الرئيسية/المفاهيم/فصل السماء عن الأرض

فصل السماء عن الأرض

ملخص

فصل السماء عن الأرض أوّل عمل في كثير من قصص الخلق. كانت السماء والأرض شيئاً واحداً ملتصقاً أو مختلطاً، فجاء من يفرّق بينهما، فانفتحت بينهما مسافة يعيش فيها الناس ويعملون.

ومن أقدم ما وصل منه رواية متّصلة «أنشودة المعول» السومرية. تقول القصيدة إنّ إنليل أسرع ففصل السماء عن الأرض، وأسرع ففصل الأرض عن السماء، ثم علّق محور العالم في دُور أَن كِي، واسمها في السومرية «رباط السماء والأرض»، ليقدر البشر أن ينبتوا في موضع يسمّى «حيث خرج اللحم». وبالمعول طلع النهار، فوزّع إنليل على الناس أعمالهم اليومية، وجعل للمعول ولسلّة الحمل أجراً. ثم أعمل المعول في ذلك الموضع، فوضع أوّل صورة للإنسان في قالب الطوب، وأخذ أهل أرضه يشقّون التراب طالعين نحوه.

وتبدأ قصيدة «جلجامش وإنكيدو والعالم السفلي» بالزمن نفسه، فتعدّه بأشيائه: حين ذاق الناس الخبز أوّل مرّة في معابد البلاد، وحين أُوقدت أفرانها، وحين أُبعدت السماء عن الأرض وحُدّت الأرض عن السماء، وحين ثبت اسم البشر، وحين أخذ آن السماء لنفسه وأخذ إنليل الأرض لنفسه، وأُعطي العالم السفلي لـإريشكيجال هبةً.

والفعل نفسه في أساطير كثيرة غيرها. في مصر يقف شو، الهواء، بين ابنته نوت السماء وابنه جب الأرض، ويحمل السماء فوقه. وعند هِسْيُود يمتدّ أورانوس على غايا ويحبس أبناءه في جوفها، حتى يقطعه ابنه كرونوس بالمنجل. وفي بابل يشقّ مردوخ جسد تيامات كما تُشقّ السمكة لتجفّ، ويرفع نصفه سقفاً. وفي الصين يقف بانغو بين السماء والأرض ثمانية عشر ألف سنة، يطول كلّما تباعدتا. وعند أهل الشمال يرفع أبناء بور اليابسة، ويقيمون جمجمة يمير سماءً على أربعة أقزام. وفي «الريغفيدا» يباعد فارونا وإندرا بين العالَمين ويسندانهما. وفي اليابان يقف إيزاناغي وإيزانامي على جسر السماء العائم فوق أرض لم تتماسك بعد.

تتّفق هذه الروايات في ثلاثة أمور: شيئان كانا ملتصقين أو مختلطين، وفاعل يدخل بينهما، ومسافة لا تبقى مفتوحة حتى يُسندها شيء. ويختلف الفاعل وأداته: هواء يقف بين الاثنين، وابن يقطع بالمنجل، وملك يشقّ جسد خصمه بعد قتله، وجسد ينمو، وإخوة يرفعون جمجمة على أربعة أركان، ومعبود يسند السماء والأرض كما يمسك المحور العجلتين. والفكرة التي تدور عليها هذه القصص أنّ المكان الذي يعيش فيه الناس لم يكن موجوداً من قبل، وأنّه صُنع بالتفريق، وأنّ الذي فرّق صار صاحب الأمر فيه: إنليل يأخذ الأرض، ومردوخ يصير ملك المعبودات، وكرونوس يملك بعد أبيه. ثم يأتي العمل في المكان المفتوح: المعول وقالب الطوب والأجر في الأنشودة السومرية، والخبز والأفران في مقدّمة جلجامش.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: سمّى القرآن هذا الفعل بلفظين متقابلين في قوله: «أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا، وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ». الرَّتْق في معجم لين سدّ الشقّ وإصلاحه وخياطته، والفَتْق ضدّه: شقّ الشيء وفكّ خياطته وفصل بعضه عن بعض. وينقل لين في الآية أربعة أقوال: قال ابن عرفة كانتا مسدودتين لا فُرجة بينهما ففتقهما الله بالمطر والنبات، وقال الليث كانت السماء مسدودة لا ينزل منها مطر، والأرض مسدودة لا صدع فيها، حتى فتقهما بالمطر والنبات، وقال الأزهري فتقهما سبع سماوات وسبع أرضين، وقال الزجّاج كانتا متّصلتين ففتقهما بالهواء الذي جعله بينهما. وبهذا اللفظ نفسه تقرأ المقالة الصينية في هذا المشروع اسم بانغو «فَتَق»: الفاء مكان الپاء التي لا تعرفها العربية، والقاف مكان الكاف، فهو الفاتق الأوّل الذي شقّ البيضة وفصل السماء عن الأرض.

