فوفلونس

ملخص

فوفلونس معبود الخمر والنشوة والأسرار عند الإتروسكيين، أهل إتروريا في وسط إيطاليا، وهو عندهم ما كان ديونيسوس عند الإغريق وباكّوس عند الرومان، وصار يُسمّى في عبادته المتأخّرة Pacha «پاخا»، وهو اسم باكّوس اليوناني بلسانهم. لم تصلنا عنه قصّة مكتوبة بالإتروسكية، فقصّته على المرايا البرونزية التي كانوا يكتبون عليها أسماء الأشخاص بجانب صورهم. على إحداها يحمل تينيا وسِيمْلا بفوفلونس، وسيملا هي سيميلي أمّ ديونيسوس. وعلى مرآة من ورشة في ڤولْتشي، من الربع الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد، محفوظة في برلين، يتعانق سيملا وفوفلونس، وينظر إليهما أَپولو، ومعه ساتير صغير يزمّر. وتقرأ إريكا سيمون الصورة بعيد «هِيرُويس» في دلفي، الذي كان يُذكر فيه نزول ديونيسوس إلى عالم الموتى ليصعد بأمّه إلى السماء.

ويظهر فوفلونس في العبادة في مواضع كثيرة. يضعه الكبد البرونزي الذي وُجد قرب بياتشنزا في الفصّ الأيمن مع معبودات السماء والأضواء: تين وأوني وكاث وفوفلونس. ويُعبد مع كاثا، المعبودة المتّصلة بالشمس، حتى صار لهما كهنة مشتركون: كان لاريس پولِناس كاهناً لكاثا ولپاخا، وكان غيره يُلقَّب «مارو» پاخا وكاثا. وفي حرم پيرْگي، ميناء كيري، وُجد على قدم جرّة خمر من نحو 480–470 قبل الميلاد، عليها هرقل يشرب ويسقيه ساتير، النقش mi fuflunusra «مِي فُوفْلُونُوسْرا»، أي «أنا الفوفلوني»، ويرى كولونّا أنّه لقب لمعبود ذكر، هو على الأرجح شوري، الذي عُبد في القسم الجنوبي من الحرم معبوداً للآخرة، وقابله الرومان بديس پاتر ربّ الموتى. وفي قبور ڤولتشي آنية عليها الإهداء fufluns paχies «فُوفْلُونْس پاخِيِس»، فكان الميت من أتباعه، وكانوا يرسمون في القبور لبلابه بجانب غار أپولو. وتسمّي نقود مدينة پوپولونيا المدينة Pupluna «پُوپْلُونا»، أي Fufluna «فُوفْلُونا»، مدينة فوفلونس. ومن إتروريا بلغت أسراره روما، فمنعها مجلس الشيوخ سنة 186 قبل الميلاد.

والفكرة التي تدور عليها صورته أنّ معبود الشراب عند الإتروسكيين معبود الموتى أيضاً. هو الابن الذي ينزل إلى الموتى فيُصعد أمّه، ولذلك جعلوا لبلابه وجرار خمره في القبور، ورسموا الساتيرات في ولائم الجدران، لأنّهم تصوّروا الآخرة وليمة. وفي پيرگي يحمل لقبَه معبودُ الآخرة الذي عُبد في جنوب الحرم. فالخمر التي تجمع الأحياء في الوليمة تجمعهم بالموتى أيضاً.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، فلا تقرأ المقالة الرومانية فوفلونس، وتقرأ باكّوس، وهو پاخا عند الإتروسكيين، من «بَخّ» أو «بكى». نرفع من الاسم النهاية -ns «ـنْس» التي تختم أسماء معبودات إتروسكية أخرى، مثل Selvans «سِلْڤانْس»، فيبقى fufl- «فُوفْل». وهذا الجزء يتبادل مع pupl- «پُوپْل» في اسم المدينة نفسها، Pupluna «پُوپْلُونا» وFufluna «فُوفْلُونا». والإتروسكية لا باء فيها، فكتبوا باكّوس اليوناني Pacha «پاخا» بالپاء. فقد يكون «پُوپْل» و«فُوفْل» باءً ولاماً مكرّرين، وهما حروف «بَلْبَلَ» العربية. وفي معجم لين: بلبل الناسَ حرّكهم وهيّجهم، والبلبلة اختلاط الألسنة وشدّة الهمّ، وأصل المادّة «بَلّ»، وهو أن يُندّى الشيء بالماء، و«البِلال» كلّ ما يبلّ الحلق من ماء أو لبن. فالشراب الذي يبلّ الحلق، والجمع الذي يهيج ويختلط كلامه، هما ما تصوّره مرايا فوفلونس: الخمر، والساتيرات والمينادات حوله.

الجذر اللغوي

صيغ الاسم

الصيغة النطق الموضع المصدر
fufluns فُوفْلُونْس المرايا، كبد بياتشنزا سيمون، دي غروموند
fufluns paχies فُوفْلُونْس پاخِيِس آنية قبور ڤولتشي كراوسكوپف
fuflunusra فُوفْلُونُوسْرا جرّة پيرگي، «الفوفلوني» كولونّا
Pacha پاخا اسم العبادة المتأخّر سيمون، بونفانتي
Pupluna، Fufluna پُوپْلُونا، فُوفْلُونا نقود پوپولونيا بونفانتي

تقول بونفانتي إنّ Pacha «پاخا» اسم باكّوس بالإتروسكية، وتقول سيمون إنّه اسم العبادة لفوفلونس في إتروريا المتأخّرة، وإنّه كان مثل باكخوس اليوناني ربّ الأسرار الديونيسية خاصّة. ويجعل كولونّا fuflunusra «فُوفْلُونُوسْرا» صفة منسوبة إلى فوفلونس، «الفوفلوني».

