ملخص
دِيُونِيسُوس ابن زيوس من سِيمِيلِي بنت قَدْمُوس ملك طِيبَة، وهو في أساطير الإغريق ربّ الكرمة والخمر. ويروي كتاب «المكتبة» المنسوب إلى أَبُولُودُورُوس أنّ زيوس أحبّ سيميلي من غير علم هيرا، ووعدها أن يفعل لها كلّ ما تطلب. فخدعتها هيرا حتى طلبت أن يأتيها كما يأتي هيرا حين يخطبها، فجاءها في عربة بالبروق والرعود وأطلق صاعقته، فماتت من الفزع. فانتزع زيوس الجنين، وهو ابن ستّة أشهر، من النار، وخاطه في فخذه حتى تمّ، ثم ولده وأعطاه هرمس، فحمله هرمس إلى خالته إِينُو وزوجها أَثَامَاس. فأصابتهما هيرا بالجنون، فحوّل زيوس الطفل جدياً، وحمله هرمس إلى حوريات نِيسَا فربّينه.
وكبر ديونيسوس فوجد الكرمة، فأصابته هيرا بالجنون، فطاف في مصر والشام حتى بلغ فْرِيجِيَا، فطهّرته رِيَا وعلّمته الطقوس، فمضى بها في البلاد. فلمّا بلغ تْرَاقِيَا طرده لِيكُورْغُوس ملكها، فأصابه ديونيسوس بالجنون، فضرب ابنه بالفأس يظنّه غصن كرمة يقلّمه. المكتبة 3.5.1. ثم عاد إلى طيبة مدينة أمّه، كما في مسرحية «البَاخُوسِيَّات» ليُورِبِيدِيس: كانت أخوات أمّه قد زعمن أنّ سيميلي حملت من رجل من البشر ونسبت خطيئتها إلى زيوس، فعاقبهنّ بالجنون وأخرجهنّ مع نساء طيبة إلى الجبل. ورفض ملك المدينة بنثيوس «پِنْثِيُوس»، ابن أخت سيميلي، عبادته وقبض عليه، فانتهى الأمر بأن مزّقت بنثيوسَ أمُّه أَغَاوِي ورفيقاتها في الجبل وهنّ لا يعرفنه.
والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّه الابن الذي أُنكر نسبه، فهو يطوف حتى يعترف الناس به. وُلد مرّتين، من أمّ ماتت ومن فخذ أبيه، وطاردته هيرا من بيت إلى بيت، وأنكرته أسرة أمّه نفسها. فمن قبله أخذ منه الكرمة والخمر وطقوسها، ومن ردّه أصابه بالجنون حتى يقتل ولده بيده، كما فعل ليكورغوس بابنه وأغاوي بابنها. فالخمر التي يحملها نعمة لمن عرفه، وذهاب للعقل على من أنكره.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Διόνυσος / Diónysos «دِيُونِيسُوس» ينتهي باللاحقة اليونانية -os «ـوس»، فإذا رفعناها بقي «ديونس». وفيه «الدَّنّ»، وهو في العربية جرّة الخمر الكبيرة التي يُحفظ فيها الشراب حتى يختمر، وفيه «دَنَّسَ»، أي لطّخ وأزال الطهارة. فديونيسوس على هذه القراءة صاحب الدنّ، ربّ الخمر المخزونة في الدنان، وهو الذي تخرج عبادته الناس عن حدودهم المألوفة، كما خرجت نساء طيبة إلى الجبل. ويذكر المقال في موضع آخر «ديّان نيسان»، أي سيّد شهر الربيع، قراءةً ثانية.
الجذر اللغوي
| الصيغة | القراءة العربية | ما تبيّنه |
|---|---|---|
| di-wo-nu-so | دِي-وُ-نُ-سُ | الصيغة الميسينية على لوح من خَانْيَا |
| di-wo-nu-so-jo | دِي-وُ-نُ-سُ-يُ | صيغة إضافة على لوح من بِيلُوس، ومدلولها مختلف فيه |
| Διόνυσος / Diónysos | دِيُونِيسُوس | الصيغة اليونانية في الرفع |
| Διόνυσε / Diónyse | دِيُونِيسِ | النداء، بلا السين الأخيرة |
تسقط سين الرفع في النداء، لكنّ المقاطع الميسينية تبقي الدال والواو والنون والسين داخل الاسم، والكتابة المقطعية لا تعطي كلّ حركة نطق بها المتكلّم. والحرف اليوناني υ «أُپْسِيلُون» حركة هنا، لا ياء.