الشواهد بحسب الحضارة

سومر

تذكر القصائد السومرية الفصل في أوّلها زمناً تبدأ منه الحكاية، ولا تجعله معركة. في «أنشودة المعول» يفصل إنليل السماء عن الأرض والأرض عن السماء، ويعلّق محور العالم في دور أن كي، ثم يعمل بالمعول: يطلع النهار، وتوضع صورة الإنسان في قالب الطوب، ويخرج الناس من التراب في «حيث خرج اللحم». وفي مقدّمة «جلجامش وإنكيدو والعالم السفلي» تُقسم الممالك بعد الفصل: السماء لآن، والأرض لإنليل، والعالم السفلي لإريشكيجال. وتسمّي قائمة المعبودات «آن = آنوم» نمّا «الأمّ التي ولدت السماء والأرض»، فالاثنتان عند السومريين ولدتا معاً من أمّ واحدة قبل أن تتفرّقا، واسم الأرض في هذه القصائد كي. أنشودة المعول، 1–27، جلجامش وإنكيدو والعالم السفلي، 8–13، نمّا في أوراك.

بابل

في «إينوما إيليش» يقع الفصل في جسد البحر نفسه. يقتل مردوخ تيامات بالريح والسهم، ثم تقول القصيدة: «شقّها نصفين كسمكة تُجفَّف، وجعل نصفها سماءً ورفعه سقفاً» (اللوح الرابع، 137–138). والصورة من صيد السمك: كانت السمكة تُشقّ نصفين لتجفّ أسرع، و«السمك المشقوق» اسم السمك المجفّف في سجلّات الألف الثالث قبل الميلاد. ثم يجعل مردوخ من عينيها مجريي دجلة والفرات ومن ثدييها الجبال، ويصنع ما تسمّيه القصيدة «دُرْمُو»، أي الرباط الذي يمسك أقسام الكون معاً (الخامس، 59). وتلاحظ الباحثة سيلينا وِسْنُوم أنّ القصيدة تجعل مردوخ يأخذ مكان إنليل رأساً للمعبودات، وأنّ إنليل في النصوص السومرية صيّاد سمك وطير.

مصر

يقف شو، الهواء، بين ولديه: نوت السماء فوقه، وجب الأرض تحته، وعمله أن يحمل نوت ويُبقي السماء بعيدة عن الأرض. ونسب هذه الأسرة في بردية بريمنر رند: يقول الخالق إنّه كان في الماء الأوّل نون قبل أن توجد السماء وقبل أن توجد الأرض، فبصق شو وتفل تفنوت، وربّاهما أبوه نون، ومنهما وُلد جب ونوت. فالسماء والأرض في هذه الرواية أخوان وزوجان، يرفع أبوهما ابنته فوق ابنه، وهي الصورة التي ترسمها البرديات الجنائزية.

الإغريق

في «الثيوغونيا» ولدت غايا، الأرض، أورانوس، «السماء ذات النجوم، مساوياً لها، ليغطّيها من كلّ جهة» (126–128). ثم اقترن بها، وكلّما وُلد له ولد خبّأه في جوفها ولم يدعه يخرج إلى الضوء. فصنعت غايا منجلاً من الصوّان، وخبّأت كرونوس في كمين، فجاء أورانوس يحمل الليل ويشتهي الحبّ، وامتدّ على الأرض كلّها، فمدّ كرونوس يده بالمنجل فقطع عضو أبيه ورماه خلفه (173–182). ولا تقول القصيدة إنّ أحداً رفع السماء بعد ذلك، فالمنجل هو الذي فرّق بينهما، ويبقى أورانوس بعده بعيداً فوق الأرض صاحب مشورة لأبنائه وأحفاده.

