ملخص
النزول إلى العالم السفلي قصّة من يدخل دار الموتى وهو حيّ: يذهب ليردّ منها ميّتاً، أو ليأخذ منها شيئاً، أو ليسأل أهلها عمّا لا يعرفه الأحياء، ثم يطلب الخروج. وأقدم رواية تامّة لها قصيدة «نزول إنانا» السومرية.
تضع إنانا قلبها على «الأسفل العظيم»، فتترك السماء والأرض ومعابدها في أوروك وسائر المدن، وتأخذ المِه السبع في يدها، وتلبس تاجها وقلائدها وثوب السيادة. وتوصي وزيرتها نِينْشُوبُور: إذا بلغتُ العالم السفلي فاندبيني على الخرائب، واضربي لي الطبل في المعابد، وطوفي على بيوت الآلهة تطلبين نجدتي. ثم تقف بباب الدار وتقول لنِيتِي كبير البوّابين إنّها جاءت لجنازة غُوغَالَانَّا زوج أختها الكبرى إريشكيغال. فتأمر إريشكيغال أن تُغلق الأبواب السبعة ثم يُفتح كلّ باب منها وحده، وأن يُنزع من إنانا عند كلّ باب شيء: التاج عند الأوّل، وثوب السيادة عند السابع. وكلّما سألت قيل لها: اسكتي يا إنانا، هذه سنّة من سنن العالم السفلي. فتدخل عارية، وتُقيم أختها عن العرش وتجلس مكانها، فينظر إليها القضاة السبعة نظرة الموت، فتصير جثّة تُعلَّق على وتد.
وبعد ثلاثة أيام وثلاث ليال تفعل نينشوبور ما أُمرت به، فيردّها إنليل ونانّا، ويأخذ إنكي من وسخ ظفريه فيصنع كائنين صغيرين، ويعطي أحدهما نبتة الحياة والآخر ماء الحياة. فيدخلان من شقوق الباب كالذباب، ويجدان إريشكيغال ملقاة تتوجّع، فيردّدان أنينها: إذا قالت آه قلبي قالا أنتِ متعبة يا سيّدتنا، آه قلبك. فترضى عنهما وتعرض عليهما نهراً بمائه وحقلاً بحبّه، فيردّان العطيّتين ولا يطلبان إلّا الجثّة المعلّقة، فيرشّانها بالنبتة والماء فتقوم إنانا. لكنّ القضاة يمسكونها: من صعد من العالم السفلي سالماً؟ إن أرادت الصعود فلتجعل مكانها بديلاً. فيصعد معها شياطين لا يأكلون ولا يشربون ولا يعرفون عناق الزوجين، فتمنعهم ممّن ندبوها، حتى تجد زوجها دموزي تحت شجرة التفّاح في سهل كُولَابَا جالساً على عرش في ثوب فاخر، فتنظر إليه نظرة الموت وتسلّمه إليهم. ويُختم النصّ المكسور بقسمة: يبقى دموزي هناك نصف السنة، وتبقى أخته جشتينانا «گِشْتِينَانَّا» النصف الآخر.
