» البيضة، ومن شواهده في بردية إدوين سميث بيضة النعامة تُسحق في الدهن دواءً، وفي لوح پيعنخي يقول الملك إنّه «وُلد حاكماً وهو في البيضة». ويقول إنّ štꜣ.t «شِتَات» البيضة أيضاً، وإنّها من جذر štꜣ «شِتَا»: خفيّ، مستور، غامض، ومنه السرّ، والصورة الخفيّة للإله. ويسمّي «كتاب الموتى» إله الشمس jm.j-swḥ.t=f «إِمِي سُوحِتِف»، «الذي في بيضته»، ويقول: «إنّه يُحيي الذي في البيضة». ويذكر المعجم في نصوص التوابيت «الصيّاح العظيم» Ngng-wr «نِگِنْگ وِر»، و«الذي حول بيضته»، في موضعين متقاربين من المجلّد الثالث. فالبيضة في المصرية هي المستورة، وفي العربية «سَتَرَ»: غطّى وأخفى، و«السِّتر» ما يُستر به. والسين العربية تقابل الشين المصرية، والتاء تاء، والألف المصرية ꜣ «ألف» كانت في المصرية القديمة والوسطى صوتاً مائعاً كالراء واللام، كما تنقل صفحة حكا عن پويست. وهي قراءة مقترحة على المنهج.
الجنين الذهبي والجِراب
يقول مونير وليامز إنّ garbha «گَرْبْهَ» الرحم، وباطن الشيء ووسطه، وكأس الزهرة، والحجرة الداخلية في المعبد، والجنين والولد، وإنّه من الفعل grabh «گْرَبْهْ»، أخذ وحمل. وإنّ hiraṇyagarbha «هِرَنْيَگَرْبْهَ» «الجنين الذهبي»، اسم براهما، لأنّه وُلد من بيضة من ذهب تكوّنت من البذرة التي وُضعت في المياه أوّل الخلق، كما في «قوانين مانو» 1.9. وفي معجم لين: الجِراب وعاء الزاد للمسافر، ويقال إنّه الوعاء من جلد الغنم، وجِراب السيف غمده. والجيم العربية كانت تُنطق گافاً، كما تقرأ صفحة غارودا اسمه «جَرَد»، والباء باء، فالرحم في السنسكريتية «جِراب» يحوي الجنين، كما تحوي البيضة الفرخ. وهي قراءة مقترحة على المنهج، يضعفها أنّ الجراب في العربية وعاء الزاد والسيف، لا الرحم.
الرتق والفتق في المقالة
تقرأ المقالة الصينية في هذا المشروع بانغو «فَتَق»، وتقول إنّه فصل السماء والأرض اللتين كانتا ملتصقتين كبيضة، وإنّ القرآن يصف هذا الفصل الأوّل: «أولم ير الذين كفروا أنّ السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما». وفي معجم لين: الرتق سدّ الشقّ وإصلاحه، والفتق ضدّه، شقّ الشيء وفكّ خياطته، وتفصيل القراءة في صفحتي بانغو وفصل السماء عن الأرض. والمقالة الثانية تقرأ البيضة الكونية حالة الكون قبل الانفجار العظيم، وكسرها الانفجار نفسه.
الشواهد بحسب الحضارة
الهند: الجنين الذهبي والبيضة المنشقّة
يسأل نشيد «الرگ ڤيدا» 10.121 بعد كلّ بيت: لأيّ إله نقدّم قرباننا؟ ثم يجيب في آخره: يا پرجاپتي، لا أحد غيرك يحيط بهذه المخلوقات. والنشيد يجعل الجنين الذهبي في البدء، ويجعل المياه حاملاً تلد أجني. ثم يأتي «شتاپتها براهمنا» بالبيضة نفسها، ويجعل منها سبب كلام الطفل ووقوفه بعد سنة، وسبب أن تلد المرأة والبقرة والفرس بعد سنة. وتأتي «تشاندوگيا» فتجعل البيضة العالم نفسه، وتجعل الشمس أوّل ما خرج منها، فلمّا وُلدت ارتفعت الأصوات وخرجت الأشياء المرغوبة، ولذلك تُستقبل الشمس كلّ صباح ومساء بالأصوات. ويقول مونير وليامز في مادّة الجنين الذهبي إنّ «قوانين مانو» تجعل البذرة بيضة ذهبية تلمع كالشمس، وُلد فيها براهما الخالق. وفي القصص الأخرى من الهند يولد من البيض غارودا والناغا، ويولد مارتاندا، ابن أديتي الثامن، من «بيضة ميّتة».
مصر: بيضة الثمانية
تقول جنيفر ويگنر، أمينة القسم المصري في متحف جامعة پنسلڤانيا، إنّ الآلهة الثمانية في هرموپوليس أربعة ذكور برؤوس ضفادع وأربع إناث برؤوس حيّات: نون ونونيت للماء، وحح وححيت لما لا نهاية له، وكك وككيت للظلام، وآمون وآمونيت للخفاء، ومعنى آمون «الخفيّ»، وإنّ من هؤلاء الثمانية خرجت بيضة فيها الإله الذي خلق العالم. واسم المدينة في المصرية ḫmn.w «خِمِنُو»، «مدينة الثمانية»، وفي العربية الأشمونين.
