ملخص
سيريس «كِيرِيس» ربّة الحبوب والزرع عند الرومان، وابنة سَاتُورْن وأوپس «أُوپْس»، وأخت جوبيتر وجونو وفيستا، وأمّ بروسربينا. وقد طابقها الرومان بـديميتر الإغريقية وأخذوا عنها قصّة الابنة المخطوفة. أمّا ما هو روماني خالص فعيدها «الكيرياليا» Cerialia «كِيرِيَالِيَا» في نيسان، وذبيحة الفلّاح لها قبل الحصاد، ومعبدها الذي شاركها فيه لِيبِر ولِيبِيرَا وكان مركزاً لعامّة الشعب في روما.
وقصّتها الكبرى عند الشاعر أوفيد «أُوڤِيد» قصّة أمّ تبحث عن ابنتها. كانت بروسربينا تجمع الأزهار في صقلية، فخطفها بلوتو، ويسمّيه أوفيد دِيس، ونزل بها تحت الأرض. فأوقدت سيريس مشعلين من نار جبل إِتْنَا، وطافت البرّ والبحر تسأل كلّ راعٍ وفلّاح: هل مرّت بك فتاة؟ حتى أخبرتها الشمس أنّ ابنتها صارت زوجة أخي جوبيتر وملكة العالم الثالث. فصعدت إلى جوبيتر تطلب ردّها، فقبل إن كانت الابنة لم تأكل شيئاً تحت الأرض. لكنّها كانت قد أكلت ثلاث حبّات رمّان، فوعد جوبيتر أن تقضي ستة أشهر في السماء. فوضعت سيريس على شعرها إكليلاً من السنابل، وأخرجت الحقول غلّة لم يتّسع لها البيدر. ومن مشعليها، كما يقول أوفيد، تُعطى المشاعل في شعائرها إلى اليوم.
والفكرة التي تدور عليها قصّتها أنّ الحبّ الذي يأكله الناس مرتبط بحال الأمّ: إذا فقدت ابنتها وقف الزرع، وإذا رضيت امتلأ البيدر. ولهذا كان الرومان يسمّون الحبّ والخبز نفسه «سيريس»، كما يقول شيشرون، ويذكر سرفيوس «سِرْڤِيُوس» أنّ السَّابِينِيِّين كانوا يسمّون الخبز سيريس.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Cerēs «كِيرِيس» لا نهاية إعراب تُنزع من آخره، لأنّ سينه من أصل الاسم، وصيغة الإضافة Cereris «كِيرِرِيس» تبيّن أنّ هذه السين نفسها صارت راءً حين وقعت بين حركتين. يبقى «كِرِس»، ويقرؤه المقال الروماني في هذا المشروع «قُرْص». والقُرص عند لين الرغيف المستدير من الخبز، أو القطعة المستديرة من العجين، وقرصت المرأة العجين أي قطعته قِطَعاً، كلّ قطعة منها قُرصة، ثم بسطته. فسيريس على هذه القراءة هي القرص، رغيف الخبز، وهذا بالضبط ما سمّاها به الرومان والسابينيون حين قالوا للخبز سيريس.
الجذر اللغوي
| الصيغة | قراءتها العربية | ما تبيّنه |
|---|---|---|
| Cĕrēs | «كِيرِيس» | الاسم اللاتيني في الرفع. |
| Cereris | «كِيرِرِيس» | صيغة الإضافة؛ تكشف أنّ سين الاسم صارت راءً بين حركتين. |
| Cererī | «كِيرِرِي» | صيغة «لسيريس» التي يستعملها كاتو. |
| الفاليسكية ceres | «كِيرِس» | اسم قريب في لغة إيطالية مجاورة. |
| الأوسكية kerrí | «كِيرِّي» | صيغة إيطالية أخرى بالراء المشدّدة. |
يعيد دي فان «دِي ڤَان» بناء الاسم في الإيطالية الأمّ على صيغة keres- «كِيرِس»، ويشرح راء Cereris «كِيرِرِيس» الثانية بانقلاب السين بين حركتين راءً في اللاتينية. فالحروف الأصلية ك-ر-س، والقاف العربية تصير كافاً في اللاتينية لأنّ اللاتينية لا قاف فيها، والصاد تصير سيناً لأنّها لا صاد فيها. فيقابل «قُرْص» الاسمَ حرفاً بحرف.