وتتكرّر القصّة في أكثر الميثولوجيات. تنزل عشتار في النصّ الأكدي، وينزل نرغال إلى إريشكيغال نفسها، ويدخل بعل جوف موت، وتُخطف بيرسيفوني إلى دار هاديس، وينزل هرقل ليأخذ الكلب كيربيروس، ويحفر أوديسيوس حفرة عند حافة الأرض فيصعد إليه الموتى، ويتبع إيزاناغي زوجته إلى يومي، ويركب هِرْمُوذْر إلى هيل يطلب أخاه بالدر. وتتّفق الروايات في ثلاثة أمور. للدار قانون يلزم الداخل: يُنزع منه شيء عند الأبواب، أو يُنهى عن الأكل، أو عن النظر. ومن أكل من طعامها أو خالف قانونها بقي فيها كلّه أو بعضه. والخروج له ثمن: بديل ينزل مكانه، أو سنة تُقسم بين الدارين، أو رجوع بلا شيء. وأكثر ما يخرج به الأحياء من هناك علم: نبوءة يسمعها أوديسيوس، وجواب يأخذه أودين، ودرس يأخذه ناتشيكيتاس من يما. أمّا المعبودات التي صار موتها وعودتها موسماً من مواسم السنة فلها صفحة الموت والعودة. والفكرة التي تدور عليها قصص النزول أنّ الحدّ بين الأحياء والأموات قائم: يعبره الحيّ بإذن أو بحيلة، ولا يرجع إلّا بقدر ما تسمح به الدار.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يسمّي اليونان هذه الرحلة κατάβασις «كَاتَابَاسِيس»، أي الطريق إلى أسفل، ويسمّون استدعاء الموتى لسؤالهم νέκυια «نِيكِيَا»، وبه سُمّي النشيد الحادي عشر من «الأوديسة». وفي العربية «النزول»، وهو في معجم لين أوسع من الهبوط: نزل بالمكان هبط فيه وحلّ وأقام، وأنزله أضافه، والنزيل الضيف، والنُّزُل الطعام الذي يُهيّأ للضيف. فالنازل إلى العالم السفلي ضيف في دار غيره، وعلى طعام تلك الدار تدور القصص كلّها: حبّة رمّان تأكلها بيرسيفوني، وموقد يومي الذي أكلت منه إيزانامي، ونهر إريشكيغال وحقلها اللذان ردّهما رسولا إنكي، وشراب يُعدّ لبالدر في دار هيل قبل موته. وفي السطر الأكدي الذي يصف نزول عشتار تظهر الألفاظ العربية واحدة بعد أخرى: ištar ana erṣetim ūrid ul īlâ «إِشْتَر أَنَا إِرْصِتِيم أُورِد أُلْ إِيلَا»، أي عشتار إلى الأرض نزلت ولم تصعد. فـerṣetu «إِرْصِتُو» هي الأرض، وūrid «أُورِد» من الفعل الذي يضعه المعجم العبري مع «وَرَدَ» العربية، وīlâ «إِيلَا» يقابل «عَلا» إذا صعد. فالسطر في اللسان العربي «وَرَدَت الأرضَ ولم تَعْلُ»، وهي قراءة مقترحة على المنهج. وتفصيل الأصوات والشواهد في الجذر اللغوي.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | اللسان | المعنى |
|---|---|---|---|
| κατάβασις | كَاتَابَاسِيس | اليونانية | الطريق إلى أسفل، و«النزول إلى بيت هاديس» |
| νέκυια | نِيكِيَا | اليونانية | استدعاء الموتى لسؤالهم، واسم النشيد الحادي عشر من «الأوديسة» |
| نَزَلَ، نَزِيل، نُزُل | العربية | حلّ بالمكان؛ الضيف؛ طعام الضيف | |
erṣetu |
إِرْصِتُو | الأكدية | الأرض، ودار الموتى |
warādu، ūrid |
وَرَادُو، أُورِد | الأكدية | نزل |
yrd، יָרַד |
يَرَد | الأوغاريتية والعبرية | نزل |
| وَرَدَ | العربية | أتى الماء دخله أو لم يدخله | |
elû، īlâ |
إِلُو، إِيلَا | الأكدية | صعد |
lā târi |
لَا تَارِي | الأكدية | لا رجوع |
يعدّ معجم براون ودرايفر وبرِغز العبري yārad «يَارَد»، أي نزل، مع الأكدية arādu «أَرَادُو» ومع «وَرَدَ» العربية، ويذكر أنّ الكلمة العربية تأتي بمعنى أتى ووصل وبمعنى نزل. والواو في أوّل الفعل باقية في العربية، وصارت ياء في العبرية والأوغاريتية كما صارت في «وَلَد» وyeled «يِلِد»، وسقطت في الأكدية ūrid «أُورِد». ويقول ويكاندر إنّ yrd «يَرَد» هو الفعل المعتاد في نصوص أوغاريت لنزول الأحياء إلى دار الموتى: يُقال لبعل حين يُؤمر بالنزول في حلق موت، ويُقال للشمس شبش حين تنزل لتعين عنات على حمل جسده. وفي معجم لين: ورد الماءَ أتاه، دخله أو لم يدخله، ومنه في القرآن عن النار «وإن منكم إلّا واردُها»، و«ونسوق المجرمين إلى جهنّم وِرداً». والصاد في erṣetu «إِرْصِتُو» تقابل الضاد العربية في «أرض»، والتاء بعدها تاء التأنيث. والعين تسقط في الأكدية كما تسقط فيها حروف الحلق، فيصير «عَلا» elû «إِلُو»، والعلوّ في معجم لين الصعود. ويقرأ محمد رشيد ناصر ذوق اسم الدار في أوّل القصيدة، erṣet lā târi «إِرْصِت لَا تَارِي»، أي أرض اللاعودة، بألفاظ عربية: «أرصت لا ترد». وحروف الفعل الأكدي التاء والواو والراء هي حروف «التارة» العربية، وتاوره في معجم لين عاد إليه مرّة بعد مرّة، فهي الأرض التي لا تارة ثانية لمن دخلها. وتبقى قراءة السطر كلّه «وردت الأرض ولم تعلُ» قراءةً مقترحة على المنهج، تقوم على ألفاظ يجمعها المعجم العبري ومعجم لين، ولم يقرأها أحد قبلنا في هذا السطر بعينه.