الدنّ ودنّس
يسجّل معجم لين «الدَّنّ» جرّةً كبيرة للخمر، من الراقود المطليّ داخله بالقار، و«دنّس الثوبَ» أي وسّخه، ومنه «دنّس عِرضه». ويختار المقال الإغريقي في هذا المشروع «دنّ» و«دنّس» في جدول مقارنته، ويعدّهما أقوى ما وجد من مقابلة بين صوت الاسم ووظيفة صاحبه: الدنّ وعاء الخمر، و«دنّس» تعدّي الحرمات الذي قامت عليه طقوسه. والدال والنون فيهما هما الدال والنون في Diónysos «دِيُونِيسُوس»، والسين في «دنّس» تقابل السين قبل اللاحقة. ويبقى بعد ذلك أن يفسَّر المقطع di-wo «دِي-وُ» الذي يسبق النون في الصيغة الميسينية.
ذو النسوس وديّان نيسان
ويقترح المقال في موضعين آخرين «ذو النسوس» و«ديّان نيسان». فأمّا «ذو النسوس» فيجعل أوّل الاسم «ذو»، أي صاحب، وهي القراءة التي قُرئ بها اسم زيوس نفسه؛ والمقطع di-wo «دِي-وُ» في أوّل di-wo-nu-so «دِي-وُ-نُ-سُ» يوافق كتابة اسم زيوس di-wo «دِي-وُ» على ألواح بيلوس. لكنّ «النسوس» لم نجده لفظاً عربياً مستقلاً. وأمّا «ديّان نيسان» فمعناه قاضي شهر نيسان أو سيّده، ونيسان شهر الربيع في التقويم السامي، ويحتاج إلى تفسير الواو الميسينية ونوني «نيسان» بإزاء نون يونانية واحدة؛ ودورة الموت والعودة مع الفصول التي يبني عليها المقال هذه القراءة لا تذكرها النصوص الديونيسية المذكورة هنا.
السياق التاريخي
تشهد الألواح الميسينية للاسم في العصر البرونزي، ثم تعطيه الأناشيد والمسرح الأثيني قصصاً مختلفة. يروي النشيد 26.1–13 أنّ حوريات نيسا ربّينه. وتعود «الباخوسيات» ليوربيديس إلى أواخر القرن الخامس ق.م، و«المكتبة» إلى العصر الروماني. أمّا حرب الهند فتبرز في «الدِّيُونِيسِيَّات» لنُونُوس، وهي ملحمة متأخّرة من القرن الخامس الميلادي تقريباً يأمر فيها زيوس بالحملة وبتعليم الرقص والكرمة.
| الصلة | الشاهد والفعل |
|---|---|
| زيوس وسيميلي والداه | ينقذ زيوس الطفل بعد موت سيميلي؛ وتدفع دعوى ديونيسوس بهذا النسب نزاع طيبة. «الباخوسيات» 1–42، 88–104 |
| حوريات نيسا حاضناته | يربّينه ثم يتبعنه، وهنّ لسن والديه. النشيد 26.1–13 |
| بنثيوس ملك طيبة خصمه | يحاول ضبط طقوسه والنساء المشاركات فيها. «الباخوسيات» 215–265 |
وتنقل العبادة القصّة إلى ممارسة عامّة. تصف «الباخوسيات» نساءً يحملن العصيّ المكلّلة باللبلاب ويلبسن جلود الظباء ويخرجن إلى الجبل. وفي أثينا كانت المسرحيات الجديدة تُعرض في أعياد ديونيسوس، واستعملت مجالس الشراب أوعية للخلط والصبّ والشرب، كثرت عليها صور المعبود وأتباعه أو المجلس نفسه.
