ملخص
نُوما ثاني ملوك روما في روايات الرومان بعد رومولوس، وإيجيريا حوريّة نبع كان يقول إنّها تلقاه في الليل وتشير عليه. وهو رجل من السابِينِيِّين من بلدة كُورِيس، عُرف بالعدل والتقوى وبعلم الشرائع. زوّجه تِيتُوس تاتِيُوس، شريك رومولوس في الملك، ابنتَه تاتْيا، فلمّا ماتت بعد ثلاث عشرة سنة ترك المدن وصار يعيش وحده في الغابات المقدّسة والمروج، ومن هنا نشأ الخبر أنّ إيجيريا أحبّته وصارت زوجته ومعلّمته.
فلمّا غاب رومولوس اختاره الرومان ملكاً. فأخذه عرّاف إلى القلعة وأجلسه على حجر مستقبل الجنوب، ووضع يده على رأسه ودعا جوبيتر أن يُظهر علامات إن كان يرضاه، فظهرت فنُصّب. ورأى نوما أنّ المدينة التي بُنيت بالسلاح تحتاج أساساً ثانياً من الشرائع والشعائر، وأنّ أهلها لا يلينون حتى يخافوا الآلهة، فقال إنّه يلقى إيجيريا ليلاً، وإنّ ما يقيمه من شعائر وكهّان هو مشورتها. ويقول لِيفِيُوس إنّه ادّعى ذلك ليُدخل الخوف من الآلهة في قلوب الناس. فبنى معبد يانوس يُفتح في الحرب ويُغلق في السلم، وقسم السنة اثني عشر شهراً على دورة القمر وأدخل فيها الكبيس، وجعل لكلّ معبود كاهنه، وجعل لـفيستا عذاراها، واختار لـمارس اثني عشر من الساليِّين يحملون الأتراس السماوية ويطوفون بها المدينة راقصين مغنّين، وأقام لجوبيتر «المُستدعى» مذبحاً على الأفنتين. وكانت في غابة عينٌ لا تنقطع تخرج من كهف مظلم، فكان يخلو بها بلا شهود كأنّه يلقى الربّة، وجعل الغابة للكامِينات، حوريّات الينابيع، وقال إنّهنّ يجتمعن هناك بزوجته إيجيريا. وحكم ثلاثاً وأربعين سنة لم يحارب فيها.
ويروي أُوفِيد في «الأعياد» كيف جاء الترس. أمطر جوبيتر روما صواعق لم يُرَ مثلها، فخاف الملك والناس، فقالت له إيجيريا: الصاعقة تُكفَّر، ولا يعلّمك كفّارتها إلّا بيكوس وفاونوس، ولن يعلّماك إلّا مكرهَين، فأمسكهما وقيّدهما. فوضع نوما أقداح الخمر عند عين تحت الأفنتين كانا يشربان منها، واختبأ في كهف، فشربا حتى ناما فقيّدهما. فلمّا استيقظا علّماه كيف يُنزل جوبيتر من السماء، فنزل جوبيتر حتى اهتزّت رؤوس الشجر، وطلب كفّارةً «الرأس»، فقال نوما: رأس بصلة من بستاني، فقال جوبيتر: رأس إنسان، فقال نوما: شعره، فطلب روحاً، فقال نوما: روح سمكة. فضحك جوبيتر ورضي، ووعده بعلامة للمُلك حين تطلع شمس الغد. فاجتمع الناس عند باب الملك، فلمّا طلعت الشمس أرعدت السماء ثلاث مرّات من غير غيم، وانفتحت، ونزل منها ترس يتمايل في الريح. فذبح نوما عجلةً لم تحمل النير ورفع الترس، وسمّاه «أَنْكِيلِه» لأنّه مقطوع من كلّ جانب ليس فيه زاوية. ولمّا علم أنّ مصير الدولة معلّق به أمر بصنع تروس كثيرة مثله تخدع عين السارق، فصنعها الحدّاد مامُورْيُوس، وطلب أجراً واحداً: أن يُذكر اسمه في آخر نشيد الساليِّين، فما زال الكهّان يذكرونه. الأعياد 3.259–392. ويقول بلوتارخ إنّ الترس نزل في السنة الثامنة من ملكه وقد أصاب الطاعونُ إيطاليا، وإنّ مامُورْيُوس صنع أحد عشر ترساً مثله لم يميّزها نوما نفسه، وإنّ نوما جعل ماء العين التي نزل عندها الترس لعذارى فيستا يطهّرن به معبدها كلّ يوم.