الشواهد بحسب الحضارة
سومر: جشتينانا وإنكيدو
يُروى نزول إنانا في الملخّص. وفي آخره تقسم إنانا غياب زوجها بينه وبين أخته جشتينانا، فيكون كلّ منهما في الأسفل نصف السنة. وتدرس صفحة الموت والعودة هذه القسمة وندب دموزي كلّ عام.
وفي «جلجامش وإنكيدو والعالم السفلي» تسقط كرة جلجامش ومضربها في العالم السفلي، فيعرض صديقه إنكيدو أن ينزل فيأتي بهما. فيوصيه جلجامش بسنن الدار: لا تلبس ثيابك النظيفة فيعرفوا أنّك غريب، ولا تدّهن بالزيت الطيّب فيجتمعوا على رائحته، ولا تلبس نعلاً، ولا ترفع صوتك، ولا تقبّل امرأتك التي تحبّها ولا تضرب التي تغضب منها، ولا تقبّل ابنك ولا تضربه. فيفعل إنكيدو كلّ ما نُهي عنه، فتمسكه الأرض. لم يأخذه نَمْتَار ولا المرض، ولم يسقط في قتال، وإنّما أمسكته الدار نفسها. فيذهب جلجامش إلى إنليل فلا يعينه، ثم إلى إنكي، فيأمر إنكي أوتو أن يفتح في الأرض ثقباً، فيصعد منه شبح إنكيدو، فيتعانقان، ويسأله جلجامش عن حال الموتى واحداً بعد واحد.
عشتار في القصيدة الأكدية
تتّجه عشتار، ابنة سين، إلى «الأرض التي لا رجوع منها»، البيت الذي لا يخرج منه من دخله، حيث التراب قوت أهله والطين طعامهم، ولا يرون نوراً، ويلبسون الريش كالطير. فتقول للبوّاب: افتح بابك لأدخل، وإن لم تفتح كسرتُ الباب وأقمتُ الموتى يأكلون الأحياء حتى يكثر الموتى على الأحياء. فتأمر إريشكيغال أن يُفعل بها ما تقضي به السنن القديمة، فيُنزع منها عند الأبواب السبعة تاجها وقُرطاها وقلائدها ودبابيس صدرها وحزام الولادة وأساورها وإزارها. ثم ترسل عليها وزيرها نَمْتَار بستّين مرضاً. وفوق الأرض يتوقّف التزاوج: لا يعلو الثور البقرة، ولا يقرب الشابّ الفتاة، وينام كلّ واحد وحده. فيبكي بَابْسُوكَّال وزير الآلهة أمام سين وإيا، فيخلق إيا رسولاً اسمه Aṣûšu-namir «أَصُوشُو نَامِر» يُرضي إريشكيغال ويطلب منها قربة الماء. فتلعنه، ثم تأمر نمتار أن يرشّ عشتار بماء الحياة، فتخرج وتستردّ ما أُخذ منها باباً بعد باب. ويقرأ محمد رشيد ناصر ذوق طلبها عند الباب petâ bābka-ma lūruba anāku «پِتَا بَابْكَا-مَا لُورُوبَا أَنَاكُو» بالعربية «افتح بابك لي.. أنا»، وفي العبارة «بابك» و«أنا» العربيتان، ولفظ للفتح يضعه المعجم العبري مع «فتح».
