ملخص
أُورْشَنابي ملّاح أوتنابشتم، الرجل الذي يعبر بالسفينة البحرَ ومياهَ الموت إلى الموضع البعيد الذي أسكن فيه إنليل ناجي الطوفان وزوجته. تسمّيه الملحمة malāḫu «مَلاخُو»، وهي «الملّاح» العربية نفسها. وكان معه «أصحاب الحجر»، يعبر بهم، لأنّه لا يجوز له أن يمسّ مياه الموت.
دلّت سيدوري جلجامش عليه، فأخذ جلجامش فأسه وخنجره، وزحف ثم انقضّ عليهم كالسهم، وصيحته تدوّي في الغابة. فرآه أورشنابي فأخذ فأساً وهو يرتجف، فضربه جلجامش على رأسه وأمسك بشعره وثبّت ذراعه إلى صدره، ثم حطّم أصحاب الحجر ورماهم في النهر. فلمّا سأله جلجامش الطريق قال الملّاح: يداك يا جلجامش منعتاك، حطّمت أصحاب الحجر. خذ الفأس وانزل إلى الغابة، واقطع لي ثلاثمئة مِردى، طول كلّ واحد خمس قصبات، وشذّبها واجعل لكلّ منها مقبضاً. فقطعها جلجامش، وركبا السفينة، فقطعا في ثلاثة أيّام مسيرة شهر ونصف، حتى بلغا مياه الموت. فقال أورشنابي: خذ المِردى الأوّل يا جلجامش، ولا تدع يدك تمسّ مياه الموت، ثم الثاني والثالث حتى الثاني عشر. فلمّا فنيت المرادي نزع جلجامش ثوبه ورفعه بذراعيه شراعاً. ورآهما أوتنابشتم من بعيد فقال: لماذا حُطّم أصحاب الحجر، وفي السفينة رجل ليس صاحبها؟
ودفع الملّاح ثمن هذا العبور. فلمّا غلب النوم جلجامش وفشل في امتحانه قال أوتنابشتم: «يا أورشنابي، ليرفضك المرسى، ولتنكرك المِعدية! أنت الذي كنت تمشي على شاطئه، فلتُحرم منه!». ثم أمره أن يأخذ الرجل إلى المغسل، فيغسل شعره ويرمي جلود الحيوان في البحر، ويلبس ثوباً ملكياً يبقى جديداً حتى يبلغ مدينته. وركبا، فدلّ أوتنابشتم جلجامش على نبتة تحت الماء شوكها يجرح، فربط الحجارة بقدميه ونزل فاقتلعها، وقال للملّاح: هذه «نبتة نبض القلب»، يستعيد بها الإنسان قوّته، سآخذها إلى أوروك وأطعم منها شيخاً، فإن عاد شاباً أكلت منها. وبعد عشرين فرسخاً كسرا الخبز، وبعد ثلاثين نزلا للمبيت، فوجد جلجامش بركة ماؤها بارد فنزل يستحمّ، فشمّت حيّة رائحة النبتة، فصعدت صامتة وحملتها، وألقت جلدها وهي ترجع. فجلس جلجامش يبكي، وقال لأورشنابي: لمن تعبت ذراعاي؟ لمن جفّ دم قلبي؟ لم أنل لنفسي خيراً، وإنّما صنعت معروفاً لـ«أسد الأرض». ثم بلغا أوروك، فكانت آخر كلمات اللوح الحادي عشر لأورشنابي: اصعد على سور أوروك وامشِ عليه، وانظر إلى أساسه، وتفحّص آجرّه، أليس آجرّاً مشويّاً، ألم يضع الحكماء السبعة أساسه؟ شارٌ مدينة، وشارٌ بستان نخل، وشارٌ حفر طين، ونصف شار معبد عشتار: ثلاثة شارات ونصف هي أوروك، والشار وحدة لقياس المساحة.
والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ العبور إلى ما لا يُعبر يحتاج إلى يد غير يد البطل، وأنّ لهذه اليد ثمناً. كان الملّاح يعبر بأصحاب الحجر، فحطّمهم جلجامش في غضبه، فاضطرّ أن يعوّضهم بعمل يديه، ثلاثمئة مِردى يُرمى كلّ منها بعد دفعة واحدة. ولمّا حمل رجلاً حيّاً إلى ما وراء مياه الموت طُرد من مرساه، فصار رفيق جلجامش في طريق العودة، يحلّ محلّ إنكيدو الذي بدأ معه الرحلة الأولى. والذي يراه في آخر الملحمة عمل الناس: السور والنخل وحفر الطين والمعبد، أمّا النبتة فقد أخذتها الحيّة.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Ur-šanabi «أُور-شَنابي» جزآن. الأوّل ur «أُور» جزء سومري يبدأ به كثير من أسماء الأعلام، مثل أُورنَمّو مؤسّس سلالة أور الثالثة، ويُفهم فيها بمعنى رجل المعبود أو خادمه، والثاني šanabi «شَنابي» اسم العلامة التي تكتب العدد أربعين، والأربعون ثلثا الستّين، وتسمّيها قوائم الألفاظ الأكدية šinipu «شِنِيبُو»، أي الثلثين. والشين الأكدية تقابل الثاء العربية، كما تقابل «ثلاث» šalāš «شَلاش»، فـ«شِن» هي «ثِنْ» من ثنى واثنين. وفي معجم لين «ثَناه» إذا صار معه اثنين، ويقال: هو واحد، «فأَثْنِه»، أي كن له ثانياً. فأورشنابي على هذه القراءة «التابع الذي صار ثانياً»، وهذا ما تجعله الملحمة: بعد موت إنكيدو هو الرجل الذي عبر مع جلجامش ورجع معه، وكلّمه جلجامش آخر الملحمة. وهذه قراءة مقترحة على المنهج. أمّا لقبه malāḫu «مَلاخُو» فهو «الملّاح» بلا تأويل، ويقول لين إنّه سُمّي بذلك لأنّه يلازم الماء المالح.
الجذر اللغوي
| الكتابة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| Ur-šanabi «أُور-شَنابي» | أُورْشَنابي | صيغة النصّ الموحّد للوحين العاشر والحادي عشر |
| ur-ᵈšanabi «أُور، ثم علامة الإله، ثم شَنابي» | أُورْشَنابي | نسخة من نينوى، فيها علامة الألوهة قبل «شنابي» |
| ur-šu-na-be «أُور-شُ-نا-بِ» | أُورْشُونابي | نسخة من كَلْحُو، كتابة مقطعية |
| Su-ur-su-na-bu «سُ-أُور-سُ-نا-بُ» | سُورْسُونابو | الرواية البابلية القديمة على لوح سبّار |
| malāḫu «مَلاخُو»، بالعلامتين MA₂.LAH₄ «ما-لاخ» | مَلاخُو | لقبه: الملّاح |
اللقب: «الملّاح»
malāḫu «مَلاخُو» في المعجم الأكدي البحّار وصانع السفن، ويُكتب بالعلامتين السومريتين MA₂.LAH₄ «ما-لاخ»، وأولاهما علامة السفينة. وهو «الملّاح» العربية بحروفها: الميم واللام والحاء، ويقول معجم لين إنّه سُمّي بذلك لملازمته الماء المالح. غير أنّ الخاء الأكدية في مقابل الحاء العربية لا تجري على القانون المعتاد، فالحاء القديمة تسقط في الأكدية والخاء تبقى خاءً، فالكلمة انتقلت بين الفرعين ولم يرثها الفرعان على طريق واحد.
الاسم: الخادم و«الثاني»
تفرّق نسخة من نينوى بين جزأي الاسم بوضع علامة الألوهة قبل «شنابي»، فتجعله اسم معبود. والأربعون عدد إِيا، ويُكتب اسمه في الأكدية «علامة الإله ثم الأربعين»، فيكون أورشنابي في قراءة الكتبة «خادم الأربعين»، أي خادم إيا الذي حذّر أوتنابشتم من الطوفان. والأربعون ثلثا الستّين في العدّ الستّيني، ويربط سِباسْتِيان فِينْك في بحث عنوانه «كيف صار جلجامش إلهاً بثلثيه: إنّه الملّاح» بين هذا الثلثين وبين قول اللوح الأوّل إنّ ثلثي جلجامش إله وثلثه إنسان.
وتضع قوائم الألفاظ ša-na-bi «شا-نا-بي» بإزاء šinipu «شِنِيبُو»، الثلثين، ويذكر معجم شيكاغو صيغها المؤنّثة مثل šinipât «شِنِيبات»، ويقول إنّها قد تكون مأخوذة من السومرية. وفي الأكدية «اثنان» šina «شِنا»، فالشين والنون فيها هما ثاء «اثنين» العربية ونونها على قانون الثاء والشين. معجم شيكاغو، المجلد ش، الجزء الثالث، ص 32. وفي لين من مادة ثنى: ثنى الشيء طواه فجعل بعضه على بعض، و«ثَناه» صار معه اثنين، و«فأَثْنِه» كن له ثانياً. فالقراءة تجعل الاسم «تابع الثاني» أو «الذي صار ثانياً».
