ملخص
كيوبيد «كُپِيدُو» معبود الرغبة والحبّ عند الرومان، ابن فينوس، يصوّرونه طفلاً مجنّحاً يحمل قوساً وسهاماً، ويسمّيه الشعراء أيضاً أَمُور، أي الحبّ. وأطول قصّة له في الأدب اللاتيني قصّته مع بسيخي «پْسِيخِي» عند أبوليوس «أَپُولِيُوس»: أمرته أمّه أن يعاقب هذه الفتاة لأنّ الناس صاروا يعظّمون جمالها، فجرح نفسه بسهمه وأحبّها. حملها إلى قصر بعيد، وصار يزورها زوجاً في الظلام ويمنعها أن ترى وجهه، فلمّا رفعت المصباح لتراه وهو نائم سقطت قطرة زيت على كتفه، فاستيقظ وطار. فطلبته بسيخي، ففرضت عليها فينوس أعمالاً شاقّة: فرز أكوام الحبوب، وجمع الصوف الذهبي، وجلب ماء من نبع خطر، والنزول إلى بروسربينا في عالم الموتى لتأتي بعلبة الجمال. ففتحت العلبة في طريق عودتها فغلبها نوم كالموت، فجاء كيوبيد ومسح النوم عنها، وأقرّ جوبيتر زواجهما أمام الآلهة وجعلها خالدة، وولدت له بنتاً اسمها فولوبتاس «ڤُولُپْتاس»، أي اللذّة.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الرغبة تمسك بمن يرسلها كما تمسك بمن تصيبه: كيوبيد الذي يرمي الناس بسهامه يقع هو نفسه في الحبّ، ثم لا يستقرّ حبّه حتى يخرج من السرّ والظلام إلى زواج معلن تعترف به الجماعة. وفي أخبار رومانية أخرى يعمل كيوبيد بأمر غيره أو بغضبه: يرمي أبولو بسهم الحبّ ودافْنِي بسهم النفور في رواية أوفيد «أُوڤِيد»، ويدخل وليمة قرطاج في صورة طفل ليزرع حبّ إينياس في قلب دِيدُو في «الإِنِيادَة». وصورة الطفل الرامي نفسها أخذها الرومان من إيروس اليوناني.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يقول اللاتين Cupido «كُپِيدُو»، فإذا حذفنا النهاية اللاتينية بقي Cupid- «كُپِيد»، وصوامته ك-پ-د. وتقرؤه المقالة الرومانية في هذا المشروع «قَبَضَ»: القاف تصير في اللاتينية كافاً، والباء تصير p «پ»، والضاد التي لا توجد في اللاتينية تصير دالاً. والقبض في لسان العرب خلاف البسط، ومقبض القوس «ما قبضت عليه منها بجُمع الكفّ». وهذا ما تجعله القصّة كيوبيد: الرامي الذي يقبض على قوسه، والرغبة التي تقبض على صاحبها، حتى على كيوبيد نفسه.
الجذر اللغوي
| الصيغة | نطقها | ما تبيّنه |
|---|---|---|
| Cupido | «كُپِيدُو» | صيغة الرفع، ومعناها الرغبة. |
| Cupidinis | «كُپِيدِينِس» | صيغة الإضافة، وفيها الجذع Cupidin- «كُپِيدِين» بنون. |
| cupio / cupidus | «كُپِيُو» / «كُپِيدُوس» | «أرغب» و«راغب»، من الأسرة نفسها في اللاتينية. |
| قَبَضَ | قَبَضَ | صوامتها ق-ب-ض. |
| كَبِد | كَبِد | صوامتها ك-ب-د. |
في لسان العرب: «القبض: خلاف البسط»، و«مَقبِض السكّين والقوس والسيف: ما قبضت عليه منها بجُمع الكفّ». وفي مادّة كبد: الكبد «اللحمة السوداء في البطن»، والكَبَد «الشدّة والمشقّة» كما في «لقد خلقنا الإنسان في كبد»، وكبد القوس «ما بين طرفي العِلاقة»، أي وسطها حيث يجري السهم.