نرغال ينزل إلى إريشكيغال
لا تصعد ملكة الموتى إلى وليمة الآلهة، فترسل وزيرها نمتار يأخذ نصيبها. فيقوم له الآلهة إلّا نرغال، فتطلبه لتقتله. وفي نصّ تلّ العمارنة يبكي نرغال أمام أبيه إيا، فيعطيه أربعة عشر معيناً يقيمهم على الأبواب، ثم يدخل فيمسك إريشكيغال من شعرها وينزلها عن العرش ليقطع رأسها، فتقول: لا تقتلني يا أخي، كن زوجي وأكون امرأتك، أُمَلّكك العالم السفلي الواسع وأضع لوح الحكمة في يدك. وفي الرواية الأطول ينهاه إيا عن الكرسيّ والخبز واللحم والجعة وماء القدمين، فيردّها كلّها حين تُعرض عليه، ثم يقيم معها ستّة أيام ويهرب إلى السماء. فتهدّد إريشكيغال: إن لم ترسلوه إليّ أقمتُ الموتى يأكلون الأحياء، فينزل ثانية، وينقطع اللوح قبل الخاتمة.
بعل في حلق موت
يقول موت لبعل: ستنزل في حلق موت ابن إيل، في جوف البطل حبيب إيل. فيضاجع بعل عجلة في البرّية قبل نزوله، ويجده الرسل ميّتاً في تلك البرّية نفسها، ثم تحمل عنات جسده مع الشمس شبش وتدفنه في صافون. والقصّة في سياق الموت والعودة في صفحة الموت والعودة. ويكاندر، ص 47 و84 و169، عن KTU 1.5 «كا تي يو 1.5».
رع وأوزيريس في الدوات
ينزل رع كلّ مساء. فكتاب «الأمدوات»، أي «ما في العالم السفلي»، يقسم الليل اثنتي عشرة ساعة يقطعها مركب الشمس في الدوات، فتعترضه العوائق والكائنات المؤذية، ويُلقى أعداؤه في حفر النار. وفي الساعة الحادية عشرة يقول شرح المتحف إنّ أوزيريس ينتظر رعاً، فيأتيه رع شيخاً متعباً يحتاج إلى التجديد، ومن اتّحادهما يتجدّد العالم، ثم يخرج في الساعة الثانية عشرة في صورة الجعل خِبري شمساً للصباح. وأوزيريس لا ينزل في هذه النصوص، فهو ملك الموتى الذي ينتظر، وكلّ ميت يُدفن يُسمّى باسمه، كما يُسمّى الملك في هرم أوناس «أوزيريس أوناس».
بيرسيفوني وهرقل وأورفيوس وأوديسيوس
يخطف هاديس بيرسيفوني بإذن زيوس، فتحبس أمّها ديميتر الحَبّ في الأرض حتى يكاد الناس يهلكون جوعاً، فيُرسَل هرمس ليعيدها. ويدسّ هاديس في فمها حبّة رمّان قبل أن تخرج، فتسألها أمّها: هل ذقتِ شيئاً في الأسفل؟ إن ذقتِ عدتِ إليه ثلث كلّ سنة، وإذا تفتّحت أزهار الربيع صعدتِ من الظلام.
وينزل هرقل في آخر أعماله ليأتي بكيربيروس، الكلب ذي الرؤوس الثلاثة. فيتطهّر أوّلاً ويدخل أسرار إليوسيس، ثم ينزل من فتحة تينارون في لاكونيا، فتفرّ منه الأرواح. ويجد عند الباب ثيسيوس وبيريثوس مقيّدين، فيرفع ثيسيوس بيده، فإذا أراد رفع بيريثوس اهتزّت الأرض فتركه. ويأذن له هاديس، ويسمّيه النصّ بلوتو، أن يأخذ الكلب إن غلبه بلا سلاح، فيخنقه بذراعيه ويصعد به من تروزين، ويريه يوريسثيوس، ثم يعيده إلى دار الموتى. ويروي هرقل لأوديسيوس في «الأوديسة» أنّ هرمس وأثينا كانا دليليه.
وتلدغ أفعى يوريديكي زوجة أورفيوس فتموت، فينزل من باب تينارون إلى نهر ستيكس، ويغنّي لملك الموتى وملكته حتى يأذنا بعودتها، على ألّا يلتفت إليها حتى يخرج من الوادي. فلمّا قارب الحافة التفت ليراها فماتت مرّة ثانية.