النهاية والجذر

تنتهي أسماء معبودات إتروسكية أخرى بـ -ns «ـنْس»: Selvans «سِلْڤانْس»، الذي تقول سيمون إنّه من سيلڤانوس اللاتيني، وCulśanś «كُولْشانْش» صاحب الأبواب. فما يبقى من فوفلونس fufl- «فُوفْل»، وفيه الحرف الأوّل مكرّراً. والپاء والفاء تتبادلان في اسم المدينة، فيدلّ ذلك على أنّ الحرف الأوّل في الأصل حرف شفوي واحد، والإتروسكية تكتب الحرف الشفوي المجهور، الباء، پاءً، كما كتبت Βάκχος «باكْخوس» Pacha «پاخا».

البَلّ والبَلْبَلة

وفي معجم لين: بلّه بالماء ندّاه، و«بلّت الإبل أغمارها» شربت قليلاً، و«بلّ رحمه» وصلها، لأنّ الأشياء تتّصل بالبلل وتتفرّق باليبس. والبِلال الماء، وكلّ ما يُبلّ به الحلق من ماء أو لبن. وبَلْبَلَ الناس حرّكهم وهيّجهم، والبلبلة اختلاط الألسنة، والهمّ الشديد ووساوس الصدر، وتبلبلت الألسن اختلطت. فالقراءة تجعل fufl- «فُوفْل» باءً ولاماً مع تكرار الباء، وتلقى المعنى في الشراب الذي يبلّ الحلق وفي الجماعة التي تهيج. ويبقى أنّ في «بلبل» لامين وفي الاسم الإتروسكي لاماً واحدة، وأنّ الباء وراء الفاء والپاء مستنتجة من الكتابة الإتروسكية، لا مكتوبة.

پاخا وباكّوس

وتقرأ المقالة الرومانية في هذا المشروع Bacchus «باكُّوس» من «بَخّ»، الرشّ والسخاء، أو من «بكى»، النحيب في الطقوس، وتقدّم صفحة باكّوس قراءة «بكى» وتشرحها. وپاخا هو الاسم نفسه بالإتروسكية، فالقراءة تشمله. والمادّتان، بلّ وبخّ، تلتقيان في الماء الذي يُرشّ ويُندّى به.

السرديات الأسطورية الرئيسة

مرآة كاستل ڤيسكاردو

وفي سنة 1989 وُجدت قرب أورڤييتو مرآة من آخر العصر الكلاسيكي على تأليف مرآة برلين نفسه، غير أنّ الأسماء تغيّرت: بقي أپولو في الوسط، ومعه بدل الساتير معبود الحبّ تُورْنُو، ابن توران، وصار الزوجان توران وأتونيس. وتقول سيمون إنّ المرآة تُظهر أنّ هيئة الصورة واسم صاحبها قد يختلفان: فوفلونس وسيملا، الابن والأمّ، قد يُصوَّران كما يُصوَّر أتونيس وتوران، الفتى الجميل وحبيبته المعبودة.

الكاهنة

وفي المتحف البريطاني ناووس يقال إنّه من قبر الوليمة في تاركوينيا، عليه امرأة تحمل عصا الثيرسوس وكأس الكانثاروس، ويسقي ظبيٌ صغير من يدها، وقد سُمّيت كاهنة فوفلونس من هيئتها، لا من نقش عليها.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير الرومانية علم الإتروسكيين في الأحشاء والبرق تدريباً على تصنيف المواضع والجهات يضبط به الكهنة قرارات الناس. وموضع فوفلونس في هذا التصنيف معروف: في الفصّ الأيمن من كبد بياتشنزا، مع معبودات السماء والأضواء، لا مع معبودات الأرض والموتى. ومع ذلك تجعله القبور والمرايا رفيق الموتى. فالقسمة التي يرسمها الكبد ليست قسمة ما يصنعه في العبادة.

التوازيات عبر الحضارات

ويروي كتاب «المكتبة» المنسوب إلى أَبُولُودُورُوس أنّ ديونيسوس، بعد أن عرفه الناس معبوداً، أصعد أمّه من دار هاديس وسمّاها ثْيُونِي وصعد بها إلى السماء. وهذا ما تقرأه سيمون في مرآة برلين، وهو من صنف النزول إلى العالم السفلي. والإتروسكيون عرفوا القصّة من دلفي، التي كانت لهم بها صلة وثيقة، وكان أپولو وديونيسوس يتشاركان حرمها.

ويقول هيرودوت إنّ أوزيريس هو ديونيسوس بلسان الإغريق، وتقابل المقالة الرومانية باكّوس بأوزيريس معبوداً للخمر والموت والبعث. وفي المصريين كما في الإتروسكيين صار معبود النبات والشراب صاحباً للموتى.

نظراؤه في ميثولوجيات أخرى

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. نانسي دي غروموند وإريكا سيمون (محرّرتان)، ديانة الإتروسكيين، 2006: بونفانتي ص 11 و13 و19–21، دي غروموند ص 34 و38، سيمون ص 46 و49–50 و58–60، كراوسكوپف ص 77، كولونّا ص 138–139.

  2. ليفيوس، تاريخ روما 39.8–9.

  3. المكتبة 3.5.3.

  4. هيرودوت 2.42.

  5. معجم لين، بلّ.