تينيا

ملخص

تينيا، ويُكتب أيضاً تين، رأس الآلهة عند الإتروسكيين وصاحب الصاعقة، ويقابله زيوس عند الإغريق وجوبيتر عند الرومان. زوجته أوني، وابنته منرفا التي خرجت من رأسه، وأبناؤه التوأمان اللذان يسمّيهما الإتروسكيون «أبناء تين»، وهما الديوسكوريان عند الإغريق. ويصوّرونه رجلاً ملتحياً أو شابّاً بلا لحية، وفي يده الصاعقة.

ولم تصلنا لتينيا قصيدة تحكي مولده أو حربه. نعرف قصصه من المرايا البرونزية المنقوشة، ومن أخبار الرومان عن «علم الإتروسكيين» في العرافة. قسم الإتروسكيون السماء ستة عشر قسماً، فإذا نزلت صاعقة نظروا من أيّ قسم جاءت. ويضع مارتيانوس كابيلّا، وهو ينقل هذا التقسيم بأسماء رومانية، جوبيتر في القسم الأوّل مع مجلس الآلهة، ويجعل له بيتاً في القسم الثاني وبيتين في الثالث. والأقسام الستة عشر محفورة على حافّة كبد بياتشنزا البرونزي، والكبد نموذج لكبد خروف يقابل به العرّاف كبد الذبيحة، واسم تين على فصّه الأيمن مع أسماء آلهة السماء والضوء.

وكانت الصاعقة عندهم كلاماً من تينيا. يقول بلينيوس إنّ كتب الإتروسكيين تجعل تسعة آلهة يرمون الصواعق، وهي أحد عشر نوعاً، لأنّ جوبيتر وحده يرمي ثلاثة أنواع. ويفصّل سينيكا: الصاعقة الأولى تنذر ولا تؤذي، ويرسلها تينيا برأيه وحده. والثانية يرسلها بعد أن يدعو الآلهة الاثني عشر إلى مجلسه، وهي تنفع أحياناً لكنّها لا تنفع إلّا ومعها ضرر. والثالثة لا يرسلها إلّا بعد أن يستشير آلهة يسمّونها «العليا المحجوبة»، لأنّها تهدم ما تصيبه وتغيّر حال الأفراد والمدن، فالنار لا تترك شيئاً على ما كان. ويقول سينيكا إنّ الإتروسكيين جعلوا الصواعق من جوبيتر لأنّه لا يجري شيء من غير إذنه.

وفي المرايا يمسك تينيا الصاعقة ليقضي بين غيره. على مرآة في الفاتيكان من نحو 470 ق.م يقف وفي يديه صاعقتان من نوعين، وأمامه أمّان تتوسّلان: ثيسان، ربّة الفجر، وهي إيوس عند الإغريق، أمّ ممنون، وثيثيس، وهي ثيتيس أمّ أخيل، فهو يزن مصير البطلين قبل أن يتقاتلا. وعلى جرّة إتروسكية في المتحف البريطاني يتشاجر هرقل، واسمه عندهم هِرْكْلِه، مع أوني، هو بهراوته وهي برمحها، وتقف منرفا خلفه، ويقف تين خلفها والصاعقة في يده، ويمسك ذراع زوجته. وفي نقش برونزي من عربة في بيروجا يرمي صاعقتين بين الخصمين فلا تصيبان أحداً، لأنّهما علامة إرادته، كما يرمي زيوس في آخر «الأوديسة» صاعقة تسقط أمام أثينا حين يندفع أوديسيوس على أهل إيثاكا، فيتوقّف القتال.

ومع تينيا تقف أوني ومنرفا. يقول خبراء «العلم الإتروسكي» بحسب سِرْفِيُوس إنّ مؤسّسي المدن الإتروسكية لم يعدّوا المدينة مدينة صحيحة حتى تكون لها ثلاثة أبواب وثلاثة طرق وثلاثة معابد، لجوبيتر وجونو ومينرفا. وأكبر شاهد على هذا الثالوث في روما نفسها: معبد الكابيتول الذي أتمّه الملك الإتروسكي تاركوينيوس المتكبّر، ودُشّن في أوّل سنة من الجمهورية، 509 ق.م، وفيه الثلاثة. ولأوني ومنرفا صفحتان في هذه الموسوعة باسميهما الرومانيين: جونو ومينرفا. وفي ميناء بيرجي ذكرت النقوش تينيا زوجاً لأوني، حيث سمّاها النصّ الفينيقي عشتروت. سرفيوس، شرح «الإنيادة» 1.422، جوفاني كولونا، «العمارة المقدّسة»، ص 155، سيمون، ص 47.

وكان تين أيضاً حارس الحدود. ثلاثة أحجار حدود وجدت في تونس، نصبها مستوطنون إتروسكيون، مكتوب عليها: «حدود الدردانيين. لتين». وفي نبوءة وِيغُويَا، العرّافة التي حفظ الرومان كتبها في البرق، أنّ جوبيتر لمّا أخذ أرض إتروريا لنفسه أمر أن تُقاس الحقول وتُعلَّم الأراضي، لأنّه يعرف طمع الناس، وأنّ من يحرّك حجر الحدّ ليزيد أرضه وينقص أرض جاره تعاقبه الآلهة بالمرض والجراح، وتضرب زرعه العواصف والبرد.

