ملخص
دِلْفِي مقام أبولو على سفح جبل پَرْناسوس في وسط بلاد اليونان، واسمه الأقدم پيثو، وفيه كان أشهر وحي عند الإغريق: امرأة تُسمّى الپيثيا تجلس على حامل ثلاثي فوق شقّ في الأرض، وتنطق بجواب المعبود لمن يسأله. وتذكره «الإلياذة» مكاناً للكنز، فيقول أخيل إنّ الحياة لا يعدلها شيء، ولا كلّ ما تحويه العتبة الحجرية لأبولو الرامي في پيثو الصخرية.
وأتمّ خبر لتأسيسه في «النشيد الهوميري إلى أبولو». يطوف أبولو البلاد يطلب موضعاً يبني فيه معبداً يكون وحياً للناس، فيبلغ نبع تِلْفوسا ويبدأ البناء، فتخاف الحورية أن يذهب المعبد بمجدها، فتصرفه بحيلة: هنا تكثر الخيل والبغال على مائها فلا يهدأ معبدك، فابنِ عند كْرِيسا تحت پرناسوس. فيمضي إلى هناك، ويضع الأساس، ويضع عليه تْرُوفونيوس وأَغاميدِس عتبة من حجر. وكان قرب الموضع نبع حلو الماء تسكنه تنّينة عظيمة تفتك بالناس وماشيتهم، هي التي ربّت تِيفاوْن، ابن هيرا الذي ولدته غضباً حين أنجب زيوس أثينا من رأسه، وتخبر صفحة تايفون بخبره. فيرميها أبولو بسهم فتتلوّى وتلفظ حياتها في الدم، فيقول: تعفّني هنا على الأرض التي تطعم الناس، فتُعفّنها الشمس، «ولذلك يُسمّى المكان اليوم پيثو، ويسمّي الناس الربّ پيثيوس، لأنّ قوّة الشمس عفّنت الوحش هناك». ثم يرجع إلى تلفوسا فيدفن نبعها تحت الصخور.
ويروي پاوسانياس أنّ الوحي كان قبل أبولو للأرض، غايا، وكانت الحورية دافْنيس كاهنتها، ثم أعطته الأرض لثيميس فأعطته ثيميس لأبولو، وأنّ أوّل كاهنة لأبولو فيمونوي، وهي أوّل من غنّى الشعر السداسي، وأنّ أقدم معبد هناك بُني من أغصان الغار. ويصف سْتْرابون كيف يجري الوحي: كهف عميق ضيّق الفم يصعد منه نَفَس يبعث الوجد، وفوق الفم حامل ثلاثي عالٍ تجلس عليه الپيثيا فتتلقّى النَّفَس وتنطق شعراً ونثراً، ويصوغ شعراء المعبد نثرها شعراً. ويقول إنّ الناس سمّوا دلفي «سُرّة الأرض»، ورووا أنّ زيوس أطلق نسرين من المشرق والمغرب فالتقيا هناك، وإنّ في المعبد حجراً على هيئة السُّرّة ملفوفاً بالعصائب وعليه صورتا الطائرين.
وأشهر من سأله كْرُويسوس ملك ليديا. أراد أن يحارب الفرس، فامتحن الوحي أوّلاً: أرسل رسلاً إلى دلفي ودودونا ووحي آمون في ليبيا وغيرها، وأمرهم أن يسألوا في اليوم المئة: ماذا يصنع كرويسوس الآن؟ فأجابت الپيثيا قبل أن يتمّ الرسل سؤالهم: «أعرف عدد حبّات الرمل ومدى البحر، وأفهم الأبكم وأسمع من لا صوت له، وقد بلغتني رائحة سلحفاة صلبة الدرع تُطبخ في قِدر مع لحم حمَل، تحتها نحاس وفوقها نحاس». وكان كرويسوس قد قطّع سلحفاة وحملاً وطبخهما في قدر من نحاس عليها غطاء من نحاس. فأرسل إلى دلفي ذهباً كثيراً، ثم سأل: هل يخرج على الفرس؟ فقيل له: إن خرج على الفرس هدم ملكاً عظيماً. ثم سأل: هل يدوم ملكه؟ فقيل: إذا ملك الميديين بغل فاهرب. فخرج فهُدم ملكه هو.