ومات نوما شيخاً فلم يُحرق، ودُفن تحت الجانيكولوم في تابوت من حجر، ودُفنت في تابوت ثانٍ إلى جانبه الكتب المقدّسة التي كتبها بيده. وبكت إيجيريا حتى ذابت عند سفح جبل في غابة ديانا في أريتشا، فرحمتها ديانا وجعلت جسمها عيناً جارية.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الشريعة تأتي من موضع خفيّ عند الماء، ويحملها رجل واحد إلى الناس. فنوما لا يغزو ولا يحارب، وإنّما يخلو في الليل عند العين ثم يخرج بتقويم وكهّان وشعائر، وحين يحتاج الناس إلى برهان ينزل من السماء أمامهم ترس يُرى ويُلمس. ثم يُحفظ البرهان بالتكرار: ترس سماويّ واحد بين أحد عشر مثله، يحمله الساليّون كلّ مارس، ويذكرون في نشيدهم اسم الصانع. وتقرأ مقالة إعادة القراءة الرومانية في هذا المشروع التروس الاثني عشر شهور السنة، وموكب مارس تقويماً للحرب والزرع معاً، وهي قراءة تلتقي بما يرويه ليفيوس من أنّ نوما نفسه قسم السنة اثني عشر شهراً.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Numa «نُوما» اسم لاتيني على تصريف الأسماء المنتهية بالألف، فالألف علامة الإعراب، ويبقى «نُم». وتقرؤه المقالة الرومانية في هذا المشروع من «نَمَّ»، وتجعل معناه النماء والتنظيم، وتضع إلى جانبه «نُعْم». وفي المعجم تلتقي «نمّ» و«نمى» في حمل الكلام من واحد إلى آخر: يقول لين إنّ «نمّ الحديثَ» أظهره ونقله ليوقع الشرّ، وينقل اللسان عن الأصمعي أنّ «نَمَيْتُ حديثَ فلان إلى فلان» بلّغته إليه على وجه الإصلاح وطلب الخير، وأنّ أصله الرفع، ويقال «نميت الحديث إلى فلان» أي رفعته إليه وأسندته. ونوما فعل هذا بعينه: رفع شرائعه إلى إيجيريا وأسندها إليها، وبلّغ الناس ما قيل له في الخلوة. ومن المادّة نفسها «نَما» أي زاد وكثر، وهو معنى المقالة، وقد عاشت روما في عهده ثلاثاً وأربعين سنة بلا حرب. معجم لين، نمّ، اللسان والمحكم، نمي. وأمّا إيجيريا فنقرؤها قراءةً مقترحة على المنهج من «أَجْرى»، أي جعل الماء يجري، ومنه «أجرى دمعه» إذا سكبه: هي التي تُجري ماء العين، ثم تبكي حتى تصير عيناً جارية.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | ما تبيّنه |
|---|---|---|
| Numa | نُوما | الاسم في الرفع، مذكّر على تصريف الألف |
| Numae | نُوماي | الإضافة؛ تبيّن أنّ الألف علامة الإعراب |
| Numa Marcius | نُوما مارْكْيُوس | سابينيّ آخر جعله نوما كبير الكهنة؛ فنوما اسم علم يحمله غيره، لا لقب ملك |
| Ēgeria، Aegeria | إيگيرْيا | اسم الحوريّة باللاتينية |
| Ἠγερία | إيگيرِيا | الصيغة اليونانية التي يذكرها معجم لويس وشورت |
| ancile | أَنْكِيلِه | الترس الذي نزل من السماء، وجمعه ancilia «أَنْكِيلْيا» |
لا يذكر معجم لويس وشورت لنوما أصلاً، ويعدّه اسم علم رومانياً، ويذكر رجلاً ثانياً باسمه هو نوما مارْكْيُوس، الكاهن الأكبر الذي سلّمه الملك كتب الشعائر. فالاسم اسم شخص عند السابينيين، والألف في آخره علامة الرفع، والقراءة تتناول «نُم» وحده: النون نون والميم ميم. والميم المضعّفة في «نمّ» أو حرف العلّة في آخر «نمى» لا يتركان في اللاتينية صامتاً زائداً. أمّا «نُعْم»، القراءة الثانية في المقالة، فتحتاج إلى أن تسقط العين، والعين في جداول المنهج تسقط في اللاتينية أو تصير حركة، لكنّ معناها، النعمة والخير، أعمّ من أن يختصّ بقصّة نوما.