الصين

يحفظ كتاب «سان وو لي جي»، في نقل موسوعة «يي ون لي جو»، أقدم خبر عن بانغو: كانت السماء والأرض مختلطتين كبيضة الدجاجة، ووُلد بانغو في داخلها. وبعد ثمانية عشر ألف سنة انفتحتا، فصار الصافي، وهو اليانغ، سماءً، وصار الكدر، وهو اليين، أرضاً. وكان بانغو بينهما: ترتفع السماء كلّ يوم جانغاً، وهو مقياس طول صيني، وتغلظ الأرض جانغاً، ويطول بانغو جانغاً، ثمانية عشر ألف سنة أخرى، حتى بلغت السماء غاية علوّها والأرض غاية عمقها، «ولذلك كانت السماء بعيدة عن الأرض تسعين ألف لي»، واللي مقياس مسافة صيني. ويروي «هواينان تسي» في بابه الثالث الفصل نفسه بغير شخص: صعد النَّفَس الصافي الخفيف فصار سماء، وتجمّد الثقيل الكدر فصار أرضاً، فتمّت السماء أوّلاً وثبتت الأرض بعدها. ثم نطح غونغ غونغ جبل بو جو فانكسر عمود السماء، وفي الباب السادس تقطع نوا قوائم سلحفاة عظيمة فتقيم بها الأعمدة الأربعة.

اليابان

أوّل جملة في «كوجيكي»: «حين بدأت السماء والأرض تعملان»، وفيها تظهر المعبودات في السهل السماوي العالي، والأرض تحته «فتيّة، كالدهن الطافي، تنجرف كقنديل البحر». ثم تأمر معبودات السماء إيزاناغي وإيزانامي: «رتّبا هذه الأرض المنجرفة، وثبّتاها، وأتمّاها»، وتعطيهما رمحاً مرصّعاً. فيقفان على جسر السماء العائم، ويغمسان الرمح في البحر، ويحرّكان الماء المالح حتى يُسمع له «كُورُو كُورُو»، فإذا رفعاه تكدّس الملح الذي قطر من رأسه فصار جزيرة أُونُوغُورُو. ويبيّن شرح جامعة كوكوغاكوين أنّ مقدّمة «كوجيكي» تصف البداية بألفاظ «الانفصال الأوّل بين اليانغ واليين» و«انفتاح السماء والأرض»، وأنّ أوّل فقرة في «نيهون شوكي» تأخذ ألفاظ «الانفتاح الأوّل» و«القسمة الأولى» من القصص الصينية في «هواينان تسي» و«سان وو لي جي». فالسماء في القصّة اليابانية فوق من البداية، وأوّل عمل فيها تثبيت الأرض، أمّا الفصل فجاء بلغة الصين في المقدّمة وفي «نيهون شوكي».

الشمال

تقول العرّافة في «نبوءة العرّافة» إنّه في أوّل الدهور لم يكن رمل ولا بحر ولا أمواج باردة، ولا أرض ولا سماء فوقها، وإنّما فجوة فاغرة، غينونغاغاب، «قبل أن يرفع أبناء بور اليابسة، وهم الذين صنعوا ميدغارد البهيّة»، فأشرقت الشمس من الجنوب على حجارتها واخضرّت الأرض بالكرّاث (البيتان 3–4). وأبناء بور هم أودين وأخواه فيلي وفي. ويفصّل سنوري في «خداع غيلفي»: أخذوا جمجمة يمير فجعلوا منها السماء، وأقاموها فوق الأرض بأربعة أركان، ووضعوا تحت كلّ ركن قزماً: أَوْسْتْرِي وڤِسْتْرِي ونُورْذْرِي وسُوذْرِي، أي الشرق والغرب والشمال والجنوب. ثم ثبّتوا الشرر المتطاير من موسبلهايم في السماء ليضيء، «ومن يومها عُرف النهار والليل وعدد السنين» (الفصل 8).

الهند

لا تروي أناشيد «الريغفيدا» قصّة كاملة عن الفصل، وإنّما تمدح المعبود الذي أنجزه. يقول النشيد 7.86 في فارونا: «هو الذي باعد بين العالَمين الواسعين وأسندهما، ودفع القبّة العالية العظيمة، وبسط الأرض». ويقول النشيد 2.15 في إندرا: «أسند السماء العالية في فضاء لا عوارض فيه، وملأ العالمين وما بينهما، وأمسك الأرض وبسطها، فعل إندرا ذلك في نشوة سوما». ويقول النشيد 10.89: «هو الذي باعد بقوّته بين الأرض والسماء وأسندهما، كما يمسك المحور العجلتين». والفعل في المواضع الثلاثة من أصل سنسكريتي واحد، سْتَمْبْه، أي أسند وثبّت، ومنه اسم العمود والدعامة.

