ملخص
باكُّوس اسم ديونيسوس الإغريقي، صاحب الخمر والنشوة، كما دخل روما. وقد جمعه الرومان إلى معبود إيطالي قديم هو ليبر باتر «لِيبِر پاتِر»، أي «الأب الحرّ»، وجعلوا له في 17 مارس عيد اللِيبِرالْيا. ويحكي أُوفِيد في «الأعياد» أنّ باكّوس هو الذي اكتشف العسل حين جذب صوت صنوج أتباعه النحل، وأنّ الفتيان الرومان يلبسون في يومه ثوب الرجال لأوّل مرّة، فيدخلون في يوم «الحرّ» حياة أحرار.
لكنّ أشهر قصّة لباكّوس في روما ليست أسطورة بل خبر يرويه المؤرّخ لِيفِيُوس. جاء يونانيّ وضيع النسب إلى بلاد الإِتْرُوسْك، يعلّم طقوساً سرّية تُقام ليلاً، يُشرب فيها الخمر ويختلط الرجال بالنساء، ثم انتقلت إلى روما. وكانت تُرتكب فيها جرائم، فلا يُسمع صوت من يصرخ لأنّ العويل وضرب الطبول والصنوج يغطّيه. ثم كشف أمرها شابّ اسمه بوبليوس إيبوتيوس «پُوبْلِيُوس إِيبُوتِيُوس»: أرادت أمّه وزوج أمّه أن يُدخلاه في الطقوس، فحذّرته عشيقته هيسبالا فيكينيا «هِيسْپالا فايْكِينْيا»، وهي معتوقة كانت قد دخلتها وهي أمَة. فرفض، فطُرد من البيت، فذهب إلى القنصل سبوريوس بوستوميوس «سْپُورِيُوس پُوسْتُومِيُوس»، فحقّق القنصل في الأمر، وأخبر مجلس الشيوخ، فأصدر المجلس سنة 186 ق.م قراره، وقيل إنّ في المؤامرة أكثر من سبعة آلاف رجل وامرأة.
والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ عبادة باكّوس تُخرج الناس من حدودهم المألوفة، والدولة تريد أن تعيدهم إليها. فهو «الأب الحرّ» الذي يدخل الفتيان في يومه حياة الأحرار، وهو أيضاً صاحب الطقس الليلي الذي رأى فيه مجلس الشيوخ خطراً على المدينة. ولذلك لم يمنع القرار عبادته، بل ضبطها: لا يُقام الطقس إلّا بإذن، ولا يحضره أكثر من رجلين وثلاث نساء، ولا يكون له كاهن من الرجال ولا رئيس ولا مال مشترك.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ننزع اللاحقة اليونانية -os «ـوس» من Βάκχος / Bacchus «باكُّوس» فيبقى «باكّ»، وهو «بكى»، وهي القراءة الثانية في المقال الروماني. والبكاء في العربية يُمدّ ويُقصر: يذكر لين أنّ البُكاء بالمدّ الصوت الذي يصحب البكاء، والبُكا بالقصر سيلان الدموع، وينقل عن الخليل أنّ الممدود الصوت والمقصور الحزن. وقد حفظ معجم هِسِيخْيُوس اليوناني أنّ الفينيقيين يسمّون النحيب «باكّون». فباكّوس على هذه القراءة صاحب البكاء الممدود، أي الصوت العالي، وهذا ما يصفه ليفيوس في طقوسه: عويل وطبول وصنوج تغطّي كلّ صوت.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | ما تبيّنه |
|---|---|---|
| Βάκχος، Bakkhos | باكُّوس، والكاف الثانية تخرج معها نفخة | الاسم اليوناني، ثم اللاحقة -os «ـوس». |
| βάκχος، bakkhos | باكُّوس | اسم للمشارك في الطقس الوجداني في أقدم الشواهد. |
| βάκχη، bakkhē | باكِّي | الصيغة المؤنّثة للمشاركة. |
| Βάκχιος / Βακχεῖος، Bakkhios / Bakkheios | باكِّيُوس / باكِّيُوس | صفتان بمعنى «معبود الباكّيين» قبل أن يستقرّ Βάκχος «باكُّوس» اسماً لديونيسوس. |
| Bacchus | باكُّوس | الصيغة اللاتينية التي دخل بها الاسم روما. |
| بَكَى، البُكاء | بَكَى، البُكاء | العربية التي نقرأ بها الاسم. |
الباء والكاف في أوّل الاسم اليوناني هما باء «بكى» وكافها. والكاف الثانية في اليونانية كاف ذات نفخة، فالاسم ينطق بكاف مشدّدة تقريباً. ويبقى حرف العلّة في آخر «بكى» بلا مقابل، وهو في العربية نفسها حرف ضعيف يسقط في كثير من التصاريف. وشاهد هسيخيوس هو الحلقة التي تصل اللفظ اليوناني بالمعنى: يذكر لفظ βάκχον «باكُّون» ويشرحه بـκλαυθμόν «كْلاوْثْمُون»، أي النحيب، وينسبه إلى الفينيقيين. وقد نقل الباحث مارْكُو أَنْطُونْيُو سانْتامارِيا عن بُورْكِرْت هذا الاقتراح السامي. وللمادّة نظائر في الأخوات: العبرية בכה «ب-ك-ه»، ولها نظائر آرامية وأكادية في معنى البكاء.
