ملخص
الماء الأوّل هو الماء الذي كان قبل أن تُسمّى سماء أو أرض في كثير من قصص الخلق. فيه يظهر أوّل ما يظهر، تلّاً أو جزيرة أو أجيالاً من المعبودات، ثم يبقى بعد الخلق تحت الأرض أو حولها.
ومن أقدم رواياته المتّصلة فاتحة «إينوما إيليش» البابلية: «حين لم تكن السماء في العُلا قد سُمّيت، ولم تكن الأرض في الأسفل قد دُعيت باسم، لم يكن إلّا أبسو الأوّل الذي أنجبهم، وتيامات التي ولدتهم جميعاً، يخلطان ماءهما معاً، ولم تُضفر أجمة قصب، ولم تظهر أرض مستنقع» (اللوح الأوّل، 1–6). ومن هذا الماء المختلط تخرج أجيال المعبودات حتى يولد آنو ثم إيا. ثم يقتتل إيا وأبسو، فيصير أبسو الماء العذب الذي تحت الأرض ومسكن إيا، وتقول نصوص بابل إنّ المدينة نفسها بُنيت فوقه. وتقوم حرب تيامات، فيقتلها مردوخ ويشقّها نصفين، ويرفع نصفها سماءً، ويجعل من عينيها منبعي دجلة والفرات.
وعلى هذه الصورة تبدأ قصص أخرى. ففي سومر كانت نمّا «الأمّ التي ولدت السماء والأرض»، واسمها يُكتب بعلامة الماء الكوني الذي تحت الأرض. وفي مصر يقول الخالق إنّه كان في نون قبل أن توجد السماء والأرض، لا يجد موضعاً يقف عليه، ثم يقوم أتوم على التلّ الأوّل. وفي «الريغفيدا» يسأل نشيد الخلق: ماذا كان الماء العميق الذي لا يُدرك غوره؟ ثم يقول: كان الظلام مستوراً بالظلام، وكان هذا كلّه ماءً لا علامة فيه. وفي «كوجيكي» الياباني كانت الأرض فتيّة كالدهن الطافي، تنجرف كقنديل البحر. وعند هوميروس أوكيانوس هو الذي وُلدت منه الآلهة، ومنه تجري الأنهار كلّها والبحر كلّه والينابيع والآبار العميقة. ولا تبدأ كلّ القصص بالماء: يبدأ هسيود بـخاوس، الفجوة، ويبدأ أهل الشمال بـغينونغاغاب، فجوة لا بحر فيها تجري إليها أنهار فتتجمّد، ويبدأ «هواينان تسي» الصيني بنَفَس مختلط يجتمع الماء من بارده.
تتّفق روايات الماء الأوّل في أنّه ماء لا حدّ له ولا شكل، ولا يقوم فيه شيء: لا موضع يقف عليه أتوم، ولا قصب ولا مستنقع في بابل، ولا علامة تفرّق شيئاً من شيء في النشيد الهندي، وأرض تنجرف في اليابان. ويبدأ الخلق حين يرتفع فيه شيء أو يُقسم: تلّ في أون، وجزيرة من الملح في اليابان، وزهرة لوتس من سرّة فيشنو في الهند، وأجيال تولد من اختلاط الماءين في بابل، وماء تيامات يُشقّ فيكون منه فصل السماء عن الأرض. ثم لا يزول الماء: يصير أبسو أساس بيت إيا، ويصير نصف تيامات سقف السماء، ويُلقى البحر حلقة حول الأرض في أساطير الشمال، ويقول رع إنّه سيعود في آخر الأمر إلى نون. والفكرة التي تدور عليها هذه القصص أنّ العالم المرتّب أرض قامت في ماء أقدم منها، وأنّ هذا الماء هو الذي يسقي الناس من تحت الأرض، وهو الذي يغرقهم إذا رجع، وبه تتّصل هذه القصص بقصص الطوفان.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: اسم الماء الأوّل في الأكدية هو اسم تيامات نفسه، tiāmtu «تِيَامْتُ»، أي البحر، والتاء في آخره تاء التأنيث. وأصله ت-هـ-م، وهو في العبرية tehōm «تِهُوم»، الكلمة التي تبدأ بها قصّة الخلق في سفر التكوين: «وعلى وجه الغمر ظلمة». سقطت الهاء في الأكدية كما تسقط فيها حروف الحلق، وبقيت في العبرية والعربية. ففي معجم لين «التَّهَم» الأرض المنحدرة إلى البحر، ومنه «تِهامة»، الأرض التي تمتدّ حتى ساحل البحر، و«التهائم» الأراضي التي تنحدر إلى البحر. وترجمت العربية كلمة السفر بـ«الغَمْر»، وهو في معجم لين الماء الكثير الذي يغطّي من يدخل فيه ويغرقه، ومعظم البحر. فالماء الأوّل في هذه الألفاظ ماء كثير غامر، وتهامة اسم الأرض المنخفضة التي تنتهي إليه.