والمقابلة الصوتية: القاف العربية تصير كافاً في اللاتينية، كما في «قرن» وcornu «كُورْنُو»؛ والباء العربية تقابلها p «پ»، كما في «سبع» وseptem «سِپْتِم»؛ والضاد صوت تنفرد به العربية، فأقرب ما يقابله في اللاتينية الدال. وفي المقالة الرومانية قراءة ثانية هي «الكبد»، لأنّ الكبد عند المقالة موضع الحبّ والعواطف؛ وهي تحفظ الكاف والدال كما هما. والقراءتان تلتقيان في القوس: مقبضها وكبدها في وسطها، متجاوران. أمّا النون في الجذع Cupidin- «كُپِيدِين» فلا تفسّرها القراءتان، ويصل المعجم اللاتيني الاسم بالفعل cupio «كُپِيُو»، أي أرغب.
السياق التاريخي
لا تعطي النصوص كيوبيد أسرة واحدة ثابتة. يعدد شيشرون أنساباً مختلفة لشخصيات تسمى كيوبيد أو أمور. وفي الإنيادة تسميه فينوس ابنها وأخاً لـإينياس؛ ويجعله أبوليوس أيضاً ابن فينوس. هذه صلات يثبتها كل نص في روايته، ولا تكوّن وحدها أسرة واحدة تجمع كل أنساب شيشرون.
وتظهر في بيت الفيتيين ببومبي صغار مجنحة تصنع العطر والحلي، وتبيع الخمر، وتنظف الثياب، وتعمل في الزراعة. وضعها أصحاب البيت بين العمل والكسب والترف قبل ثوران سنة 79م؛ فهي توسع صورة الطفل المجنح خارج مطاردة العشاق، من غير أن تجعل كل عامل مجنح معبوداً في طقس.
السرديات الأسطورية الرئيسة
بعد أن قتل أبولو الحية بيثون، سخر من قوس كيوبيد. فأجابه الصغير بأن قوسه سيصيبه، ثم رماه بسهم ذهبي حاد يوقظ الحب، ورمى دافني بسهم رصاصي كليل يطرده. طاردها أبولو حتى استغاثت بأبيها بينيوس وتحولت إلى شجرة غار. يصنع السهمان رغبتين متعارضتين: حب أبولو لا يمنح دافني رضاً بالمطاردة.
وفي قرطاج لا يستعمل كيوبيد سهماً. تخشى فينوس أن يهدد استقبال ديدو لـإينياس ابنها، فتُنيم أسكانيوس الحقيقي وتحمله إلى إيداليوم، ويدخل كيوبيد المأدبة في صورة الطفل بعد أن يخفي جناحيه. تضمّه ديدو وتقبله؛ فتعمل الرغبة من خلال وجه مألوف وهدية وضيافة، وتتحول ثقتها بالطفل إلى مدخل لحب إينياس.
وفي قصّة بسيخي «پْسِيخِي» عند أبوليوس «أَپُولِيُوس» تفصيل لم يُذكر أعلاه: لا تنجز بسيخي أعمالها الشاقّة وحدها، فالحيوانات والأشياء الناطقة تعينها على كلّ عمل منها.
القراءة الرمزية
في أوفيد يصيب السهم أبولو بحب من طرف واحد وينفر دافني منه. وفي فرجيل تستقبل ديدو كيوبيد وتحتضنه وهي لا تعرف أنه متنكر، فيؤثر في رغبتها من غير علمها. وفي أبوليوس يُجرح كيوبيد نفسه ثم لا يستقر زواجه حتى يقره جوبيتر. تعرض النصوص بذلك نشوء الرغبة في أشخاص مختلفين، ومقاومتها عند دافني، وخداع ديدو، واعتراف الجماعة بالزواج عند بسيخي.
ويجمع سفر الأمثال بين السهم والكبد حين يشبه الرجل المنقاد إلى الإغواء بمن يشق سهم كبده. ليست هذه حكاية لكيوبيد، لكنها تفسر قوة صورة الكبد في القراءة العربية. أما القبض فيظهر في استيلاء الرغبة على الحكم والتصرف، ولا يثبت بذلك أصلاً لغوياً للاسم.
ويقابله في اليونانية إيروس، من ἔρως (إيروس)، الحب والرغبة. أما ἔριον (إريون) فمعناه الصوف؛ وجمع بسيخي للصوف لا يجعل اللفظين مدخلاً واحداً ولا يشتق اسم إيروس من مهمتها. ويُقرأ اسم إيروس في اللسان العربي «عِرْس»، أي كلّ واحد من الزوجين، والعُرس الزفاف؛ وقصّة كيوبيد عند أبوليوس تنتهي بزفاف يقرّه جوبيتر أمام الآلهة.