ويخلص سانتاماريا إلى أنّ الكلمة دخيلة في اليونانية وأنّ لغة مصدرها غير معلومة، وأنّها بدأت اسماً للمشارك في الطقس ثم صارت صفة للمعبود ثم اسماً له. واقتُرح لها أيضاً أصل لِيدِي من اسم شخص في نصّ ثنائي اللغة، من غير اتّفاق على اتّجاه الاقتراض. ويقدّم المقال الروماني قبل «بكى» قراءة أولى هي «بَخّ» للرشّ والسخاء، ويذكر في موضع آخر «بَخَر» لتصاعد البخار، يشبّه بهما الخمر وأثرها. والخاء فيهما تقابل الكاف ذات النفخة في اليونانية، لكنّهما لا تجدان شاهداً مثل شاهد هسيخيوس يصل المعنى بالاسم.
السياق التاريخي
حين شاع اسم باكّوس في روما وقف إلى جوار ليبر باتر، المعبود الإيطالي الذي عرّفه الرومان بـديونيسوس، من غير أن يمحو الاسم الوافد اسم ليبر أو تاريخه.
وكان للإتروسكيين معبودهم المقابل، Fufluns «فُوفْلُونْس»، ويسمّى في عبادته المتأخّرة Pacha «پاخا»، وهو عندهم صاحب الأسرار الديونيسية كما كان باكّوس عند الإغريق. وتذكّر إريكا سيمون بأنّ هذه الأسرار بلغت روما من إتروريا، وهو ما يرويه ليفيوس في خبر اليوناني الذي نزل بلادهم أوّلاً.
ونُسخ قرار مجلس الشيوخ سنة 186 ق.م على لوح برونزي. يستعمل النقش اللاتينية القديمة Bacanal «باكانال» للمكان أو الاجتماع، وBacas «باكاس» للمشاركين. ولا يرخّص العدد المذكور فيه اجتماعاً من تلقائه، بل يأتي بعد شرط الإذن: لا يتجاوز الاجتماع رجلين وثلاث نساء إلّا بإذن البْرِيتُور الحضري ومجلس يحضره مئة عضو على الأقلّ. ويضبط القرار الاجتماعات التي يسمّيها، ولا يكفي وحده لوصف عبادة ليبر وباكّوس العامّة كلّها أو لمعرفة عدد من شارك فعلاً.
ويكتب ليفيوس خبره بعد الحدث بنحو قرنين، فيرويه قصّة مؤامرة وكشف. أمّا اللوح فيضع أمامنا أفعال الدولة نفسها: إذناً، ومنعاً، وحدّاً للعدد، وضبطاً للمال والقيادة. فخبر ليفيوس سرد سياسي لاحق إلى جانب النقش، لا شرح محايد لأسبابه.
| الاسم أو الجماعة | الصلة بباكّوس | موضعها |
|---|---|---|
| ديونيسوس | صار Βάκχος «باكُّوس» لقباً ثم اسماً شعرياً له | التاريخ اليوناني للاسم. |
| ليبر باتر | معبود إيطالي عرّفه الرومان بديونيسوس | العبادة الرومانية. |
| βάκχοι «باكُّوي» وβάκχαι «باكّاي» | رجال ونساء يشاركون في الطقس الوجداني | أقدم من تسمية المعبود في الشواهد المجموعة. |
| زيوس أو جوبيتر وسِيمِيلِي | والدا ديونيسوس في الرواية الأدبية التي ورثها باكّوس اللاتيني | نسب قصصي، لا بند في قرار سنة 186 ق.م. |
القراءة الرمزية
يتّصل Bacchus «باكُّوس» بالخمر في الأدب، وبالمشاركة في حال وجدانية في تاريخ الاسم اليوناني. وفي روما تبيّن أحكام سنة 186 ق.م أنّ الطقس كان يجمع أشخاصاً لهم قيادة ومال مشترك وعهود. فحظر المجلس هذه التنظيمات، واشترط إذنه للاجتماع وحدّد عدد الحاضرين، فصار الاشتراك في العبادة خاضعاً لسلطة المدينة في التعيين وجمع المال والاجتماع.
ووراء الخمر أعمال الزرع والعصر والحفظ والتوزيع، لكنّ اللوح لا يصف هذه الأعمال ولا مقدار ما شربه المشاركون؛ فتفاصيل إنتاج الخمر واستهلاكه تحتاج إلى شواهد أخرى.
التوازيات عبر الحضارات
ديونيسوس هو الصلة التاريخية المباشرة، لأنّ Βάκχος «باكُّوس» صار اسماً له داخل اليونانية قبل شيوعه في روما. ويقرأ المشروع اسم ديونيسوس بـ«الدَّنّ»، جرّة الخمر، واسم باكّوس بـ«البكاء»؛ فالأوّل يصف الخمر المخزونة، والثاني الصوت العالي الذي يرافق طقسها. ويبيّن ليبر باتر ما صنعه الرومان: جمعوا اسماً وافداً إلى معبود إيطالي وأدخلوا عبادته في نظامهم العامّ. أمّا تشبيه باكّوس بـأوزيريس من جهة الموت والعودة، أو بنِينْسابا من جهة الحبوب، فلا يثبت انتقال الاسم ولا تسلسل الطقس.