والفكرة التي يدور عليها هذا كلّه أنّ الجواب يخرج من الأرض ويحتاج إلى من يفهمه. فالموضع يُبنى حيث قُتلت قوّة من قوى الأرض وتُركت تتعفّن، ويُقرأ الغيب من نَفَس يصعد من شقّ تحت المعبد، وتنطقه امرأة لا يُحاسَب لسانها. والجواب صادق، لكنّه لا يُغني عن السؤال الثاني: يعرف المعبود ما في القِدر، ويقول لكرويسوس كلاماً يحتمل وجهين، فإذا هلك قالت الپيثيا إنّ الذنب ذنبه لأنّه لم يسأل أيّ الملكين يهدم. والقصّة من العرافة والوحي عند الشعوب، حيث يُطلب الغيب قبل العمل ويُدفع ثمنه هدايا.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Πυθώ / Pythō «پِيثُو»، والپيثيا Πυθία / Pythia «پِيثِيَا»، إذا رفعنا اللاحقتين اليونانيتين بقي «پِث»، وهو «بَثّ»، الباء پاء في اليونانية، والثاء ثاء كما في جدول قوانين مشروع جذور. وفي معجم لين: بثّ الخبر نشره، وبثّ السرّ وأبثّه كشفه، وأبثثته ما في نفسي أظهرته له، وبثبث التراب أثاره وكشف ما تحته، وبثبث الأمر سأل عنه وفحصه وطلب خبره. فالمادّة تجمع السؤال والجواب معاً، وهذا ما يقوله سترابون حين يشتقّ الاسمين من فعل «سأل الوحي». فپيثو على هذه القراءة الموضع الذي يُسأل فيه عن المستور فيُبثّ، يُكشف من شقّ في الأرض على لسان امرأة. أمّا Δελφοί / Delphoi «دِلْفُوي» فنقرؤه «دَلَفَ»: تقدّم ودنا، يقال دلف إليه أي قرب منه، وفي المادّة نفسها في معجم لين «الدُّلْفين»، الحوت الذي يُنجّي الغريق، وفي النشيد يركب أبولو سفينة الكريتيين في صورة دلفين فيسوقها إلى مقامه ويسمّي مذبحه «دِلْفينيوس». وهي قراءة مقترحة على المنهج، وحدودها في الجذر اللغوي.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | اللسان | المعنى |
|---|---|---|---|
| Πυθώ | پِيثُو | اليونانية | اسم الموضع الأقدم، في «الإلياذة» |
| Πυθία | پِيثِيَا | اليونانية | كاهنة الوحي |
| Πύθιος | پِيثِيُوس | اليونانية | لقب أبولو |
| πυθέσθαι، πυνθάνομαι | پُوثِسْثاي، پُونْثانُومَاي | اليونانية | سأل واستخبر |
| πύθω | پِيثُو | اليونانية | عفّن |
| Δελφοί | دِلْفُوي | اليونانية | دلفي، وأهلها |
| Βέλφοι، Βελφός | بِلْفُوي، بِلْفُوس | الأيولية والبيوتية | الاسم نفسه بالباء |
| δελφύς | دِلْفِيس | اليونانية | الرحم |
| δελφίς | دِلْفِيس | اليونانية | الدلفين |
| ὀμφαλός | أُمْفالُوس | اليونانية | السُّرّة |
| بَثّ، بَثْبَثَ | العربية | نشر، كشف السرّ، أثار التراب وكشف ما تحته | |
| دَلَفَ، الدُّلْفين | العربية | تقدّم ودنا؛ الحوت الذي يُنجّي الغريق |
پيثو و«بثّ»
يقول معجم ليدل وسكوت إنّ Πυθώ «پِيثُو» اسم الإقليم الذي كانت فيه مدينة دلفي، وإنّه في الأسطورة مشتقّ من تعفّن الحيّة، كما في النشيد. ويقول سترابون إنّ الپيثيا والمدينة سُمّيتا من الفعل πυθέσθαι «پُوثِسْثاي»، أي سأل الوحي، وإن طالت الحركة الأولى في الاسم. فلليونان اشتقاقان: من «العفن» ومن «السؤال». والقراءة العربية تأخذ بالثاني، فپيثو موضع السؤال والجواب، والجواب عند الپيثيا بثّ لما خفي. ويقول مونير وليامز في مادّة budh «بُدْه» السنسكريتية، ومعناها استيقظ وأدرك وعلم، إنّ اليونانية تقابلها بـ πυθ- «پُوث» في πυνθάνομαι «پُونْثانُومَاي»، وإنّ هذه الپاء في اليونانية مكان φ «فِي»، فأوّل الجذر في أصله باء ثم ثاء، والحرفان حرفا «بثّ». أمّا العين الأخرى، πύθω «پِيثُو» بمعنى عفّن، فجذر آخر في اليونانية، يلعب به النشيد على الاسم.