ولا ينزل أوديسيوس في البيت نفسه. يبحر إلى حافة نهر أوقيانوس، فيحفر حفرة ويصبّ فيها اللبن والعسل والخمر والماء، ثم يذبح الغنم فيسيل الدم، فيصعد الموتى إليه، ويمنعهم بسيفه من الدم حتى يشرب العرّاف تيريسياس ويخبره بطريق رجوعه. ثم تشرب أمّه فتعرفه، فيحاول أن يعانقها ثلاث مرّات فتفلت من يديه كالظلّ. ويقول له أخيل: لأن أكون أجيراً عند فقير على الأرض أحبّ إليّ من أن أملك الموتى جميعاً. واسم أوديسيوس يُقرأ في هذا المشروع «العائد»، وهذا النشيد أبعد ما رجع منه.
إينياس وپسيكه عند الرومان
يأخذ إينياس الغصن الذهبي ويدفن رفيقه ميسينوس، فتقوده عرّافة كوماي إلى الموتى، فيرى ديدو تعرض عنه، ويريه أبوه أرواح ذرّيته الآتية من ملوك روما.
وفي قصّة كيوبيد ترسل فينوس پْسِيكِه إلى بروسربينا تطلب منها علبة من جمالها. فتدلّها برج على فتحة تينارون، وتوصيها أن تحمل قطعتين من النقد للمعدّي وقطعتي خبز للكلب، وأن تجلس على الأرض وتطلب خبزاً خشناً إذا عرضت عليها ملكة الموتى مقعداً ليّناً ومائدة فاخرة. فتفعل، وتخرج بالعلبة، ثم تفتحها في الطريق فيغشاها نوم دار الموتى حتى يوقظها كيوبيد.
يما وناتشيكيتاس
يقول نشيد الجنازة في «ريغفيدا» إنّ يما ابن فيفاسفات أوّل من وجد للناس الطريق إلى حيث مضى الآباء الأوّلون، فصار ملكاً يجمع الناس إليه. ويخاطب المنشد الميّت: امضِ في الطرق القديمة، وجاوز الكلبين ذوي الأعين الأربع، والقَ يما والآباء.
وفي «كَثا أوبانيشاد» يبلغ الفتى ناتشيكيتاس بيت يما وصاحبه غائب، فيقيم ثلاث ليال بلا طعام. فإذا رجع يما قال له: أقمتَ في بيتي ضيفاً ثلاث ليال لم تأكل، فاختر ثلاث أمنيات. فيطلب الفتى أن يرضى عنه أبوه، ثم نار القربان، ثم أن يعرف ما يكون من الإنسان بعد الموت، ويأبى أن يأخذ بدله مالاً أو عمراً طويلاً.
إيزاناغي في يومي
تموت إيزانامي حين تلد النار، فيتبعها زوجها إيزاناغي إلى يومي ويقول لها: الأرض التي كنّا نصنعها لم تتمّ، فارجعي. فتقول: ليتك جئت قبل هذا، فقد أكلت من موقد يومي، لكنّي سأكلّم إله الدار، فلا تنظر إليّ. فيطول انتظاره، فيكسر سنّاً من مشطه ويشعلها ويدخل، فيرى الدود على جسدها وثمانية من آلهة الرعد عليه. فيهرب، فترسل خلفه عجائز يومي، فيرمي بعصابته فتصير عنباً، وبأسنان مشطه فتصير براعم خيزران، ويضرب جيش يومي بثلاث حبّات خوخ عند منحدر الحدّ. ثم تأتي هي، فيسدّ المنحدر بصخرة لا يجرّها إلّا ألف رجل، فتقول: أقتل من أهل أرضك ألفاً كلّ يوم، فيقول: أقيم كلّ يوم ألفاً وخمسمئة بيت للولادة. ولمّا رجع اغتسل من دنس يومي، فوُلد من غسله أماتيراسو وتسوكويومي وسوسانو، وبكى سوسانو بعد ذلك يريد أرض أمّه الميّتة.
