ملخص
فْلُورَا ربّة الزهر والإزهار عند الرومان، وهي من أقدم معبوداتهم: يذكر فارّو «ڤَارُّو» أنّ الملك تِيتُوس تَاتِيُوس نذر لها مذبحاً، وأنّ نُومَا جعل لها كاهناً خاصّاً. ويجعلها الشاعر أوفيد «أُوڤِيد» حورية إغريقية اسمها كْلُورِيس تغيّر اسمها في النطق اللاتيني.
وقصّتها عند أوفيد تتكلّم فيها بنفسها. كانت كلوريس تسير في الربيع، فرآها زيفيروس «زِفِيرُوس»، ريح الغرب، فطاردها وغلبها، ثم تزوّجها، وأعطاها بستاناً تسقيه عين ماء، وجعل لها السلطان على الزهر. وتقول إنّ الرومان أهملوا تكريمها مرّة، فكفّت عن حماية الحقول: أفسدت الريح زهر الزيتون، وضرب البرَد الزرع، وأغرق المطر الكروم. فلمّا رأى مجلس الشيوخ ذلك نذر لها عيداً كلّ سنة إن أزهر العام بخير، فأزهر. ومن هنا عيدها الفلوراليا Floralia «فْلُورَالِيَا» آخر نيسان.
والفكرة التي تدور عليها قصّتها أنّ الثمر والحبّ يمرّان أوّلاً بطور الزهر، وأنّ هذا الطور قصير وتفسده الريح أو البرد. فإذا سلم زهر الفول والعدس والزيتون والعنب جاءت الغلّة، وتقول فلورا عند أوفيد: إن أزهرت الكرمة جيّداً كان باكّوس، أي الخمر. ومن البنفسج والزعتر يجمع النحل العسل. ولهذا يقول تقويم برينيستي «پْرِينِسْتِي» إنّ فلورا ترعى النبات حين يُزهر.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ننزع ألف التأنيث اللاتينية من آخر Flōra «فْلُورَا»، فيبقى «فْلُور»، ويقرؤه المقال الروماني في هذا المشروع «الفَلّ»، وهو الياسمين الأبيض العطر. ينقل لين عن تاج العروس أنّ الفَلّ ياسمين مضاعف، زهر شديد البياض، إذا دلك الإنسان جسده بورقه طاب ريحه، ويقول إنّ هذا الاسم، وأكثر ما يقال «الفِلّ»، يُطلق اليوم على الياسمين العربي. ففلورا على هذه القراءة هي الزهرة نفسها، وهو بالضبط ما تجعلها القصّة: صاحبة الزهر الذي يسبق الثمر.
الجذر اللغوي
| الصيغة | ما تبيّنه |
|---|---|
| Flōra «فْلُورَا» | اسم الربّة. |
| flōs «فْلُوس» | الزهرة؛ وجذعها flōr- «فْلُور» كما في الإضافة flōris «فْلُورِيس». |
| flōreō «فْلُورِيُو»، flōresco «فْلُورِسْكُو» | أزهر، وبدأ يُزهر. |
فالاسم في اللاتينية نفسها اسم الزهرة. ويقابل «الفَلّ» أوّله: الفاء بالفاء، واللام باللام، ومعنى الزهرة بمعنى الزهرة. ويبقى أنّ اللاتينية تنتهي براء بعد واو طويلة، والعربية تنتهي بلام مشدّدة، وهذا الفرق هو ما يحتاج إلى تفسير. وعند لين لمادّة «فلل» معانٍ أخرى: فلّ السيف ثلمه في حدّه، والفَلّ الأرض التي يصيبها المطر فلا تنبت. أمّا معنى الياسمين فينقله لين عن تاج العروس.
ويقترح المقال قراءة ثانية هي «فَلَح»: والفلاح عند لين الفوز وبلوغ المراد، والبقاء والدوام، وفَلَحَ الأرضَ شقّها ليزرعها، ومنه الفلّاح. وهي توافق عمل المزارع والرجاء في الغلّة، لكنّ حاءها لا تقابل راء الاسم. ويروي أوفيد تفسيراً رومانياً: تقول فلورا إنّها كانت كلوريس، وإنّ حرفاً يونانياً من اسمها فسد في النطق اللاتيني.
السياق التاريخي
يسجّل تقويم برينيستي، وهو نقش من أوائل القرن الأوّل الميلادي، ألعاب فلورا وعيداً عامّاً وتكريس معبدها في 28 أبريل، ويصل التكريس بإزهار النبات وخصب المحصول. وهو شاهد مستقلّ عن شعر أوفيد.
السرديات الأسطورية الرئيسة
ويضيف أوفيد إلى قصّة البستان أنّ ألوان الزهر فيه كثرت حتى عجزت فلورا عن إحصائها، وأنّ ربّات الفصول يأتين لجمعه، وربّات الحسن ينسجن منه الأكاليل.
ثم تأتيها جونو متعبة في طريقها إلى أُوقِيَانُوس. أغضبها أنّ جوبيتر أنجب مينرفا من غير أمّ، فتريد أن تحمل هي أيضاً من غير زوج. فتخاف فلورا غضب جوبيتر، فتعدها جونو بالكتمان. فتقطف زهرة أُرسلت إليها من حقول أُولِينُوس، وقال لها من أرسلها إنّها تجعل البقرة العاقر أمّاً، فجرّبتها فصدق، وتمسّ بها جونو، فتحمل وتلد مارس في تراقيا.
وللألعاب عند أوفيد خبر آخر يتّصل بالأرض العامّة: استولى أصحاب ماشية على مراعي الشعب، فغرّمهم مسؤولان من أسرة بوبليكيوس «پُوبْلِيكِيُوس»، فخُصّص بعض المال لألعاب فلورا، وبعضه لطريق صاعد على التلّ.
القراءة الرمزية
وتوضح صلة فلورا بـسيريس مرحلتين متجاورتين في السنة الزراعية: سلامة الزهر، ثم بلوغ الحبوب غلّتها. ويقارن أوفيد ثياب عيد سيريس البيضاء بألوان عيد فلورا الكثيرة، ويردّ الفرق إلى لون السنابل الناضجة وتنوّع الزهور.
التوازيات عبر الحضارات
يصل أوفيد فلورا بكلوريس في قصّة الاسم والزواج والبستان. ويقارن المقال الروماني أَنْثِيَا الإغريقية من جهة الزهر، ولا يذكر شاهداً يونانياً يحدّد لقبها وموضعه. أمّا بروسربينا فقصّتها غير قصّة فلورا: تبحث سيريس عن ابنتها المخطوفة وهي تجمع الأزهار، ويتوزّع مقام الابنة بين أمّها والعالم الأسفل. وتختصّ فلورا بطور أدقّ من نموّ النبات، هو بقاء الزهر الذي ستأتي منه الغلّة.