التوازيات عبر الحضارات

الرواية ما كان قبل الفصل من يفصل وبماذا ما يُبقي المسافة ما يأتي بعده
سومر، «أنشودة المعول» سماء وأرض متّصلتان إنليل محور العالم في دور أن كي المعول، قالب الطوب، الناس من التراب
بابل، «إينوما إيليش» ماء تيامات مردوخ، يشقّ الجسد بعد القتل نصف الجسد سقفاً، ورباط «دُرْمُو» دجلة والفرات، ملك مردوخ
مصر، أون نوت وجب أخوان وزوجان شو، الهواء، بذراعيه شو نفسه واقفاً بينهما الحيّز الذي تعيش فيه الكائنات
الإغريق، هسيود أورانوس ممدود على غايا كرونوس، بمنجل الصوّان بُعد أورانوس بعد الجرح ملك كرونوس، وأفروديت من الزبد
الصين، «سان وو لي جي» بيضة مختلطة بانغو، بجسده الذي يطول جسد بانغو، ثم أعمدة أربعة تسعون ألف لي بين السماء والأرض
الشمال، «خداع غيلفي» فجوة خالية أبناء بور، بجمجمة يمير أربعة أقزام في الأركان ميدغارد، وعدّ الأيام والسنين
الهند، «الريغفيدا» العالَمان فارونا وإندرا، بالإسناد الإسناد كالمحور بين العجلتين بسط الأرض
اليابان، «كوجيكي» أرض طافية كالدهن إيزاناغي وإيزانامي، بالرمح من الجسر الجزيرة المتجمّعة من الملح ولادة الجزر

الفاعل في ثلاث روايات هو الهواء أو قريب منه. شو هو الهواء والفراغ الذي بين الأرض والسماء، وتقرأ صفحته اسمه «شاع»، أي انتشر وملأ ما بين الشيئين. ويقرأ المقال البابلي اسم إنليل «سيّد الليل» ويجعله سيّد الفراغ المظلم بين السماء والأرض، وتجعله إعادة القراءة السومرية الهواء الذي فصل بينهما. وفي «إينوما إيليش» تدخل رياح مردوخ جوف تيامات قبل أن يشقّها. وهذا هو قول الزجّاج الذي نقله لين في تفسير الفتق: فتقهما بالهواء الذي جعله بينهما.

وتقرأ صفحات هذا المشروع اسمَي السماء في مصر واليونان بمعنى البُعد: نوت «النائية» من «نأى»، أي التي أُبعدت عن زوجها، وأورانوس من «عَرَن»، والعَران البُعد والعرانين الأعالي. وآن «الظاهر العالي» من «عنا» و«عنان السماء». أمّا أسماء الأرض في القراءات نفسها فتصف الوجه المبسوط: كي من «القِيّ» و«القاع»، الأرض المنبسطة المكشوفة، وجب من «الجَبوب»، وجه الأرض وترابها. فالأسماء تحفظ ما ينتهي إليه الفصل: سماء بعيدة عالية، وأرض ممدودة تحتها.

والمسافة المفتوحة تحتاج إلى من يحفظها. شو يبقى رافعاً ذراعيه، والأقزام الأربعة تحت أركان الجمجمة، وبانغو يملأ ما بين السماء والأرض بجسده، وإنليل يعلّق المحور في دور أن كي، ومردوخ يصنع رباط الكون. ولذلك تعرف القصص انكسار هذا السند: نطح غونغ غونغ جبل بو جو فانكسر عمود السماء ومالت نحو الشمال الغربي، وفي خبر آخر من الكتاب نفسه سقطت الأعمدة الأربعة فأقامتها نوا من قوائم سلحفاة. وفي راغناروك تنشقّ السماء ويخرج منها أبناء موسبل.