هرموذر وأودين في طريق هيل
يُقتل بالدر، فيركب أخوه هِرْمُوذْر حصان أودين سليبنير تسع ليال في أودية مظلمة حتى يبلغ جسر نهر غْيُولّ، فتقول له حارسة الجسر مُوذْغُوذْر: عبرت الجسرَ أمس خمس كتائب من الموتى فما اهتزّ تحتها أكثر ممّا يهتزّ تحتك وحدك، وليس لك لون الموتى. ثم يقفز الحصان فوق باب هيل، فيجد بالدر في صدر القاعة، وتقول هيل: يرجع إن بكاه كلّ شيء في العالم، حيّاً وجماداً. فيرسل بالدر خاتم أودين معه، وترسل زوجته نانّا ثوباً لأمّه فريغ. وتبكيه الأشياء كلّها إلّا عملاقة في كهف تقول: لتمسك هيل ما عندها.
وقبل ذلك ركب أودين سليبنير نحو نِيفْلْهِيل، فلقيه كلب ملطّخ الصدر بالدم، ثم بلغ قاعة هيل العالية، فأيقظ عرّافة ميّتة عند الباب الشرقي بتعويذة الموتى، وسمّى نفسه فِيغْتَام وقال: أخبريني من دار هيل أخبرك من العالم. فقالت: هنا شراب صافٍ مخمّر لبالدر، وعليه ترس، وهُودْر يقتله، وفالي يأخذ بثأره.
التوازيات عبر الحضارات
| النازل | لماذا ينزل | قانون الدار | ما يرجع به | الثمن |
|---|---|---|---|---|
| إنانا | لتجلس على عرش أختها | تُنزع الشارات عند الأبواب السبعة | تقوم بنبتة الحياة وماء الحياة | دموزي بديلاً عنها |
| عشتار | لتدخل دار أختها | تُنزع ثيابها، وتُصاب بالأمراض | ترجع بماء الحياة | يتوقّف التزاوج ما دامت في الأسفل |
| إنكيدو | ليأتي بكرة صديقه ومضربه | لا ثوب نظيف ولا زيت ولا قبلة | شبحه وحده يصعد | يبقى في الأسفل |
| نرغال | لأنّ الملكة طلبته | لا يأكل ولا يشرب ولا يجلس | المُلك في الأسفل | يصير زوجها وملك الموتى |
| بيرسيفوني | خُطفت | من ذاق الطعام عاد | ترجع إلى أمّها | ثلث كلّ سنة تحت الأرض |
| هرقل | أمره يوريسثيوس | يغلب الكلب بلا سلاح | الكلب، ثم يعيده | لا شيء |
| أورفيوس | ليردّ زوجته | لا يلتفت إليها | لا شيء | تموت مرّة ثانية |
| أوديسيوس | ليسأل تيريسياس | لا يشرب الموتى الدم إلّا بإذنه | طريق الرجوع | يرى أمّه ولا يمسكها |
| پسيكه | أرسلتها فينوس | لا تأكل إلّا الخبز الخشن | علبة الجمال | نوم الموتى حين تفتحها |
| ناتشيكيتاس | أرسله أبوه في غضب | ضيف لا يُطعَم ثلاث ليال | علم ما بعد الموت | لا شيء |
| إيزاناغي | ليردّ زوجته | لا ينظر إليها | لا شيء | ألف ميت كلّ يوم |
| هرموذر | ليفتدي أخاه | يبكيه كلّ شيء | خاتم وثوب | عملاقة واحدة تأبى البكاء |
يتشابه إيزاناغي وأورفيوس أكثر من غيرهما: كلاهما ينزل ليردّ زوجته، وكلاهما يُنهى عن النظر، وكلاهما ينظر فيفقدها. وتضع المقالة السامية اليابانية في هذا المشروع هذه المقابلة في جدولها، وتزيد عليها أنّ الموت في القصّتين دخل العالم بخطأ الزوجين الأوّلين كما في خبر آدم وحوّاء. ويفترقان في الخاتمة: يعود أورفيوس وحده حزيناً، ويقف إيزاناغي عند الصخرة يجعل الولادة أكثر من الموت.
وفي الطعام أوضح قانون. يأكل من ينتمي إلى الدار، ويمتنع من يريد الخروج: تأكل بيرسيفوني وإيزانامي فتبقيان، ويردّ رسولا إنكي النهر والحقل، ونرغال الخبز والجعة، وپسيكه المائدة الفاخرة، فيخرجون. والعالم السفلي في الأكدية مكان التراب قوته والطين طعامه، فلا يأكل الحيّ منه إلّا وقد صار من أهله. ويقلب ناتشيكيتاس القانون: لا يأكل في بيت يما، فيصير الجوع دَيناً على صاحب البيت يقضيه بثلاث أمنيات.