وفي «نمّ» عند لين أيضاً «المُنَمْنَم»، الثوب الموشّى بعلامات تشبه الكتابة، و«النمانم» دروز الجمجمة لأنّها تشبه سطور الكتابة، و«النَّمِيمة» صوت وتر القوس. والمعنى الذي يجمعها خطّ دقيق يظهر ما كان خفيّاً. ونوما في الروايات صاحب كتب: يسلّم الكاهن الأكبر الشعائر مكتوبة، ويُدفن مع كتبه.
وإيجيريا Ēgeria «إيگيرْيا» تنتهي باللاحقة -ia «ـيا» التي تُصاغ بها أسماء النساء والصفات، فيبقى «إيگير». ونقرؤه «أَجْرى»: الهمزة همزة الإفعال وتقابلها الحركة الطويلة في أوّله، والگاف اللاتينية تقابل الجيم العربية كما تقابل الجيمُ الگافَ في الساميّة الأولى، والراء راء، وحرف العلّة في آخر الفعل لا يترك صامتاً. يقول لين: جرى الماء أي سال، وأجراه جعله يجري، ويقال أجرى دمعه أي سكبه. وهذه أعمال إيجيريا في النصوص: يقول أوفيد إنّها هي التي تمدّ عين الكامينات بالماء، ويذكر ليفيوس العين التي تخرج من الكهف في غابتها، ويجعل بلوتارخ ماء العين التي نزل عندها الترس طهوراً لمعبد فيستا، ثم تبكي حتى تصير ماءً جارياً. وفي اللاتينية فعل يشبه الاسم هو ēgerere «إيگيرِرِه»، أي أخرج وحمل إلى الخارج، وراؤه كانت سيناً في اللاتينية القديمة كما يقول دِه ڤان، فإن كان الاسم منه لم تكن الراء أصلية. ولا يجعل المعجم الاسم من هذا الفعل، فالمسألة مفتوحة.
أمّا «أنكيله» فيفسّره أوفيد من القطع، لأنّ الترس مقطوع من كلّ جانب، ويرجعه فارُّو إلى «ما قُطع من الجانبين»، ويجعله دِه ڤان من «حول» و«قطع» معاً، أي المقطوع حوله، وهو التفسير القديم نفسه. ويرجّح معجم لويس وشورت أنّه من اليونانية ἀγκύλος «أَنْكِيلُوس»، أي المعوجّ المقوّس.
السرديات الأسطورية الرئيسة
نوما وفيثاغورس
قال بعض القدماء إنّ نوما تعلّم من فيثاغورس، فردّ ليفيوس بأنّ فيثاغورس عاش بعده بأكثر من مئة سنة في جنوب إيطاليا، ولم يكن بينه وبين السابينيين لغة مشتركة. ويذكر بلوتارخ شبه شعائر نوما بتعاليم الفيثاغوريين: نهى عن صورة للإله على هيئة إنسان أو حيوان، وأمر الرومان أن يعظّموا من ربّات الإلهام ربّةً سمّاها تاكِيتا، أي الصامتة.
بيكوس وفاونوس عند بلوتارخ
يجعل بلوتارخ بيكوس وفاونوس نصفَي إلهين يسكنان الأفنتين قبل أن يُسكن، ويستعملان الأدوية والرقى. أمسكهما نوما بالخمر والعسل في ماء العين، فتقلّبا في صور مخيفة كثيرة، فلمّا عرفا أنّهما لا يفلتان أخبراه بأمور ستقع وعلّماه كفّارة الصواعق. وكانت كلمة «السمك الصغير» التي ختم بها نوما مساومته ممّا علّمته إيجيريا.