الشواهد بحسب الحضارة
سومر
تسمّي قائمة المعبودات «آن = آنوم» نمّا «الأمّ التي ولدت السماء والأرض»، ويُكتب اسمها بالعلامة التي تعني الماء الكوني الذي تحت الأرض، ولذلك سمّاها الباحث فِيغِرْمَان «المحيط الكوني»، ويرى دليل أوراك أنّ دورها انتقل بعد ذلك إلى تيامات. وفي قصيدة «إنكي ونينماخ» كان إنكي نائماً «في الماء الجاري العميق، الموضع الذي لا يعرف داخله معبود غيره»، فحملت إليه نمّا، «الأمّ الأولى التي ولدت كبار الآلهة»، دموع المعبودات المتعبين وأيقظته، فأمرها أن تعجن طيناً من فوق الأبزو وتُخرج منه صورة الإنسان. وتقرأ صفحتها اسمها من «نَمى»، أي التي نما منها كلّ شيء.
بابل
تبدأ «إينوما إيليش» بماءين: أبسو العذب وتيامات المالحة، يخلطان ماءهما قبل أن تُسمّى سماء أو أرض، ومن اختلاطهما تولد المعبودات (اللوح الأوّل، 1–9). وتسمّي القصيدة تيامات أمّ المعبودات كلّها (الأوّل، 4)، وتصفها مرّة ماءً، ومرّة جسداً، ومرّة ذات ذنب، ثم يجعل مردوخ أعضاءها معالم في الأرض. ويسكن إيا في الأبزو، المحيط الذي تحت الأرض، فصار هذا الماء في جغرافية بابل الكونية أساساً تقوم عليه المدن. وتقرأ صفحة أبسو اسمه على قراءة محمد رشيد ناصر ذوق «حَبْسُو»، الماء المحبوس، وتقرأ صفحة تيامات اسمها من ت-هـ-م.
مصر
في بردية بريمنر رند يقول ربّ كلّ شيء إنّه خلق كائنات كثيرة بفمه «قبل أن توجد السماء، وقبل أن توجد الأرض»، وإنّه صنع بعضها في نون «كائنات ساكنة لا تتحرّك، حين لم يكن يجد موضعاً يقف عليه»، ثم بصق شو وتفل تفنوت، وربّاهما أبوه نون. وتقول نصوص الأهرام إنّ أتوم ارتفع على المرتفع، وقام في أون في صورة حجر البِنْبِن. ولا يزول نون بعد الخلق: يسمّيه رع في مجلس المعبودات «أقدم المعبودات الذي وُجدت فيه»، ويقول إنّه سيعود في آخر الأمر إلى نون، الموضع الذي وُجد فيه. وتقرأ صفحة نون اسمه «النون» العربي، أي الحوت، فاسم الماء الأوّل اسم ما يسكنه، وتقرأ صفحة أتوم اسمه من «تمّ»، الذي كان كلّ شيء فيه تامّاً قبل أن يتفرّق.