والقُرص عند لين: الرغيف المستدير، وقرص العجين قطعه قُرصة قُرصة ليبسطه، وقَرَصَ الشيءَ أخذه بين شيئين أو قطعه. وفي العبرية קָרַץ «قَارَص» للقرص والضغط، وקֶרֶץ «قِرِص» لقطعة الخبز، وفي الآرامية קְרַץ «قِرَص» للقطعة.
ويذكر المقال الروماني قراءة ثانية هي «كَرَس» بمعنى الغرس والزرع. والذي عند لين أنّ الكِرس ما تلبّد وتجمّع بعضه فوق بعض، وكِرس البناء أساسه، وتكرّس الأساس صلب واشتدّ؛ فهي توافق الحروف وتبعد عن معنى الزرع. وتدخل في المقارنة ألفاظ أخرى أبعد: «قَرَسَ» البرد إذا اشتدّ، وقرس الماء إذا جمد، و«جَرَشَ» الحبّ والملح إذا طحنه طحناً خشناً. أمّا الرومان فقرّبوا الاسم من الفعل gero «جِيرُو»، أي حمل وأنتج، كأنّه Geres «جِيرِيس»، كما يقول بَالْبُوس عند شيشرون.
ومقال محمد رشيد ناصر ذوق عن الشعير يتبع المحصول إلى الطعام، ولا يتناول اسم سيريس.
السياق التاريخي
يقدم كاتو في القرن الثاني ق.م شاهدًا عمليًا: قبل حصاد الحنطة والشعير وجمع الفول وبذور اللفت يذبح صاحب المزرعة أنثى خنزير لسيريس. يذكر يانوس وجوبيتر وجونو عند البخور والخمر، ويقدم كعكتي strues (سترُويس تقريبًا) وfertum (فِرتُم) ليانوس وجوبيتر، ثم يعطي سيريس أحشاء الذبيحة والخمر. الذبيحة الفعلية لسيريس خنزيرة، وليست إحدى الكعكتين.
ويؤرخ المتحف البريطاني دينارًا فضيًا ضربه كايوس ماريوس كابيتو سنة 81 ق.م: رأس سيريس على الوجه، ورجل يحرث بزوج من الثيران على الظهر. رقم الفهرس 1843,0116.776 رمز متحفي حديث. وينسب التقليد معبد سيريس وليبر وليبرا إلى سنة 493 ق.م عند طرف السيرك الكبير، وهو تاريخ يرويه مؤلفون لاحقون لا نقش تأسيس معاصر.
وفي سنة 70 ق.م وصف شيشرون عبادة سيريس في هِنّا بصقلية حين اتهم الوالي فيرّيس بنهب صورها المقدسة. وفي روما ارتبط معبدها بالأيديلين الشعبيين: ينقل ليفيوس قرارًا من سنة 449 ق.م بحفظ قرارات مجلس الشيوخ عندهم في المعبد، ثم أضاف قيصر أيديلين باسم Cereales (كِرياليس تقريبًا) لشؤون مؤونة الحبوب. صلة المعبد بالإدارة ثابتة، أما كونه مخزن كل الغلة أو مركز توزيعها نفسه فموضع خلاف.
وتجعل عملة من سنة 86 ق.م هذه الصلة مرئية: على وجهها صورة سيريس ولقب الأيديلين الشعبيين، وعلى ظهرها الموظفان بجوار سنبلة. لذلك يقرأها الباحثون في سياق تدبير الحبوب، ويحمل هذا الطراز في الفهارس الحديثة رقم RRC 351.1 (آر آر سي 351.1).