السرديات الأسطورية الرئيسة
تفاصيل «الباخوسيات»
يدخل ديونيسوس طيبة متنكّراً في صورة رجل من أتباعه. يفلت من القيد الذي وضعه فيه بنثيوس، ثم يغري الملك بأن يلبس ثياب امرأة ويتسلّل إلى الجبل ليرى النساء. وبعد القتل تعود أغاوي إلى المدينة تحمل رأس ابنها وهي تظنّه رأس أسد، ولا تعرفه حتى يردّها أبوها قدموس إلى وعيها.
القراصنة
وفي النشيد الهوميري السابع يأسر قراصنة ديونيسوس طمعاً في الفدية. لا تثبت القيود في يديه، ويجري الخمر على السفينة، وتصعد الكرمة واللبلاب في الصاري، ثم يظهر أسداً. يقفز القراصنة إلى البحر فيصيرون دلافين، وينجو قائد الدفّة الذي حذّرهم.
القراءة الرمزية
تمرّ الخمر بعمل الزارع والعاصر والخزّاف والناقل والمضيف. تُرعى الكرمة ويُقطف العنب ويُعصر، ثم يُحفظ الشراب في وعاء ويُراقب من الفساد قبل خلطه وتوزيعه في مجلس الشرب. لذلك تصل عبادة ديونيسوس الزراعة بصناعة الأوعية والتجارة وقواعد الاجتماع.
تنقل الولادة من الفخذ الحمل من جسد سيميلي بعد موتها إلى جسد زيوس حتى يكتمل نموّ الطفل. وتقارن المقالة اليونانية هذه الحماية بتحوّل العصير في جرّة مختومة، وهي مقارنة بالحفظ داخل وعاء، والمأساة تتناول أيضاً موت الأمّ ونسب الطفل ومن يملك إعلان ذلك النسب.
يتخمّر العصير في الوعاء، ويؤثّر الشراب بعد ذلك في حال شاربه. تضع المقالة هذين التغيّرين بجوار الجنون الذي يفرضه ديونيسوس في «الباخوسيات»، لكنّ أثر الخمر لا يفسّر الفعل المسرحي كلّه. وللكرمة مواعيد تقليم وتبرعم وإزهار وقطاف، ثم يبدأ العصر والتخمير؛ ولا تجعل النصوص الديونيسية هذه الأعمال دورة موت وعودة ثابتة المدّة.
التوازيات عبر الحضارات
ودخل ديونيسوس روما باسم باكّوس، فجمعه الرومان إلى معبود إيطالي قديم هو ليبر باتر، أي «الأب الحرّ»، وجعلوا له عيد الليبراليا في 17 مارس. ويقرأ المقال الروماني اسم باكّوس بـ«بَخّ» أو «بكى»، ويُقدَّم في مقالة باكّوس «البكاء»، الصوت العالي الذي يرافق طقسه، لأنّ معجم هسيخيوس يحفظ أنّ الفينيقيين يسمّون النحيب bakkhon «باكْخُون»، كما يُقرأ ديونيسوس بـ«الدنّ».
تتّصل ديميتر بإنبات القمح وحصاده، وتتّصل أعمال ديونيسوس بعصر العنب وحفظ الشراب ونقله وتقاسمه. يربط الأوّل الطعام بزراعة الحقل، ويربط الثاني محصول الكرمة بالأوعية ومجلس الشرب.
وتُعصر سوما وتُصفّى وتُقدَّم في المناسبة المقدّسة، فيقابل عمل معدّيها عصر العنب وحفظ الخمر وتوزيعها. لكنّ النبات الذي أُعدّت منه سوما غير محسوم، فلا يجعلها هذا التشابه عنباً.
وتحفظ خاتمة «نزول إنانا» المكسورة، وهي قصّة نزول إنانا إلى العالم الأسفل، قسمةً بين دموزي وأخته جِشْتِينَانَا تقرؤها المادّة نصف عام لكلّ منهما. تقارن القراءة هذا النمط بمواعيد الكرمة في السنة، ولا تنسب إلى ديونيسوس رواية نصف عام لا يشهد لها النصّ الديونيسي.