الإغريق
يبدأ هسيود بخاوس، الفجوة، ثم بالأرض، أمّا أوكيانوس فيأتي عنده تيتاناً من أبناء غايا وأورانوس (الثيوغونيا، 116 و133). وعند هوميروس صورة أخرى: تقول هيرا إنّها ذاهبة إلى أطراف الأرض، إلى «أوكيانوس الذي وُلدت منه الآلهة، والأمّ تيثيس»، ويسمّي النوم أوكيانوس «الذي وُلدوا منه جميعاً»، ويقول أخيل إنّ أوكيانوس العميق الجريان «تجري منه الأنهار كلّها والبحر كلّه والينابيع كلّها والآبار العميقة» (الإلياذة 14.201 و14.246 و21.195–197). ويرى فالتر بركرت أنّ كلام هيرا قريب جدّاً من فاتحة «إينوما إيليش»، وأنّ أوكيانوس وتيثيس يقابلان أبسو وتيامات تماماً، وأنّ تيثيس، وليست لها عبادة، تكاد تكون نقلاً للصيغة الأكدية «تَاوْتُو» من كلمة البحر. وتقرأ صفحة ثيتيس الاسم، على ملفّ طروادة في هذا المشروع، من «التهوم»، وتراه أقوى في تيثيس منه في ثيتيس. وتقرأ صفحة خاوس اسمه «الخَواء».
الشمال
تقول العرّافة إنّه في أوّل الدهور «لم يكن رمل ولا بحر ولا أمواج باردة». فالماء عند أهل الشمال لا يسبق الفجوة، وإنّما يجري إليها. يروي سنوري أنّ نيفلهايم صُنع قبل الأرض بدهور، وفي وسطه نبع هْڤِيرْغِلْمِير تخرج منه الأنهار، والأنهار التي تسمّى إِيلِيڤَاغَار إذا بعدت عن منابعها تصلّب ما فيها من سمّ كالخبث الذي يسيل من النار فصار جليداً، وتراكم الصقيع فوقه طبقة بعد طبقة في غينونغاغاب. فلمّا التقى بحرارة موسبل ذاب وقطر، فخرج من القطرات العملاق يمير. ثم قتله أبناء بور وجعلوا من دمه البحر، وألقوه حلقة حول الأرض لا يكاد يعبرها أحد. وتقرأ صفحة يمير اسمه «اليمّ»، البحر.
الهند
يبدأ نشيد الخلق في «الريغفيدا» 10.129 بزمن لم يكن فيه وجود ولا عدم، ثم يسأل: «ماذا كان الماء، العميق الذي لا يُدرك غوره؟» ويقول في البيت الثالث: «كان الظلام في البدء مستوراً بالظلام، وكان هذا كلّه ماءً لا علامة فيه». وفي النشيد 10.121 «جاءت المياه العظيمة تحمل الجنين وتلد أجني»، أي النار، ومنه قامت حياة المعبودات. وفي «بهاغافاتا بورانا» حين غرقت العوالم الثلاثة في الماء كان فيشنو وحده مستلقياً على الحيّة أنانتا، كأنّه نائم وعيناه غير مغمضتين تماماً، ثم تخرج من سرّته زهرة اللوتس التي يولد عليها براهما. وتقرأ صفحة فيشنو اسمه «وَسَن»، أوّل النوم، وصفحة براهما اسمه «بَرَأ».
اليابان
يقول «كوجيكي» إنّ الأرض في البدء كانت «فتيّة، كالدهن الطافي، تنجرف كقنديل البحر»، فهي في الماء ولم تنفصل عنه بعد. ثم يقف إيزاناغي وإيزانامي على جسر السماء العائم ويحرّكان الماء المالح بالرمح، فيتكدّس الملح الذي قطر من رأسه جزيرةً هي أونوغورو، أوّل أرض ثابتة. وتقرأ إعادة القراءة اليابانية الرمح المغموس في البحر نشاطاً بركانياً تحت الماء، والقطرات حمماً تبرد فتصير جزيرة.