وفي معجم لين للمادّة معنيان آخران يوافقان القصّة: «بثبث الأمر» سأل عنه وفحصه وطلب خبره، وهو معنى πυθέσθαι «پُوثِسْثاي» نفسه، و«البَثّ» الحزن الشديد الذي يُطلع عليه صاحبه صديقه. فالسائل يبثّ همّه ويسأل، والوحي يبثّ الجواب.
دلفي و«دلف»
يقول معجم ليدل وسكوت إنّ Δελφοί «دِلْفُوي» اسم المدينة وأهلها، ويذكر صيغاً أخرى منها Βέλφοι «بِلْفُوي» في الأيولية وΒελφός «بِلْفُوس» في البيوتية، ويذكر δελφύς «دِلْفِيس» بمعنى الرحم، وδελφίς «دِلْفِيس» بمعنى الدلفين، وفي بعض صيغه βελφίν «بِلْفِين». ونقرأ «دلفي» من «دَلَفَ»: الدال دال، واللام لام، والفاء اليونانية فاء. وفي معجم لين: دلف الشيخ مشى مشياً رويداً بخطى قصيرة، ودلفت الكتيبة إلى الكتيبة تقدّمت، ودلف إليه دنا منه. وفي المادّة نفسها الدُّلْفين، ويقول لين إنّه دابّة من دوابّ البحر تُنجّي الغريق. فدلفي على هذه القراءة الموضع الذي يتقدّم إليه الناس من كلّ البلاد، وهذا ما يقوله النشيد حين يعد أبولو أن يأتيه أهل الپيلوپونيز وأوروپا والجزر بالقرابين يطلبون الوحي، ويوافق الدلفين الذي قاد الكريتيين إلى مقامه. وحدّ القراءة أنّ الحرف الأوّل غير ثابت في اليونانية، فهو باء في الأيولية والبيوتية، فلا يُبنى على الدال وحدها، وأنّ «الدلفين» في العربية قد يكون أُخذ من اليونانية.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الدلفين والكريتيون
يحتاج المقام بعد قتل التنّينة إلى من يخدمه، فيرى أبولو سفينة من كْنوسوس، مدينة مينوس، يركبها رجال يخرجون للتجارة، فيقفز إليها في صورة دلفين عظيم ويهزّها فيخاف أهلها ويسكتون، وتدفعها ريح جنوبية حتى كريسا. ثم يظهر لهم في صورة شابّ ويأمرهم أن يبنوا على الشاطئ مذبحاً، وأن يدعوه أبولو دِلْفينيوس لأنّه وثب على سفينتهم في صورة دلفين، ثم يصعدون معه يغنّون «يا شافي»، فيصيرون كهنة مقامه، يقدّمون له القرابين ويبلّغون ما ينطق به من شجرة الغار. وخبرهم أيضاً في صفحة أبولو.