والفكرة التي تدور عليها أخبار تينيا أنّه صاحب الحكم. صاعقته حكم يصدر بعد مشورة، وثقل الحكم على قدر من يُستشار: وحده للإنذار، ومع الاثني عشر لضربة فيها نفع وضرر، ومع الآلهة المحجوبة للهدم. واسمه مكتوب على حدود الحقول، فمن تعدّاها لقي العقوبة. وهو على المرايا قاضٍ يفصل بين الآلهة ويصالحهم. وفي مجلس الآلهة رئيس لا يقضي في الأمر الكبير وحده، وصاعقته، بين صور إله العاصفة عند الأمم، علامة إرادة أكثر منها سلاح حرب.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: صيغة الإضافة tinś «تِينْش» تعني «لتين»، فالاسم Tin «تِين»، والياء والألف في Tinia «تِينْيَا» زيادة. والكتابة الإتروسكية لا حرف فيها للدال، فتكتبها تاءً: Adonis «أَدُونِيس» الإغريقي صار عندهم Atunis «أَتُونِيس». فقد تكون تاء تين دالاً، فيكون الاسم «دِين» العربية. والدين في معجم لين الحكم والقضاء والشريعة، و«دِنْتُه» سُسْتُه وحكمته وملكت أمره، و«دين الملك» في قصّة يوسف حكم ملك مصر، والديّان القاضي. فتينيا على هذه القراءة الحاكم الذي يقضي، وهذا ما تجعله الأخبار: صاعقته قضاء بعد مشورة، واسمه على حدود الأرض. وهي قراءة مقترحة على المنهج، ومن المادّة نفسها تقرأ المقالة الرومانية اسم ديانا «الدَّيّان».

الجذر اللغوي

تين و«الدين»

الصيغة النطق الموضع
Tinia تِينْيَا الاسم في المرايا والنقوش
Tin تِين الصيغة القصيرة، على كبد بياتشنزا وفي تقويم كابوا
tinś تِينْش الإضافة، «لتين»، على أحجار الحدود في تونس
tinścvil تِينْشْكْوِيل «هديّة لتين»، على ساق تمثال الكيميرا من أريتسو
Tinas Cliniar تِينَاس كْلِينِيَار «أبناء تين»، الديوسكوريان

في معجم لين: الدِّين الحكم والقضاء، وهو أيضاً الشريعة والطاعة والجزاء، و«دِنْتُه» حكمته وسُسْته، وملكته وكان لي عليه سلطان، و«دَيَّنْتُه القوم» جعلته يلي أمرهم. ويشرح لين «في دين الملك» في سورة يوسف بحكم ملك مصر وقضائه. والأسرة في أخوات العربية واحدة: الديّان القاضي في العبرية والآرامية والأكدية، كما تذكر صفحة ديانا. معجم لين، دين.

والمقابلة الصوتية: الإتروسكيون أخذوا حروفهم من الإغريق، ولم يستعملوا الدال ولا الباء ولا الجيم، فكتبوا الدال تاءً، فصار أدونيس أتونيس، وصار أوديسيوس عندهم أوثوزه بثاء مكان الدال. والتاء والطاء والذال والظاء في جداول مشروع جذور مجموعة واحدة تصير في اللغات الأوروبية تاءً أو دالاً. فالتاء الإتروسكية تحتمل أن تكون دالاً أو تاءً أو طاءً. والنون نون، والياء الطويلة بعد التاء تقابل ياء «دِين».

وإذا كانت التاء طاءً فالاسم «طَنّ»، وفي معجم لين طنّ الشيء إذا صوّت صوتاً ممتدّاً، والطنين صوت الشيء الصلب يُقرع، وهو قريب من الرعد الذي يصحب الصاعقة، وبهذه المادّة تقرأ هذه الموسوعة كلمة الرعد في اسم ثور. لكنّ أخبار تينيا تجعل الصاعقة حكماً ومشورة أكثر ممّا تجعلها صوتاً، فالدين أقرب إلى ما يفعله. والحدّ الذي يبقى: الإتروسكية لغة لا تُعرف أسرتها، ولم يصلنا شرح إتروسكي لكلمة tin «تِين»، فالقراءة مقترحة على المنهج.

الإله والآلهة في المقالة الرومانية

لا تقرأ المقالة الرومانية اسم تينيا، لكنّها تقرأ كلمة الإتروسكيين للإله، ais «أَيْس»، وجمعها aiser «أَيْسِر»، من «إيل» السامي، وتعدّ المقابلة راجحة جداً. وتجعل الإتروسكيين الوسطاء الذين حملوا إلى روما ما أخذوه من الفينيقيين. وتينيا رأس هؤلاء الآلهة، والآلهة الاثنا عشر الذين يستشيرهم في الصاعقة الثانية مجلس من الـaiser «أَيْسِر» نفسها.