اليونان: بيضة الليل
يقول جوقة الطيور عند أرستوفانيس: في البدء كان الخواء والليل والظلمة السوداء والتارتاروس العميق، فباضت الليل ذات الجناحين الأسودين بيضة في حضن الظلمة التي لا حدّ لها، فخرج منها إيروس الجميل بجناحين ذهبيين، ثم اقترن بالخواء في التارتاروس ففقس جنس الطيور. ويسمّي النشيد الأورفي إلى «البكر» Prōtogonos «پْرُوتُوغُونُوس» إلهاً «مولوداً من البيضة» ذا جناحين ذهبيين، ويسمّيه «فانيس» لأنّه يزيل ظلام الليل. ويروي أپولودوروس أنّ نيميسيس باضت بيضة من زيوس فحملها راعٍ إلى لِيدا، ففقست عن هيلينا. أرستوفانيس، «الطيور» 693–699، النشيد الأورفي إلى البكر، أپولودوروس 3.10.7.
إيران: البيضة المثقوبة
ينقل بلوتارخ أنّ أورومازيس، وهو أهورا مزدا، كبّر نفسه ثلاث مرّات، وابتعد عن الشمس قدر بعد الشمس عن الأرض، وزيّن السماء بالنجوم، وجعل الشعرى حارساً، ثم خلق أربعة وعشرين إلهاً آخر ووضعهم في بيضة، فثقب الذين خلقهم أريمانيوس، وهو أنجرا ماينيو، البيضة ودخلوها، «ولذلك اختلط الشرّ بالخير». فالبيضة هنا العالم الحسن، والشرّ يدخلها من ثقب، كما يثقب أهريمن السماء في البندهشن وينزل إلى الأرض.
الصين: بيضة الدجاجة
يحفظ «يي ون لي جو» عن «سان وو لي جي» لشو جنغ: «كانت السماء والأرض مختلطتين كبيضة الدجاجة، ووُلد بانغو في داخلها، فلمّا مضت ثمانية عشر ألف سنة انفتحت السماء والأرض، فصار اليانغ الصافي سماء، والين الكدر أرضاً». ويحفظ الباب نفسه عن «هون تيان يي»، كتاب الكرة السماوية: «السماء كبيضة الدجاجة، السماء كبيرة والأرض صغيرة، وفي داخل السماء وخارجها ماء». فالبيضة عند الصينيين صورة للخلق، وصورة لهيئة السماء أيضاً.
اليابان: البيضة المستعارة
يبدأ «نيهون شوكي»: في القديم لم تكن السماء والأرض قد انفصلتا، ولا الين واليانغ قد انقسما، وكانتا مختلطتين «كبيضة الدجاجة»، غامضتين تحملان البذور، ثم صار الصافي الخفيف سماء، والثقيل الكدر أرضاً. ويبيّن شرح جامعة كوكوغاكوين أنّ هذه الفقرة الأولى أخذت ألفاظها من «هواينان تسي» و«سان وو لي جي»، وأنّ «كوجيكي» يبدأ بغيرها.
التوازيات عبر الحضارات
تقوم البيضة في أكثر القصص على الماء: بيضة پرجاپتي تطفو على البحر سنة، والمياه في «الرگ ڤيدا» تحمل الجنين الذهبي، والآلهة الثمانية في هرموپوليس ماء وظلام ولا نهاية، و«هون تيان يي» يجعل الماء داخل السماء وخارجها. وهذا من المياه الأولى. وانفتاح البيضة أوّل فصل السماء عن الأرض: نصف فضّي أرض ونصف ذهبي سماء في «تشاندوگيا»، والصافي يصعد والكدر ينزل في الصين واليابان، و«الرتق» الذي «فُتق» في القرآن.
وفي «تشاندوگيا» تصير أجزاء البيضة أجزاء العالم: الأغشية جبالاً، والعروق أنهاراً، والماء بحراً، كما تصير أعضاء بانغو وپوروشا ويمير أجزاءه في نمط الجسد الكوني. ويخرج من البيضة ضوء: الشمس في «تشاندوگيا»، وإله الشمس «الذي في بيضته» في مصر، وإيروس الذهبي الجناحين وفانيس الذي يزيل الليل في اليونان، وهذا يصل البيضة بـرحلة الشمس التي تولد كلّ صباح. ويخرج منها التوأمان عند الأمازيغ والإغريق، فأيور وتايورت من بيضتين، وهيلينا من بيضة، كما في التوائم الإلهية. والصافي والكدر، واليانغ والين، اللذان يفترقان حين تنفتح البيضة في الصين هما النَّفَس وتوازن الين واليانغ.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير الصينية البيضة الكونية حالة التفرّد التي كان الكون فيها مضغوطاً في نقطة واحدة قبل الانفجار العظيم، وكسرها الانفجار العظيم، وصعود الخفيف ونزول الثقيل التمايز بالجاذبية. وتقول المقالة الصينية الثانية إنّ البيضة الكونية مفهوم موجود في غير الصين، وتجعلها مع الطوفان وخلق الإنسان من الطين من البنى المشتركة بين الصين وبلاد الرافدين والهند. وتقول المقالة الهندية إنّ براهما خلق العالم من نفسه أو من بيضة كونية.
والنصوص نفسها أقرب إلى بيت الطائر منها إلى الفيزياء: البيضة تطفو سنة كما تُحضن، وتنشقّ كما تنشقّ القشرة، ولها أغشية وعروق وماء، والطفل يتكلّم بعد سنة كما تكلّم پرجاپتي، والإوزّة تصيح. فالقصّة تأخذ أوّل العالم من أوّل الحياة كما يراه الناس كلّ يوم في الطير.