وحدّ القراءة أنّها تترك ur «أُور» سومرية، وأنّ الصيغة البابلية القديمة سورسونابو وكتابة كلحو «أورشونابي» لا تنقسمان كما تنقسم «أور-شنابي»، فقد يكون الكتبة فسّروا اسماً أقدم بالعدد.
السياق التاريخي
يظهر الملّاح في الرواية البابلية القديمة باسم سورسونابو، يقول لجلجامش: «أنا سورسونابو، من رجال أوتا-نائشتم البعيد»، ويطلب منه ثلاثمئة مِردى طول كلّ منها ستّون ذراعاً. ثم يحمل اللوحان العاشر والحادي عشر من النسخة المعيارية قصّته كاملة، ويجعلانه رفيق جلجامش إلى أوروك.
| الاسم | الصلة بأورشنابي | أين تظهر؟ |
|---|---|---|
| أوتنابشتم | سيّده، ثم يطرده من المرسى | اللوح العاشر 87؛ الحادي عشر 247–261 |
| سيدوري | دلّت جلجامش عليه | اللوح العاشر 87–91 |
| جلجامش | خصمه عند أصحاب الحجر، ثم رفيقه إلى أوروك | اللوح العاشر 92–183؛ الحادي عشر 262–328 |
| إيا | الأربعون في اسمه عدده، في قراءة الكتبة | نسخة نينوى؛ أوراك، إنكي |
السرديات الأسطورية الرئيسة
أصحاب الحجر
لا يقول النصّ ما «أصحاب الحجر» على وجه التحديد. هم مع الملّاح في الغابة، وقد «ختموا السفينة»، ويقول هو في الرواية القديمة: «أصحاب الحجر هم الذين كانوا يعبرون بي، لأنّي لا يجوز أن أمسّ مياه الموت». فهم شيء من حجر يحمي السفينة أو يدفعها حتى لا تمسّ يد الملّاح الماء. فلمّا حطّمهم جلجامش صار المِردى الطويل يقوم مقامهم: يدفع به الرجل مرّة ثم يتركه قبل أن يبلغ الماء يده.
الغسل والثوب
قبل العودة يأمر أوتنابشتم الملّاح أن يغسل جلجامش، ويخرجه من جلود الحيوان التي لبسها منذ موت إنكيدو، ويلبسه ثوباً ملكياً. فالرجل الذي خرج إلى البرّية في جلد الأسد، كما تنبّأ شمش لإنكيدو، يرجع إلى مدينته ملكاً بثوبه.
القراءة الرمزية
تقرأ مقالة إعادة القراءة البابلية الرحلة إلى أوتنابشتم استكشافاً بحرياً عبر الخليج العربي، ونبتة الشباب نباتاً طبّياً أو لؤلؤاً من الخليج، فيكون أورشنابي على هذه القراءة ملّاح الطريق البحري الذي يعرفه أهل الساحل. وتقرأ مقالة إعادة القراءة السومرية أخذ الحيّة للنبتة استرجاع الطبيعة ما أخذه الإنسان، فالحيّة تتجدّد بإلقاء جلدها، والخلود ملك للطبيعة لا للفرد، وتجعل عودة جلجامش إلى أوروك إدراكاً أنّ خلوده في بناء مدينته. والملّاح هو الشاهد على الأمرين: رأى الحيّة تأخذ النبتة، وهو الذي أُمر أن يمشي على السور.
التوازيات عبر الحضارات
ويعرف أهل الإغريق والرومان ملّاحاً للموتى: تقول الروايات التي تحكي نزول بسيشي في قصّة كيوبيد إنّ عند النهر الميت شيخاً اسمه خارون، يطلب الأجرة ثم يعبر بالقادمين في قارب مخيط إلى الضفّة الأخرى، فتحمل له قطعة نقد في فمها. وأورشنابي لا يأخذ أجراً، ولكنّه هو الذي يدفع الثمن. أبوليوس، التحوّلات 6.18، وانظر النزول إلى العالم السفلي.
وفي الشمال يصل ثور إلى مضيق وعلى الضفّة الأخرى ملّاح معه القارب، يسمّي نفسه هاربارذ، وهو أودين متنكّراً، فيتبادلان الكلام ولا يعبر به، ويدلّه على طريق طويل يدور حول المضيق. فملّاح الماء الفاصل في القصّتين يحكم من يعبر، لكنّ أورشنابي يعبر بجلجامش بعد قتال، وهاربارذ يردّ ثور بعد مفاخرة.
وقد عبر به إلى ناجي الطوفان، وكان ملّاح الرجل الذي بنى السفينة.
وعند الإتروسكيين صار اسم خارون اسماً لشيطان يقف عند باب الموتى بمطرقة يفتح بها المزلاج ويغلقه، ولا يظهر بقارب إلّا نادراً: خارون الإتروسكي.