| الشخصية | صلتها بسيريس | الرواية |
|---|---|---|
| ساتورن وأوپس | الأب والأم | أوفيد، الأعياد 6. |
| جونو وفيستا | أختاها | أوفيد، الأعياد 6. |
| جوبيتر | أبو ابنتها، من غير عقد زواج في المقطع | أوفيد، الأعياد 4. |
| بروسربينا | ابنتها التي تبحث عنها؛ يسميها أوفيد أيضًا بيرسيفوني | أوفيد، الأعياد 4. |
| ديس | خاطف الابنة ثم زوجها؛ يقابل هاديس اليوناني | أوفيد، الأعياد 4. |
| ليبر وليبرا | شريكاها في المعبد، وولداها في تفسير بالبوس؛ الاشتراك في المعبد وحده لا يثبت النسب | شيشرون 2.62. |
السرديات الأسطورية الرئيسة
ولعيد سيريس قصّة يرويها أوفيد عن مضيف له في بلدة كَارْسِيُولِي، وهي أرض باردة لا يصلح فيها الزيتون ويصلح القمح. أمسك صبيّ في الثانية عشرة ثعلبة كانت تسرق دجاج المزرعة، فلفّها في القشّ والتبن وأشعل فيها النار. فأفلتت من يده، وجرت في الحقول فأحرقت الزرع، وحملت الريح النار. ولهذا يمنع قانون في كارسيولي أن يُذكر اسم الثعلب، ويُحرق ثعلب في عيد سيريس، فيهلك بالطريقة التي أهلك بها الزرع.
وفي «التحولات» يقطع إِرِيسِخْثُون شجرة بلّوط مقدّسة لسيريس ويقتل رجلاً حاول منعه. فترسل إليه سيريس الجوع في هيئة شخص، فيأكل حتى ينفق ماله، ثم يبيع ابنته مِيسْتْرَا. ويعينها نبتون على تبديل هيئتها والهرب، فيكرّر أبوها بيعها ليشتري الطعام، ولا يشبع حتى يأكل جسده. فالعقوبة طعام لا يُشبع آكله.
ويربط دِيُونِيسِيُوس نذر بوستوميوس «پُوسْتُومِيُوس» بالمجاعة في زمن الحرب: أخفق المحصول وانقطعت الواردات، فاستُشيرت الكتب السِّيبِيلِيَّة ونُذر معبد لسيريس وليبر وليبيرا وقرابين سنوية إن عادت المؤونة. وينسب المؤرّخ عودة الغلّة والواردات إلى استجابتهم، ويموّل البناء من غنائم الحرب.
القراءة الرمزية
يحدد كاتو ذبيحة سيريس قبل جمع الحنطة والشعير والفول وبذور اللفت، ويفصل نصيبها من الخنزيرة والخمر عن كعكتي يانوس وجوبيتر. وتبين عملة الأيديلين صلتها بموظفي المدينة المسؤولين عن المؤونة، كما يتصل بهم حفظ قرارات المجلس في معبدها. يخص الدعاء للمحصول عمل صاحب المزرعة في مواعيد السنة الزراعية، بينما تخص المؤونة العامة تدبير الموظفين؛ فحصول المدينة على الطعام يحتاج إلى إنتاج الحقول وإدارة ما يرد إليها. ولا يحسم هذا كون مبنى المعبد نفسه مخزناً أو مركز توزيع.
وحين يسرق فيرّيس تمثالها من هِنّا يحتج السكان كأن جزءًا من مدينتهم انتزع منهم؛ يضع شيشرون السرقة إلى جانب استغلال الوالي وهجر المزارع. وفي قصة إريسخثون يستهلك الجوع المال والابنة والجسد نفسه. في الخبرين لا يكون الطعام مادة صامتة: من يسيطر على المقدس والمؤونة يضغط على البيت والمدينة.
التوازيات عبر الحضارات
تدخل سيريس في أوضح صلة مع ديميتر وابنتها بيرسيفوني: أم تبحث عن ابنة خطفت، وعودة البنت تعيد الزرع، وهو من أخبار الموت والعودة. لكن النشيد اليوناني يجعل مقام الابنة تحت الأرض ثلث السنة، بينما يمنحها أوفيد ستة أشهر في السماء. التشابه في القصة لا يبيح توحيد التقويمين.
وتتبع فيستا الحبة إلى الرحى والرغيف والموقد، بينما يظهر ساتورن أبا سيريس في نسب أوفيد وصاحب خبر زراعي آخر. وفي قصة يوسف يترك الناس الحصاد في سنبله ويقسمون ما يأكلونه وما يدخرونه للسنوات الشديدة؛ هنا يفسر نبي الرؤيا ويعطي الناس خطة للمجاعة. هذه أفعال في حفظ القوت، لا أنساب جديدة لسيريس.