ملخص
غِيرِي وفْرِيكِي ذئبا أودين في أساطير الشمال الإسكندنافي. يطعمهما أودين من مائدته في فالهالا، قاعة المحاربين القتلى، ولا يأكل هو شيئاً، فالخمر له طعام وشراب. وتقول قصيدة «أقوال غريمنير» «غْرِيمْنِيسْمَال» على لسانه: «غيري وفريكي يُشبعهما المعتاد على الحرب، أبو الجيوش المجيد، أمّا أودين ذو السلاح الكريم فيعيش أبداً على الخمر وحدها».
وخبرهما عند سنوري في وصف فالهالا. سأل غانغليري: كلّ الرجال الذين سقطوا في القتال منذ أوّل العالم صاروا عند أودين في فالهالا، فماذا يطعمهم؟ فقال هار: لا يكثر الجمع في فالهالا حتى لا يكفيهم لحم الخنزير سَايْهْرِيمْنِير، يُطبخ كلّ يوم ويعود صحيحاً في المساء، يطبخه أنْدْهْرِيمْنِير في قدر اسمها إِلْدْهْرِيمْنِير. فسأل غانغليري: أيأكل أودين ما يأكله المحاربون؟ فقال هار: الطعام الذي على مائدته يعطيه لذئبين يملكهما، اسمهما غيري وفريكي، ولا يحتاج هو إلى طعام، فالخمر له طعام وشراب. ثم يذكر الغرابين هوغين ومونين اللذين يجلسان على كتفيه ويخبرانه في أذنيه بكلّ ما يريان ويسمعان.
والذئب والغراب والنسر في الشعر الإسكالدي طيور المعركة ووحوشها، تأكل من القتلى. يقول شاعر في «لغة الشعر» «سْكَالْدْسْكَابَارْمَال»: «خضّب بالدم شوارب فرس يارنساكسا الأسود الوجه، ومزّق النسر طُعم غيري»، وفرس العملاقة الذئب، وطُعم غيري القتلى، فغيري في هذا البيت اسم للذئب عامّة.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ إله المعركة لا يأخذ لنفسه إلّا الشراب، ويعطي طعامه لوحوش المعركة. حول أودين زوجان: غرابان يأتيانه بالخبر فيأخذ منهما العلم، وذئبان يأخذان منه اللحم. والذئب الذي يأكل القتلى في الميدان يأكل في فالهالا من يد الإله الذي يجمع القتلى، فجوعه جزء من بيت أودين. ويقول المقال النوردي إنّ معنى الاسمين «الجشع والشراهة»، ويقرؤهما الجوعَ الدائم الذي يرافق الناس في أرض قليلة الطعام.
أمّا الاسمان فنقرؤهما في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، فالمقال يفسّر معناهما ولا يقرأ حروفهما: الياء في آخر Geri «غِيرِي» وFreki «فْرِيكِي» علامة الرفع في الاسم المذكّر الضعيف، وتصير ألفاً في النصب، كما في بيت «أقوال غريمنير»: Gera ok Freka «غِيرَا أُوكْ فْرِيكَا»، فيبقى ger- «غِير» وfrek- «فْرِيك». والأوّل «غَرِيَ» العربي: الغين تصير g في اللغات الأوروبية، والراء راء، والياء الأخيرة حرف علّة يسقط. وفي معجم لين: غَرِيَ بالشيء أُولع به، واشتدّت رغبته فيه، ولزمه من غير أن يُغريه به أحد، و«أغريتُ الكلبَ بالصيد» حرّضته عليه. فغيري على هذه القراءة «الغَرِيّ بالشيء»، الذي لزمه واشتدّت رغبته فيه، وهو معنى الصفة النوردية gerr «غِيرّ» نفسها، أي الشَّرِه. والثاني أصعب، ونقرؤه «فَغَرَ»: فَغَرَ فاه أي فتحه، ويقال «هو واسع فَغْر الفم». فالفاء فاء، والغين تقابلها g، وg القديمة تصير k في الجرمانية بقانون غريم، والراء تتقدّم على الغين بالقلب. فالذئب على هذه القراءة «الفاغر»، وهي صفة الذئب الذي تسمّيه «نبوءة العرّافة» freki «فْرِيكِي» حين ينقطع قيده، وهو فنرير الذي يفتح فكّيه من الأرض إلى السماء.
الجذر اللغوي
غيري و«غَرِيَ»، وفريكي و«فَغَرَ»
| الصيغة | النطق | ما هي |
|---|---|---|
| Geri | غِيرِي | الاسم في الرفع |
| Gera | غِيرَا | النصب، «أقوال غريمنير» 19؛ و«طُعم غيري»، «لغة الشعر» 75 |
| gerr | غِيرّ | صفة: شَرِه جشع |
| Freki | فْرِيكِي | الاسم في الرفع، وفي الشعر اسم للذئب |
| Freka | فْرِيكَا | النصب، «أقوال غريمنير» 19 |
| frekr | فْرِيكْر | صفة: جشع، نهم جائع، شديد |
يفسّر معجم كليسبي وفيغفوسون Geri «غِيرِي» بـ«الضاري المفترس»، من الصفة gerr «غِيرّ»، أي الجشع والنهم، ويقول إنّ freki «فْرِيكِي» في الشعر هو الذئب، ويفسّر الصفة frekr «فْرِيكْر» بالجشع، ثم بالنهم الجائع، كما في قولهم «يُنتظر الأخذ من ذئب جائع»، ثم بالشديد المجحف، حتى يقال لحجر المسنّ الخشن frekr «فْرِيكْر». ويضع أورل الصفة الأولى مع الألمانية القديمة giri «غِيرِي» بمعنى الجشع، ويصلها بالسنسكريتية háryati «هَرْيَتِي»، أي يشتهي ويحبّ، ويجعل الثانية من الصفة الجرمانية *frekaz «فْرِيكَز»، ومنها القوطية faihu-friks «فَيْهُو فْرِيكْس»، أي الحريص على المال، والإنجليزية القديمة freca «فْرِيكَا»، أي المحارب الجريء.
