ملخص
توران ربّة الحبّ والجمال عند الإتروسكيين، تقابلها أفروديت عند الإغريق وفينوس عند الرومان. وهي مع أوني ومنرفا من أعظم ربّاتهم، واسمها إتروسكي أصيل لم يأخذوه من جيرانهم، كما أخذوا أوني من جونو ومنرفا من مينرفا. كانت أعيادها في الصيف، ويقال إنّ شهر يوليو عندهم، تْرانيوس، سُمّي باسمها. وقد تُرسم مجنّحة، وابنها تُورْنو، وهو إيروس عند الإغريق، ومعها خادمات مجنّحات يسمّين لاسا.
وقصصها مرسومة على المرايا البرونزية، وكانت المرايا تُهدى للعروس، وتُدفن مع النساء. وأكثر ما يُرسم معها أتونيس، وهو أدونيس الإغريقي، الفتى الجميل الذي أحبّته. على مرآة وُجدت سنة 1989 قرب أورڤييتو تقف توران وفي يدها عجلة الحبّ، ويقف أتونيس بجانبها، وابنها تورنو يلعب بالعجلة نفسها بجانب أبولو. وعلى مرآة في متحف الأرميتاج يجلس الحبيبان ومعهما إوزّة كبيرة وربّة مجنّحة، وحولهما فتيان وفتيات مجنّحون من خدم توران. وكانت لأتونيس عبادة مع توران في غراڤيسكا، ميناء تاركوينيا، منذ أواخر العصر العتيق. وأتونيس فانٍ كالنبات والزهر، عيده في عزّ الصيف، في يوليو، الشهر المسمّى باسم توران، ثم يمضي إلى العالم السفلي، فتقع الربّة العظيمة بحبّها له تحت قانون الزمن والموت.
وعلى مرآة في برلين تقف ربّة القدر المجنّحة، وتسمّى أثْرْپا من اسم أتروپوس الإغريقية، تدقّ مسماراً بمطرقة، وعلى جانب منها ميلياغر وأتالانتا، وعلى الجانب الآخر توران وأتونيس، وفوقهم رأس خنزير برّي. فالزوجان كلاهما مرّا بصيد خنزير قاتل، وفرّق الموت بين كلّ حبيبين. والمسمار عند الإتروسكيين علامة القدر الذي لا يُردّ، وكانوا يدقّون كلّ سنة مسماراً في معبد نورتيا في ڤولسينيي يعدّون به السنين.
ولتوران مكانها في قصّة طروادة كما رسمها الإتروسكيون. في حكم باريس، واسمه عندهم إِلكسنتره، تفوز توران، لكنّ مرآة في متحف جامعة إنديانا تجعلها جالسة كعروس، وتأتيها أوني ومنرفا الخاسرتان كما تأتي الصديقات العروس. وعلى مرآة في المتروبوليتان من أوائل القرن الرابع ق.م باريس وتوران وهيلين، واسمها عندهم إلِيناي. وعلى مرآة من كايري في المتحف البريطاني، من 330–300 ق.م، يمسك مِنْلِه، وهو مينيلاوس، هيلين وهي متعلّقة بتمثال أثينا، وتقف توران خلفها، وتمسك ثيتيس ذراعه التي فيها السيف. فالربّة التي أعطت باريس هيلين تقف خلفها حين يأتي زوجها ليأخذها. وعلى مرآة أخرى في المتحف البريطاني تُزيَّن امرأة جالسة، تصلح خادمة زينة رأسها وتمسك أخرى مرآة، وتوران تنظر.
وزوجها لاران، إله الحرب عند الإتروسكيين، وهو مارس. على مرآة في برلين يقفان مع منرفا وطفلين، وعلى ناووس من توسكانيا يقف لاران وتوران زوجين متحابّين خلف مذبح. وتقرأ سيمون في ذلك صدى القصّة الطيبية عن آريس وأفروديت اللذين ولدا هارمونيا، أي الوئام، وترى أنّ ربّة إتروسكية اسمها ألپان قد تكون هي.
والفكرة التي تدور عليها صورها أنّ الحبّ يصالح ولا يحارب، لكنّه لا يملك أن يمنع الموت. تفوز توران في حكم باريس فلا تشمت بالخاسرتين، وتتزوّج إله الحرب فيكون ثمرة زواجهما الوئام. لكنّها تحبّ فتى فانياً فتراه يمضي إلى العالم السفلي، وتقف بجانب ربّة القدر وهي تدقّ المسمار. فقصّتها مع أتونيس من صور الموت والعودة، ومن صور الزواج المقدّس الذي تقترن فيه ربّة برجل فانٍ ثم يدفع الرجل الثمن. وفي بيرجي، حيث كتب ملك كايري نذره بالإتروسكية والفينيقية، قوبلت عشتروت الفينيقية بأوني، لا بتوران، مع أنّ عشتروت ربّة الحبّ في الشرق.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Turan «تُورَان» ينتهي بالنهاية التي تختم أسماء آلهة إتروسكية أخرى، Laran «لَارَان» وThesan «ثِيسَان». يبقى tur- «تُور». والإتروسكيون كتبوا الدال تاءً، وعلى مرايا توران نفسها صار Adonis «أَدُونِيس» Atunis «أَتُونِيس». فـ«تُور» هي «دُرّ» و«دَرّ» العربية. والدَّرّ في معجم لين أن يكثر اللبن ويسيل، ودرّت السماء بالمطر، ودرّت الدنيا على أهلها أي أعطتهم بسخاء. والدُّرّ اللؤلؤ الكبير، و«الكوكب الدُّرّي» الكوكب الشديد اللمعان، سُمّي بالدرّ لبياضه وصفائه وحسنه. فتوران على هذه القراءة ربّة الفيض والحسن: صاحبة شهر الصيف الذي تكثر فيه الثمار، والجميلة التي تجلس كالعروس على المرايا. وفي الإتروسكية نفسها فعل tur- «تُور» بمعنى أعطى، يكتبونه في النذور: turce «تُورْكِه» أي أعطى. وهي قراءة مقترحة على المنهج.