رقص الساليّين
يحمل الساليّون الترس في شوارع روما في شهر مارس، في ثياب أرجوانية وأحزمة عريضة من النحاس وخوذ من النحاس، ويضربون الأتراس بخناجر صغيرة وهم يرقصون. ويقول بلوتارخ إنّ اسمهم من القفز الذي في رقصهم، وإنّ بعضهم يقول إنّ نشيدهم لا يذكر مامُورْيُوس فِتُورْيُوس، وإنّما يقول «الذكرى القديمة» بلفظ يشبه اسمه.
القراءة الرمزية
يقول ليفيوس إنّ الملكين المتتاليين خدما الأمّة بطريقين مختلفين، أحدهما بالحرب والآخر بالسلم. فرومولوس يشقّ السور ويجمع الناس بالقوّة، ونوما يعطي هذا الجمع وقتاً مقسوماً وكهّاناً وشعائر تجعله يعيش بلا حرب. وتجعل مقالة إعادة القراءة الرومانية مارس نفسه قوّة الربيع التي تفتح الأرض بالمحراث أو بالسيف، والتروس الاثني عشر شهور السنة، فيكون موكب الساليّين في مارس، أوّل السنة الرومانية القديمة، عدّاً للشهور بالسلاح. وفي القصّة ما يسند هذا: الترس نزل علامةً للمُلك، والكفّارة التي ساوم عليها نوما كفّارة الصاعقة، أي ما يأتي من السماء على الزرع والناس.
التوازيات عبر الحضارات
يضع بلوتارخ نوما في جماعة من واضعي الشرائع يقول إنّ الإله كان يخاطبهم: زالِيُوكُوس، ومِينُوس، وزرادشت، ونوما، ولِيكُورْغُوس، ويذكر القول الآخر أنّهم ادّعوا ذلك ليطيعهم الناس. ويعدّد ديودور الصقلّي هذه الجماعة نفسها: يقول المصريون إنّ مْنِيفِيس أخذ شرائعه من هرمس، ويقول الإغريق إنّ مينوس أخذها في كريت من زيوس وليكورغوس من أپولو، وإنّ زرادشت عند الآريين قال إنّ الروح الطيّب أعطاه شرائعه، وإنّ موسى عند اليهود أسندها إلى الإله الذي يُدعى «ياو». فقصّة نوما عند المؤرّخين القدماء واحدة من قصص كثيرة يتلقّى فيها رجل واحد الشريعة من مصدر أعلى ثم يسلّمها لقومه.
وأقدم من هؤلاء صورة حَمُورابي على مسلّته: يقف الملك أمام شمش الجالس على عرشه فيتسلّم منه شارتي الحكم، ويقول نصّ الشريعة إنّ الآلهة دعته ليقيم العدل في الأرض. والفرق أنّ حمورابي يكتب الشرائع على حجر أمام الناس، ونوما يدفن كتبه معه.
وفي كهف دِكْتي في كريت، كما يروي أبولودوروس، كان الكوريتيس يضربون بالرماح على التروس وهم مسلّحون حول الطفل زيوس حتى لا يسمع كرونوس بكاءه. وهذا قريب ممّا يفعله الساليّون حين يضربون تروسهم بالخناجر وهم يرقصون، إلّا أنّ ضرب الكوريتيس يخفي طفلاً، وضرب الساليّين يحفظ ترساً سماوياً ويعلن أوّل السنة.
وتقارن المقالة السامية الرومانية نوما بـتحوت المصري، كاتب الآلهة الذي تُنسب إليه القوانين والكتب. وتجتمع قصّة نوما بقصّة أبطال الحضارة الذين يعطون الناس التقويم والشعائر، وبالزواج بين ملك وكائن من غير البشر الذي يسمّيه بلوتارخ «زواجاً سماوياً»، كما في الزواج المقدّس.
والعرّاف الذي يقرأ الطير لنوما له أشباه في الشعوب: جوديا السومري يفحص كبد جدي قبل أن يبني المعبد، والإتروسكيون يقرؤون الكبد بعلم تاغيس، والعرب يستقسمون بالأزلام عند هبل، كما في العرافة والوحي.
وفي الصين يرفض الملك ياو أن يعطي العرش لابنه، ويختار رجلاً فقيراً من عامّة الناس اسمه شون لعدله وبرّه، ويقول منسيوس إنّ السماء هي التي أعطته الملك حين قبلت الأرواح قرابينه ورضي الناس به، كما يُختار نوما من خارج روما ثم تقبله الآلهة بعلامة الطير؛ انظر ياو وشون.