وللدار رسل يذهبون ويعودون. نمتار يصعد إلى السماء ويرجع، وهرمس يقود هرقل ويعيد بيرسيفوني، وهرموذر يبلغ هيل ويرجع بالشرط. والقصص التي ينجح فيها الإنقاذ يقوم بها غير صاحب الحاجة: نينشوبور تطلب، وإنكي يصنع، وكائناه ينزلان. ومن ينزل لنفسه، كإنانا وإنكيدو، يحتاج إلى من يُخرجه أو يفتح له ثقباً.
ويفترق ما يُدفع. في سومر لا يخرج أحد إلّا ببديل، وعند الإغريق تكفي قسمة السنة، وعند الشمال يتوقّف الأمر على إجماع لا يتمّ. وتقارن صفحة هيل بين قانونها وقانون إريشكيغال، ويقارن المقال الساميّ النوردي في هذا المشروع هيل بهاديس وإريشكيغال وأوزيريس.
القراءة الرمزية
تقرأ مقالات المشروع النزول قراءات من الطبيعة والمعاش. تقرأ المقالة السومرية «نزول إنانا» اختفاءً لكوكب الزهرة: تخبو كلّما نُزع منها شيء حتى تغيب، ثم تظهر نجمةً للصباح؛ وتقرؤه مرّة ثانية دورة زراعية يغيب فيها النبات في أشهر الجفاف ويعود، ومرّة ثالثة صورة لمدينة في كارثة تفقد مؤسّساتها واحدة بعد أخرى، السلطة ثم المعرفة ثم الأمان، ثم تُبنى من جديد، ولا تنجو إلّا بثمن تدفعه، كما نزل دموزي مكان إنانا. وتقرأ المقالة البابلية نزول عشتار توقّفاً للتجارة والزراعة في موسم فيضان دجلة، وعودتها انحسار الماء. وتقرأ المقالة الإغريقية بيرسيفوني بذرة تُدفن ثم تنبت، ونزول أوديسيوس إبحاراً إلى ما وراء البحر المتوسّط، وكيربيروس كلاباً كانت تحرس المقابر، ونزول أورفيوس رحلة في المناجم والكهوف العميقة. وتقرأ المقالة المصرية دخول رع إلى الدوات غروبَ الشمس، وساعاتها الاثنتي عشرة ساعاتِ الليل. وتقرأ المقالة الكنعانية دار موت مخزناً للحبوب تحت الأرض، يدخلها الحَبّ فلا يخرج إلى أن يحين الموسم التالي.
والنصوص نفسها تسند بعض هذه القراءات وتسكت عن بعض. الشمس صريحة في مصر: كتاب الأمدوات يسمّي الساعات ويُخرج الشمس جعلاً في آخرها، ويقول ويكاندر إنّ شمس أوغاريت تنزل إلى دار الموتى كلّ يوم. والربيع صريح في النشيد إلى ديميتر: ترجع بيرسيفوني إذا تفتّحت الأزهار. أمّا قصيدة إنانا فتذكر الأبواب والشارات والقضاة، ولا تعدّ أيّام اختفاء الزهرة ولا تسمّي أشهر الجفاف.
وفي القصص صورة دقيقة لعادات الناس مع موتاهم. تندب نينشوبور إنانا بالطبل وتجرح وجهها وتلبس ثوباً واحداً كالفقيرة، وهذه أفعال المأتم. وسنن الدار التي يخالفها إنكيدو هي أفعال الأحياء في بيوتهم: الثوب النظيف والزيت والنعل والقبلة، فمن جاء بها عُرف أنّه غريب. وحفرة أوديسيوس باللبن والعسل والخمر والماء والدم قرابين للموتى، ويما في «ريغفيدا» يُقدَّم إليه السوما والطعام. وحارسة الجسر تعرف هرموذر من لونه ومن وقع حصانه، فالحيّ في دار الموتى يُعرف بما فيه من حياة. وفي هذا كلّه ما تحمله كلمة «النزول» في العربية: النازل ضيف، والضيافة لها قانون، وطعام الدار يحدّد إلى أيّ أهل ينتمي من أكله.