وتفترق الروايات في ثمن الفصل. عند هسيود وفي بابل يأتي الفصل من عنف داخل الأسرة: ابن يجرح أباه، وحفيد بعيد يقتل جدّته الأولى، والفاصل في الحالين يأخذ الملك، وهو تتابع تقارنه صفحة الثيوغونيا وإينوما إيليش، وقتل تيامات من حكايات صراع المعبودات مع البحر. وفي مصر والصين لا قتل: شو يرفع ابنته عن ابنه، وبانغو ينمو. وفي الشمال وبابل تُصنع السماء من جسد مقتول، جمجمة يمير ونصف تيامات، وهذا نمط الجسد الكوني الذي يتمّ به بانغو قصّته حين يموت. وفي الهند لا تحكي الأناشيد ما كان قبل الفصل، وتكتفي بمدح الفعل: أن يسند المعبود العالمين فلا يقعا.

القراءة الرمزية

تقرأ مقالات إعادة القراءة في هذا المشروع الفصل وصفاً لظواهر في الطبيعة، وتلتقي ثلاث منها على الهواء. فالمقالة السومرية تجعل انفصال آن عن كي أوّل تمايز في الكون، وتجعل إنليل الهواء الذي فصل بينهما، أي الغلاف الجوي. والمقالة المصرية تقرأ «شو يرفع نوت عن جب» هواءً يفصل السماء عن الأرض، وتربطه بالأفق الذي يظهر حين ينحسر فيضان النيل. والمقالة الصينية تجعل وقوف بانغو بين السماء والأرض الغلاف الجوي، وصعود الخفيف ونزول الثقيل تمايزاً بالجاذبية.

أمّا المقالة الإغريقية فتقرأ أورانوس الممدود على غايا سماءً أولى كثيفة من البخار تضغط على الأرض، وتجعل منجل كرونوس الزمن الذي يفصل بينهما، لأنها تقرأ كرونوس «القَرْن»، وتقرأ منجل الصوّان أوّل أداة صنعها الإنسان. والمقالة البابلية تقرأ شقّ تيامات تمايزاً بين الفضاء والكواكب، وتقرؤه في السياسة غلبة بابل على المدن القديمة. ويجعل المقال البنيوي البابلي شقّ تيامات أصل الفعل الذي في سفر التكوين، حين جعل الله الجَلَد في وسط المياه ليفصل بين مياه ومياه، ويقول المقال الساميّ البابلي: «فصل الماء عن الماء = شقّ تيامات».

وتحمل النصوص نفسها صلة الفصل بالمعاش. تنتقل الأنشودة السومرية من الفصل إلى المعول وقالب الطوب والأجر في سطور قليلة، وتضع مقدّمة جلجامش أوّل خبز وأوّل فرن إلى جانب انفصال السماء والأرض وتقسيم الممالك. ويجعل ابن عرفة والليث الفتق مطراً ينزل من السماء ونباتاً يشقّ الأرض، وتدعو صلاة الملك ريم سين آنَ أن يفتح «أثداء السماء» فينزل المطر، وأن يجمع من قلب السماء سنين الخصب. فالمسافة التي يفتحها الفصل هي موضع المطر والزرع والبيت في هذه النصوص. والفاصل في أكثرها صاحب الحكم: إنليل يأخذ الأرض، ومردوخ يُنصَّب ملكاً، وكرونوس يملك، فترجع القصص حقّ الحكم في المكان إلى من فتحه ورتّبه. ويبقى هذا الترتيب محتاجاً إلى من يسنده كلّ يوم، كما تُبقي ذراعا شو السماء مرفوعة، وتنكسر الأعمدة فتُقام من جديد.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «أنشودة المعول»، مدوّنة الأدب السومري، «جلجامش وإنكيدو والعالم السفلي»، صلاة آن لريم سين.

  2. نمّا وتيامات في دليل أوراك للمعبودات؛ سيلينا وسنوم، «مردوخ الصيّاد»، مجلّة الجمعية الشرقية الأمريكية 141.1، 2021.

  3. شو، المتحف المصري العالمي؛ بردية بريمنر رند، عن ترجمة فوكنر.

  4. هسيود، «الثيوغونيا».

  5. «يي ون لي جو»، الباب الأوّل؛ «هواينان تسي»، الباب 3 والباب 6.

  6. «دراسات في كوجيكي»، جامعة كوكوغاكوين، الفصل 1 والفصل 3.

  7. «نبوءة العرّافة»؛ «خداع غيلفي»، 8.

  8. «الريغفيدا» 7.86، 2.15، 10.89، النصّ السنسكريتي؛ معجم مونير وليامز، العمود.

  9. سورة الأنبياء 30؛ معجم لين، رتق وفتق؛ التكوين 1.