جواب الپيثيا الأخير لكرويسوس
حين سقطت سارديس وأُنقذ كرويسوس من المحرقة، استأذن كورش أن يرسل قيوده إلى دلفي فتوضع على عتبة المعبد، ويُسأل المعبود: أليس من عادته أن يخدع من أحسن إليه؟ فأجابت الپيثيا: لا أحد يفلت من نصيبه، ولا المعبود نفسه. لقد دفع كرويسوس ثمن ذنب جدّه الخامس الذي قتل سيّده وأخذ ملكه. وأراد لوكسياس، أي أبولو، أن يقع البلاء على سارديس في زمن أبنائه لا في زمنه فلم يقدر على صرف المويرات، لكنّه أخّر سقوطها ثلاث سنين، وأنقذه من النار. أمّا الوحي فكان عليه أن يسأل: ملك من يُهدم؟ والبغل كان كورش، ابن أمّ ميدية من بيت الملك وأب فارسي دونها. فاعترف كرويسوس أنّ الذنب ذنبه.
قرابين كرويسوس
قرّب كرويسوس لمعبود دلفي ثلاثة آلاف رأس من الماشية، وأحرق أسرّة مذهّبة وثياباً أرجوانية، وصبّ من الذهب مئة وسبعة عشر لبنة، وصنع أسداً من ذهب خالص، وأرسل جرّتين عظيمتين من ذهب وفضّة، يقول هيرودوت إنّ جرّة الفضّة كانت يُمزج فيها الشراب في عيد «ظهور الآلهة» بدلفي. فأعطاه أهل دلفي حقّ السؤال أوّلاً، والإعفاء، والصدارة في الأعياد.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة الإغريقية في هذا المشروع دلفي مركزاً لرصد السماء: الموضع مختار لموقعه، وما تقوله العرّافة رصد فلكي ومعرفة بالمناخ تُقدَّم في صورة نبوءات، والبخار الذي يصعد من الأرض غازات حقيقية تقول المقالة إنّ الجيولوجيين أثبتوها وكانت تبعث الوجد في العرّافة. وتقرأ قتل الأفعى ترويضاً للموضع: الأفعى قوّة الأرض الخام، الغازات والزلازل، وقتلها بناء المعبد فوقها وتسخير القوّة للمعرفة. والنصوص القديمة تحمل العنصرين الأوّلين بلسانها: نَفَس يصعد من كهف عند سترابون، وتنّينة تُترك لتتعفّن في الموضع الذي يُبنى فيه المعبد عند صاحب النشيد.
التوازيات عبر الحضارات
سأل كرويسوس وحي دلفي ووحي آمون في سيوة معاً ليمتحن أيّهما يصدق، ويروي هيرودوت عن كاهنات دودونا أنّ حمامتين سوداوين طارتا من طيبة المصرية، فأمرت إحداهما بوحي لزيوس في دودونا والأخرى بوحي لآمون في ليبيا. ففي دلفي امرأة تنطق، وفي سيوة قارب يحمله الكهنة فيتحرّك بإرادة المعبود.
وحين تقارن المقالة البابلية في هذا المشروع تنّين مردوخ، المشحشّ، تضع بجانبه بيثون الإغريقي «الأفعى الكبرى» مع ليتان الكنعاني وأبوفيس المصري ويورمونغاندر الشمالي وڤريترا الهندي. وفي النشيد يقتل المعبود الشابّ الحيّة ثم يقيم مقامه، كما يقيم المنتصر نظامه في صراع الإله مع الفوضى.
وكان هُبَل في جوف الكعبة، وبين يديه سبعة قداح يستقسم بها الناس قبل السفر والزواج، كما في صفحة أبولو، فالجواب في مكّة سهم يُخرج، وفي دلفي كلام ينطق، والعادتان كلتاهما في العرافة والوحي.
وسأل قدموس وحي دلفي عن أخته أوروپا فأُمر أن يتبع بقرة ويبني مدينة حيث ترقد، فبنى طيبة اليونانية. وفي دلفي عيد يذكر نزول ديونيسوس ليُصعد أمّه، وعرفه الإتروسكيون كما في صفحة فوفلونس.