ملخص
الأوني في معتقد اليابان كائنات مخيفة تأتي من العالم الآخر، من الجبل أو من وراء البحر أو من بيت الموتى، فتجلب المرض والموت، وقد تجلب البركة أيضاً. وصورتها المعروفة اليوم، بقرنين على الجبهة وأنياب في الفم وإزار من جلد النمر، صورة متأخّرة، أخذت من شياطين الجحيم في الفنّ البوذيّ.
وأقدم ظهور لها في الأخبار المكتوبة في «نيهون شوكي». ففي السنة السابعة من حكم الإمبراطورة سايمي، سنة 661، ماتت الإمبراطورة في قصر أساكورا في كيوشو، فلمّا حُمل جسدها في المساء ظهر على قمّة جبل أساكورا أوني يلبس قبّعة كبيرة، ينظر إلى موكب الجنازة، فتعجّب الناس جميعاً.
ويروي «فودوكي إيزومو»، كتاب أخبار إقليم إيزومو المكتوب سنة 733، سبب اسم قرية أيو في ناحية أوهارا: كان رجل يزرع حقلاً في الجبل، فجاء أوني له عين واحدة فأكله. وكان أبوه وأمّه مختبئين في غابة الخيزران، فتحرّكت أوراق الخيزران، فقال الرجل وهو يؤكل: «أيو، أيو»، أي إنّها تتحرّك، فسُمّي المكان أيو.
وفي «نيهون شوكي» يُسمّى أوني أيضاً الناس الذين لا يطيعون سلطان الملك، ومنهم قوم من الشمال يسمّون ميشيهاسه، خافهم الناس وتبادلوا معهم السلع دون كلام في سوق سمّوه «سوق الأوني». ويذكر الكتاب نفسه أنّ الخوخ يطرد الأوني، كما رمى إيزاناغي ثلاث خوخات على الجيش الذي لحقه من يومي، بلاد الموتى.
ثم صارت الأوني في القرون الوسطى أبطال قصص كثيرة، أشهرها قصّة شوتين دوجي، الفتى شارب الخمر، التي تُروى أوّلاً في لفافة مصوّرة من القرن الرابع عشر، ثم في حكاية قصيرة من حكايات عهد موروماتشي. وفيها كان أوني يسكن جبل أوئه في تانبا، يخرج إلى العاصمة فيخطف البنات وينهب المال، فأمر الإمبراطور القائد ميناموتو نو رايكو أن يقتله. فخرج رايكو مع أتباعه، ومنهم ساكاتا نو كينتوكي، في ثياب الرهبان الجوّالين، بعد أن حلفوا لثلاثة من الكامي منهم هاتشيمان، فلقيهم الكامي الثلاثة في صورة ثلاثة شيوخ وأعطوهم خمراً سمّوه «سمّ الأوني» وخوذة. فدخلوا الكهف، وكان شوتين دوجي فتى في النهار، فإذا جاء الليل صار أوني طوله نحو ثلاثة أمتار. فسقوه الخمر حتى سكر هو وأتباعه، فقطع رايكو رأسه، فطار الرأس في الهواء يريد رايكو، فحمته الخوذة، وأخرجوا البنات المخطوفات.
ويُطرد الأوني كلّ سنة في طقس «تسوينا»، الذي جاء من الصين في عهد تانغ وكان يقام ليلة رأس السنة: يقرأ المشاركون نصّاً للطقس، ثم يطاردون رجالاً لبسوا أقنعة الأوني بأقواس وعصيّ من خشب الخوخ. ثم انتقل إلى «سيتسوبون»، اليوم الذي قبل أوّل الربيع، ومنذ عهد موروماتشي (1392–1573) على ما يبدو يرمي الناس الفول المحمّص من أبواب بيوتهم ويقولون: «الأوني إلى الخارج، والسعادة إلى الداخل».