الصين
لا يبدأ «هواينان تسي» بالماء. في بابه الثالث يصعد النَّفَس الصافي فيصير سماء، ويتجمّد الكدر فيصير أرضاً، ثم «صار النَّفَس البارد المجتمع من اليين ماءً، وصار صفوة نَفَس الماء قمراً». ثم نطح غونغ غونغ جبل بو جو فانكسر عمود السماء، فنقصت الأرض من جهة الجنوب الشرقي، «فإليها تجري المياه والتراب»، ولذلك تجري أنهار الصين إلى الشرق. وفي الباب السادس، حين سقطت الأعمدة الأربعة، «فاض الماء فلم يهدأ»، فكدّست نوا رماد القصب لتوقفه. وفي الباب الثامن رفع غونغ غونغ مياه الطوفان في زمن الإمبراطور شون حتى صعد الناس التلال وتعلّقوا بالأشجار، فشقّ يو الأنهار وصرّفها إلى البحر الشرقي. فالماء العظيم في الأخبار الصينية هو ماء الطوفان الذي يأتي بعد الخلق. وتقرأ صفحة غونغ غونغ اسمه «القِنْقِن»، الذي يعرف مجاري الماء تحت الأرض.
التوازيات عبر الحضارات
| الرواية | الماء الأوّل | أوّل ما يظهر فيه | أين يبقى الماء بعد الخلق |
|---|---|---|---|
| بابل، «إينوما إيليش» | أبسو العذب وتيامات المالحة يختلطان | أجيال المعبودات | أبسو تحت الأرض مسكن إيا، ونصف تيامات سماء، ودجلة والفرات من عينيها |
| سومر | نمّا، الماء الكوني تحت الأرض | السماء والأرض والمعبودات، ثم الإنسان من طين فوق الأبزو | إنكي نائم في الماء الجاري العميق |
| مصر، أون | نون، ماء فيه كائنات ساكنة ولا موضع للوقوف | أتوم على التلّ الأوّل، ثم شو وتفنوت | يرجع إليه رع في آخر الأمر |
| الهند، «الريغفيدا» و«البورانا» | ماء لا علامة فيه، عميق لا غور له | جنين يلد أجني؛ لوتس يولد عليه براهما | فيشنو مستلقٍ على الماء بين الدورات |
| اليابان، «كوجيكي» | بحر مالح وأرض كالدهن الطافي | جزيرة أونوغورو من قطرات الملح | البحر الذي يحيط بالجزر |
| الإغريق، هوميروس | أوكيانوس وتيثيس | الآلهة | الأنهار والبحر والينابيع والآبار تجري منه |
| الإغريق، هسيود | خاوس، فجوة بلا ماء | الأرض، ثم أوكيانوس تيتاناً | أوكيانوس واحد من أبناء الأرض والسماء |
| الشمال | فجوة بلا بحر، وأنهار تجري إليها | يمير من القطرات الذائبة | دم يمير بحراً حلقةً حول الأرض |
| الصين، «هواينان تسي» | نَفَس مختلط | السماء ثم الأرض، والماء من النَّفَس البارد | الماء يجري إلى الجنوب الشرقي، ويعود طوفاناً |
يأتي الماء الأوّل زوجين في روايتين: أبسو العذب وتيامات المالحة في بابل، وأوكيانوس وتيثيس، أبو الآلهة وأمّها، في كلام هيرا عند هوميروس. ويرى بركرت أنّ الزوج الإغريقي يقابل الزوج البابلي، وأنّ اسم تيثيس نقل لاسم البحر الأكدي. أمّا في سومر فالماء أمّ واحدة، نمّا، ثم انتقل دورها إلى تيامات.
والماء الأوّل موضع نوم وسكون. في نون كائنات ساكنة لا تتحرّك، وأبسو يريد أن يستريح وينام فيضيق بضجيج الأبناء، وإنكي نائم في الماء العميق حتى توقظه أمّه، وفيشنو مستلقٍ على الماء كأنّه نائم، وتقرأ صفحته اسمه «وَسَن»، أي أوّل النوم. فالخلق في هذه القصص يقظة أو قيام: يقوم أتوم على التلّ، ويقوم إنكي من سريره، وتخرج اللوتس من سرّة النائم.