السرديات الأسطورية الرئيسة

نبوءة ويغويا

تبدأ النبوءة التي نقلها مسّاحو الأراضي الرومان بقولها: «اعلم أنّ البحر فُصل عن السماء»، ثم تذكر أخذ جوبيتر أرض إتروريا وقسمته الحقول. وقد سلّمتها العرّافة إلى رجل اسمه أرّونس وِلْتِيمْنُوس، ويرى بعض الباحثين في اسمه اسم وِلْتُونِه، الذي يقف ملتحياً برمحه على مرآة من توسكانيا، ويرون فيه اسماً آخر لتينيا. وعلى مرآة أخرى من فيتولونيا تظهر العرّافة نفسها مجنّحة، واسمها لاسا وِكُوفِيَا، تحت صورة تينيا والصاعقة في يده.

الشاهد على التبنّي

وعلى مرآة من فولتيرا ترضع أوني هرقل وقد صار رجلاً، والنقش يقول: «هذه الصورة تبيّن كيف صار هرقل ابن أوني»، ويقف أربعة آلهة شهوداً، منهم شيخ يحمل حربة أو صاعقة، قد يكون نثونس، وهو نبتون، وقد يكون تينيا، يشير إلى لوح مكتوب. فالخصمان اللذان فرّق تينيا بينهما بالصاعقة صارا أمّاً وابناً.

ما احتفظ به الرومان

يقول بلينيوس إنّ الرومان لم يحفظوا من الآلهة التسعة الرامين للصواعق إلّا اثنين: جوبيتر لصواعق النهار، وسُمّانُوس لصواعق الليل. ويسخر شيشرون من تقسيم السماء ستة عشر قسماً، ويقول إنّه سهل: ضاعفوا الجهات الأربع ثم ضاعفوها، ثم يسأل ما الفرق في جهة الصاعقة وما الذي تدلّ عليه.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة الرومانية في هذا المشروع العرافة الإتروسكية رصداً للطبيعة: لون الكبد يدلّ على صحّة الحيوان، وصحّة الحيوان على صحّة المرعى، فالكبد السليم بيئة سليمة وقرار آمن. وتينيا في هذا النظام صاحب العلامات كلّها: جهة الصاعقة في السماء، وموضعه على حافّة الكبد، وحدّ الحقل في الأرض. وكلّ علامة منها تنتهي إلى قرار بشري: أن تحارب المدينة أو تؤجّل، أن يُعاد الحجر إلى مكانه، أن تُقدَّم القربان. ونبوءة ويغويا تجمع الطبيعة والحقّ في جملة واحدة: من يحرّك الحدّ يضرب البرد زرعه.

التوازيات عبر الحضارات

يرمي زيوس الصاعقة ويرأس الآلهة، وتولد أثينا من رأسه كما تولد منرفا من رأس تينيا، وتنتهي «الأوديسة» بصاعقة يرميها فيتوقّف القتال، وهي الصورة نفسها على نقش بيروجا. ويأخذ جوبيتر الروماني مكان تينيا في معبد الكابيتول، ومعه جونو ومينرفا. أمّا المجلس الذي يستشيره قبل الصاعقة الكبيرة فيقابله مجلس إيل في أوغاريت، حيث يجلس الأب على رأس الآلهة ويُعرض عليه الأمر، كما في مجلس الآلهة. ويقابل حكمه على الحدود صاحب الحدود الروماني ترمينوس، الذي رفض أن يترك موضعه حين بُني معبد الثالوث على الكابيتول.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. نانسي توماسون دي غروموند وإريكا سيمون (محرّرتان)، «ديانة الإتروسكيين»، 2006: بونفانتي ص 10–15، ودي غروموند ص 27–31 و40–41، وسيمون ص 45–61، وإدلوند بيري ص 117–118، وكولونا ص 155، والملحق ب ص 191–200.

  2. بلينيوس، «التاريخ الطبيعي» 2.138 و2.143، سينيكا، «مسائل طبيعية» 2.41 و2.45، شيشرون، «في العرافة» 2.42، سرفيوس، شرح «الإنيادة» 1.422، «الأوديسة» 24.

  3. معجم لين، دين وطنّ.

  4. إريكا سيمون، «مجمع المعبودات الإتروسكي»، ص 45 و54 و59–60
  5. مارتيانوس كابيلّا 1.45–61، في الملحق ب، ص 199–200
  6. لاريسا بونفانتي، «النقوش الإتروسكية والديانة الإتروسكية»، ص 10–11
  7. نانسي دي غروموند، «الأنبياء والكهنة»، ص 40–41
  8. سيمون، ص 51
  9. جوفاني كولونا، «العمارة المقدّسة»، ص 155
  10. سيمون، ص 47
  11. بونفانتي، ص 14
  12. نبوءة ويغويا، في الملحق ب، ص 191–192
  13. بونفانتي، ص 11 و14–15
  14. سيمون، ص 54
  15. سيمون، ص 50 و57
  16. دي غروموند، ص 27
  17. دي غروموند، ص 29–31
  18. إدلوند بيري، «المكان الشعائري والحدود»، ص 117–118