والفكرة التي تدور عليها هذه الأخبار أنّ الأوني هو كلّ ما يقع خارج القرية ولا يُعرف: الميت الذي لم يهدأ، والجبل الذي لا يُصعد، والغريب الذي لا يتكلّم لغة الناس، والوباء الذي لا يُرى. فيُطرد في رأس السنة ليبدأ العام نظيفاً، ويُقتل في القصص بالحيلة والخمر كما قتل سوسانو الحيّة ياماتا نو أوروتشي. لكنّ الخارج يحمل البركة أيضاً: في أعياد رأس السنة يأتي رجال بأقنعة الأوني إلى البيوت في أكيتا، ويرقص في معابد أخرى أوني يطرد الشرّ ويبارك الأرض، فالأوني يُخاف ويُعبد معاً، وهذا ما يجعله من الكامي في بعض صوره، ويجعل طرده من الماتسوري. موسوعة الشنتو، أوني.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ مقالات المشروع لا تقرأ الأوني. الحرف الصينيّ 鬼 يُقرأ في الصين بمعنى روح الميت، وفي اليابان قُرئ أوني. ويقول معجم «وامْيوشو» من القرن العاشر: «قيل إنّ أوني تحريف لكلمة 隠 «أُون»، أي المختفي، لأنّ الأوني يختفي ولا يريد أن يظهر بصورته». وهذا في العربية «الجنّ»: يقول معجم لين إنّ جنّه الليل ستره وغطّاه، وإنّ الجنّ سُمّوا بذلك لأنّهم يُخافون ولا يُرون. ومن أخت الكلمة «الكِنّ»: الموضع الذي يُستتر فيه كالكهف، وما يُغطّى به الشيء. فالمعنى واحد في اللسانين: الكائن المخوف الذي لا يُرى. والنون نون، والجيم أو الكاف تسقط في أوّل الكلمة كما تسقط حروف هذا المخرج في جداول مشروع جذور.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | المصدر | المعنى |
|---|---|---|---|
| 鬼 | أوني | اليابانية | الأوني |
| 鬼 | غْوَيْ | الصينية | روح الميت، الشبح |
| 隠 | أُون | اليابانية، من الصينية | المختفي |
| جِنّ، جَنَّه | العربية | الجنّ؛ ستره | |
| كِنّ | العربية | المستتر، الكهف، الغطاء |
يقول معجم باكستر وساغار للصينية القديمة إنّ الحرف 隱 «يِين» بمعنى أخفى كان يُنطق في الصينية الوسطى ʔɨnX «إِنْ» بهمزة في أوّله، وفي الصينية القديمة بهمزة ونون. ومن هذه الكلمة جاءت 隠 on «أُون» في اليابانية. فإن صحّ قول «وامْيوشو» كانت أوني كلمة صينية الأصل، زيدت عليها الياء.
والقراءة العربية تقابل النون بالنون، وتقرأ همزة الصينية في موضع الجيم أو الكاف العربية الساقطة. ويجمع لين في جذر جنّ معاني الستر كلّها: جنّ الليل، والجنين المستتر في البطن، والجنان أي القلب لأنّه مستتر في الصدر، والجنّ لأنّهم لا يُرون. ويقول إنّهم سُمّوا كذلك في الجاهلية لأنّهم استتروا عن العيون. وهذا ما يقوله «وامْيوشو» عن الأوني.
وحدّ القراءة أنّ الكلمة مرّت بالصينية، والهمزة الصينية ليست من مخرج الجيم ولا الكاف، وأنّ «وامْيوشو» يذكر الاشتقاق قولاً من الأقوال، وأنّ نصوص القرن الثامن تقرأ الحرف 鬼 «شيكو» أو «مونو»، فلا ترد أوني في معجم اليابانية القديمة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الأوني والقرنان
يقول معجم هيبونشا الصغير إنّ صورة الأوني بقرنَي الثور وأنياب النمر وإزار من جلد النمر جاءت من مذهب الين واليانغ: جعل أهله الشمال الشرقيّ، جهة الثور والنمر في دائرة الأبراج الصينية، «باب الأوني» الذي تجتمع منه الشياطين. وتقول موسوعة نيبونيكا إنّ الصورة أخذت أيضاً من شياطين الجحيم في الكتب البوذية، ومن الراكشاسا الهنود الذين صاروا في اليابان «راسيتسو».
أوني المسرح
يقول زيامي، مؤسّس مسرح النو، في كتابه «فوشيكادين» إنّ الأوني على المسرح نوعان: روح غاضبة تتلبّس الإنسان، وشيطان من الجحيم. والمرأة الغيور تصير بعد موتها أوني أنثى تسمّى «هانيا».
التوازيات عبر الحضارات
رافانا ملك لانكا في «رامايانا» من الراكشاسا، الكائنات التي تغيّر صورها وتُترجم عادة بالشياطين، وقد دخلت صورتهم اليابان مع البوذية، فكانت من أصول صورة الأوني. ورافانا يخطف سيتا إلى جزيرته كما يخطف شوتين دوجي بنات العاصمة إلى جبله، ويُقتل الاثنان على يد بطل يأتي إلى حصنهما.
وفي معتقد الإسكندنافيين يعيش العمالقة في يوتنهايم، على حافّة العالم بين سور البشر والبحر، وقد بنى الآلهة سور ميدغارد في وجههم. وهم مثل الأوني يأتون من الخارج، من الجبل والبحر، ويُطردون ويُقتلون، لكنّ الآلهة يتزوّجون منهم ويأخذون حكمتهم، كما يجلب الأوني البركة في بعض صوره.