ويختلف ما يظهر أوّلاً. في مصر تلّ يرتفع، وفي اليابان والشمال قطرات: ملح يقطر من رأس الرمح فيتكدّس جزيرة، وصقيع يذوب فيقطر فيصير عملاقاً. وفي الهند جنين يحمله الماء ويلد النار، وفي بابل أجيال تولد من الاختلاط. وتبدأ روايتان بالفجوة: خاوس عند هسيود، وتقرأ صفحته اسمه «الخَواء»، وغينونغاغاب عند أهل الشمال. ويقابل المقال البنيوي الإغريقي بين الخواء، الفراغ في المكان، وتيامات، الفراغ المائي، ويجعلهما معاً حال ما قبل التمايز. ومع ذلك يجري الماء إلى الفجوة الشمالية أنهاراً، ويصير أوكيانوس عند هوميروس مصدر كلّ ماء.
ولا يزول الماء الأوّل في أكثر الروايات. يبقى تحت الأرض في أبسو الذي بُنيت بابل فوقه، وفوقها في نصف تيامات الذي صار سماء، وحولها في البحر الذي جعله أبناء بور حلقة من دم يمير. ويعود في آخر الزمان: يرجع رع إلى نون، وتغوص الأرض في البحر في راغناروك ثم تخرج منه خضراء، ويستلقي فيشنو على مياه الفناء بين دورة ودورة. ويعود في التاريخ طوفاناً: غونغ غونغ يرفع الماء حتى يصعد الناس التلال، وقصص الطوفان كلّها رجوع الماء على الأرض التي قامت فيه. أمّا قتل الماء وشقّه بالسلاح فبابه صراع المعبودات مع البحر.
القراءة الرمزية
تقرأ مقالات إعادة القراءة في هذا المشروع الماء الأوّل قراءتين. الأولى كونية: تجعل المقالة السومرية نمّا حال الكون قبل التمايز، كلّ شيء ممزوج في «محيط» واحد، وتجعل المقالة البابلية اختلاط أبسو وتيامات اختلاط المادّة والطاقة قبل أن تتكوّن الذرّات، وتجعل المقالة الهندية نشيد الخلق وصفاً لما قبل الانفجار العظيم. والثانية أرضية: تقرأ المقالة المصرية نون ماء فيضان النيل الذي يغمر مصر كلّ سنة، وتقرأ التلّ الأوّل أوّل أرض تظهر حين ينحسر الماء، فيتكرّر الخلق كلّ عام. وتقرأ المقالة النوردية غينونغاغاب شمال الأطلسي أو فوهة تحت الجليد، والتقاء الجليد بالنار ينابيع آيسلندا الحارّة، وتقرأ المقالة اليابانية الجزيرة الأولى حمماً تبرد في البحر. ويجعل المقال البنيوي البابلي تيامات و«الغمر» في سفر التكوين مادّة أولى واحدة، ماءً قبل التشكيل.
وتدعم النصوص نفسها القراءة الأرضية في مواضع محدّدة. ففاتحة «إينوما إيليش» تعرّف ما قبل الخلق بغياب أجمة القصب وأرض المستنقع، وهي أوّل ما يظهر في السهل الرسوبي حين ينحسر الماء. ومن عيني تيامات يخرج النهران اللذان تعيش عليهما بلاد الرافدين، ويسكن إيا الماء العذب الذي تحت الأرض، وهو ماء الآبار والينابيع، ويأمر بعجن الطين من فوقه. ويجعل هوميروس أوكيانوس مصدر الينابيع والآبار، ويفسّر «هواينان تسي» جريان الأنهار إلى الشرق بميل الأرض. فالماء الأوّل في هذه النصوص هو الماء الذي يعرفه الناس في معاشهم: ماء تحت الأرض يُحفر إليه، وأنهار تجري في جهة معلومة، وفيضان ينحسر عن طين يُزرع ويُعجن. والذي يتولّى هذا الماء صاحب علم وصنعة: إيا العارف ساكن الأبزو، ونمّا التي تعجن الطين، ويو الذي يفتح المجاري، وغونغ غونغ الذي يعرف الماء ثم يستعمله في الخراب.