الجذر اللغوي
توران و«الدَّرّ»
| الصيغة | النطق | الموضع |
|---|---|---|
| Turan | تُورَان | على المرايا، بجانب صورتها |
| Turnu | تُورْنُو | ابنها، إيروس الإتروسكي |
| Traneus | تْرَانِيُوس | شهر يوليو «بلسان التوسكانيين» في الشروح اللاتينية |
| turce | تُورْكِه | «أعطى»، في النذور |
| Atunis | أَتُونِيس | أدونيس، بالتاء مكان الدال |
في معجم لين: درّ اللبن إذا كثر وسال، ودرّت الناقة بلبنها أي أعطته غزيراً، ودرّت السماء بالمطر أي صبّته، ودرّ الخراج أي كثر ريعه، و«درّ بما عنده» أي أخرج ما عنده وأعطاه، و«درّت الدنيا على أهلها» أي جادت عليهم. والدُّرّ اللؤلؤ، أو اللؤلؤ الكبير، والدُّرّة واحدته. و«كوكب دُرّيّ» الكوكب المضيء الشديد اللمعان، سُمّي بالدرّ لبياضه وصفائه وحسنه، كما يقول الفرّاء والزجّاج.
والمقابلة الصوتية: لم يكتب الإتروسكيون الدال، فكتبوها تاءً، والشاهد على ذلك في صور توران نفسها: Atunis «أَتُونِيس» لأدونيس. والدال في جداول مشروع جذور من الحروف التي تصير تاءً أو دالاً في اللغات الأوروبية. والراء راء، والراء المشدّدة في «درّ» تقابلها راء مفردة. والضمّة في tur- «تُور» تقابل ضمّة «دُرّ». و-an «ـَان» نهاية مشتركة في أسماء آلهة إتروسكية، فلا تُعدّ من الجذر.
والحدّ الذي يبقى: لم نجد في المصادر تحليلاً للاسم إلى tur- «تُور» و-an «ـَان»، ولا يقول أحد إنّ اسمها من فعل العطاء tur- «تُور»، وإنّما نذكره لأنّ صوامته صوامت أوّل الاسم. والشهر Traneus «تْرَانِيُوس» يُنسب إليها في الدراسات الحديثة، ولا يقول النصّ اللاتيني الذي حفظ اسمه أكثر من أنّه يوليو.
المقالة الرومانية وفينوس
لا تقرأ المقالة الرومانية اسم توران، لكنّها تقرأ اسم نظيرتها اللاتينية فينوس «الأُنس» من «وَنَس»، الرفيقة التي يُؤنس بها، وتجعل عشتروت الفينيقية ربّة الحبّ التي امتصّتها فينوس. وتلتقي القراءتان في ربّة يحبّها الناس ويأنسون بها، وتفترقان في أنّ «الدرّ» فيض وعطاء، و«الأنس» صحبة وألفة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
ربّة السلام في الإنيادة
ترى سيمون أنّ توران المسالمة تعيش في فينوس «الإنيادة»، وأنّ فرجيل كان يعرف ديانة الإتروسكيين. وفي «الإنيادة» تطلب فينوس من نبتون أن يوصل أسطول ابنها إينياس سالماً، فهي تسعى لابنها بالطلب والشفاعة لا بالسلاح.
الربّة العارية في كانّيتشيلّا
وفي حرم كانّيتشيلّا في أورڤييتو تمثال رخامي لربّة عارية من أواخر القرن السادس ق.م، في هيئة الربّة الفينيقية الكبرى. وسمّاها بعض الباحثين توران، لكنّ سيمون ترى ذلك مشكلاً، لأنّ النقوش في الحرم تسمّي ربّة اسمها ڤاي، تقابل ديميتر، وكان الحرم بين القبور.
القراءة الرمزية
تجعل المقالة الرومانية في هذا المشروع فينوس «الأنس والمودّة»، الربّة التي صارت أنساً للبشر. وصور توران تعطي هذا المعنى شكلاً محسوساً: عروس تُزيَّن، وخادمات يمسكن المرآة، وعجلة الحبّ في يدها، وصديقات يزرن الفائزة. ثم يأتي الحدّ الذي لا تتجاوزه: حبيب فانٍ يمضي، ومسمار القدر يُدقّ. فالمرآة التي نُقشت عليها هذه الصور كانت هديّة عرس، وتُدفن مع صاحبتها، فتجمع في شيء واحد يوم العرس ويوم الدفن.
التوازيات عبر الحضارات
تحبّ أفروديت أدونيس عند الإغريق، وتحبّ إنانا دموزي عند السومريين، ثم ينزل الحبيب إلى العالم السفلي ويُبكى عليه. والإتروسكيون أخذوا اسم أدونيس من الإغريق، وأبقوا لربّتهم اسمها الخاص، ووضعوا الحبيبين على المرايا مع ربّة القدر. ويقابل زواج توران ولاران زواج أفروديت وآريس في القصّة الطيبية، لكنّ الإتروسكيين جعلوه زواجاً متحابّاً خلف المذبح، لا خيانة يكشفها هيفايستوس كما في «الأوديسة».