وفي معجم لين، مادّة غرو: غَرِيَ بالشيء غَرًا وغِراءً، أُولع به، واشتدّت رغبته فيه، ولزمه، من غير أن يحرّضه عليه أحد؛ وأغراه به جعله يولع به ويلزمه، وحرّضه عليه، و«أغريتُ الكلبَ بالصيد»؛ وغَرِيَ فلان لجّ في غضبه؛ والغِراء ما يُلصق به الشيء، ومنه أصل المعنى: اللزوم والالتصاق. وفي مادّة فغر: فَغَرَ فاه فتحه، وانفغر الفم انفتح، و«هو واسع فَغْر الفم»، والفاغر دويبّة تفتح فمها أبداً.
والمقابلة في غيري سهلة: الغين تصير g أو تسقط في اللغات الأوروبية، كما تسجّل قوانين مشروع جذور، والراء ثابتة، والياء حرف علّة يسقط في الانتقال كما سقط في «هُدى» عند هودر. أمّا فريكي فيحتاج إلى عمليّتين: قلب الراء والغين، ثم مرور الغين بـg القديمة إلى k الجرمانية كما صارت اللاتينية genus «غِينُوس» في الإنجليزية kin «كِن».
قراءة أخرى لفريكي
ونقرأ فريكي أيضاً بـ«فَرَقَ»، والحروف فيه على ترتيبها: الفاء فاء، والراء راء، والقاف تصير k. وفي معجم لين: الفِرْق والفَرِيقة الشاة والشاتان والثلاث تنفرد عن القطيع، فيحجبها عنه جبل أو رمل، فتذهب في الليل عن جماعتها، وأفرق الرجل ضلّت عنه بعض غنمه. وهي الشاة التي يأخذها الذئب. ويجمع هذه الكلمة بما يقوله المعجم عن فعل الذئب أنّ أوّلها ف-ر، وهو أوّل «أفرى الذئبُ بطن الشاة»، أي شقّه، و«فَرَسَ الذئبُ الشاة»، أي دقّ عنقها. لكنّ «فَرَقَ» لا تحمل معنى الجشع الذي في الصفة النوردية، و«فَغَرَ» تحمله وتحتاج إلى القلب، فبقيت قراءة فريكي مفتوحة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
فريكي الذئب الطليق
تقول لازمة «نبوءة العرّافة» «فُولُوسْبَا»، أربع مرّات: ينبح غارم أمام كهف غنيباهيلير، وسينقطع القيد ويعدو freki «فْرِيكِي». والذئب الذي ينقطع قيده فنرير، المربوط بالقيد غليبنير، فكلمة فريكي في هذا البيت اسم للذئب كلّه، كما يقول المعجم.
غيري حارساً
وفي قصيدة «أقوال فيولسفيذ» «فْيُولْسْفِينْسْمَال» يحرس باب قاعة مِينْغْلُوذ كلبان، يسأل الزائر عن اسميهما فيقال له: أحدهما غِيفْر والآخر غيري. فالاسم يقال لحارس ضارٍ، كما يقال لذئب يأكل.
فرس العملاقة
وفي البيت الذي فيه «طُعم غيري» يُسمّى الذئب «فرس يَارْنْسَاكْسا»، وهي العملاقة التي ولدت لثور ابنه ماغني، لأنّ العملاقات في الأخبار يركبن الذئاب: جاءت العملاقة هِيرّوكِّين إلى محرقة بالدر راكبة ذئباً، وعنانه حيّة.
القراءة الرمزية
يقرأ المقال النوردي غرابي أودين «شبكة استخبارات» تطير كلّ يوم وتعود بالأخبار، ويقرأ ذئبيه، غيري وفريكي، الجشع والشراهة، أي الجوع الدائم: الحاجة إلى الطعام في بيئة شحيحة، والذئب هو الجوع المستمرّ الذي يرافق الإنسان في الشمال. وفي النصّ ما يقابل هذا الجوع: أودين الذي يملك فالهالا وخنزيرها الذي لا ينفد لا يأكل، ويعطي طعامه للذئبين، فالجوع عنده يُطعم ولا يُطرد.
التوازيات عبر الحضارات
ليما، أوّل من مات وملك الموتى في «الريغفيدا»، كلبان ذوا أعين أربع، يحرسان الطريق وينظران في الناس، ويطلب المنشد منهما أن يسلّما الميت إلى الآباء، في صفحة يما. ويحرس كلبان جسر تشنڤات الذي تعبره الروح بعد الموت عند الإيرانيين. ولأودين، الذي يجمع القتلى في قاعته، ذئبان. يجتمع الثلاثة في أنّ سيّد الموتى يصحبه اثنان من جنس الكلب، ويفترقون في العمل: كلاب يما والجسر تحرس الطريق إلى الموتى، وذئبا أودين يأكلان على مائدته.
وكلمة freki «فْرِيكِي» نفسها تصف الذئب الذي ينطلق في راغناروك فيبتلع أودين، فالذئب الذي يأكل من يد أودين في فالهالا والذئب الذي يأكله في آخر الزمان يُسمّيان بالكلمة نفسها.