غليبنير

قصص تشترك فيهاراغناروكالمحتال

ملخص

غْلِيبْنِير القيد الذي رُبط به الذئب فنرير في أساطير الشمال الإسكندنافي، وبقي عليه إلى آخر الزمان. صنعه الأقزام تحت الأرض من ستّة أشياء لا وجود لها، وكان رقيقاً ليّناً كشريط الحرير، ولم يقبل الذئب أن يُربط به حتى وضع تير يده في فمه.

وقصّته قصّة القيد الثالث. ربّى الآلهة الذئب ابن لوكي عندهم، ولم يجرؤ على إطعامه إلّا تير، فلمّا رأوا أنّه يكبر كلّ يوم، وقالت النبوءات كلّها إنّه سيكون سبب هلاكهم، صنعوا قيداً قويّاً اسمه لِيذِينْغْر، وقالوا له جرّب قوّتك فيه، فكسره من أوّل دفعة. ثم صنعوا قيداً أقوى منه بمرّتين اسمه دْرُومِي، فهزّ الذئب نفسه وضرب به الأرض فتطايرت قطعه بعيداً. فخاف الآلهة ألّا يقدروا على ربطه، فأرسل أودين سْكِيرْنِير، رسول فرير، إلى بلاد الجنّ السود تحت الأرض، إلى أقزام هناك، فصنعوا القيد غليبنير من ستّة أشياء: صوت مشي القطّ، ولحية المرأة، وجذور الجبل، وأعصاب الدبّ، ونفَس السمك، وبصاق الطير. ويقول سنوري إنّ هذا هو السبب في أنّ المرأة لا لحية لها، وأنّ القطّ لا صوت لعدوه، وأنّ الجبل لا جذور تحته.

فذهب الآلهة بالذئب إلى جزيرة لِينْغْفِي في بحيرة آمْسْفَارْتْنِير، وأروه الشريط، وتناولوه بينهم يشدّونه بأيديهم فلم ينقطع، وقالوا له إنّه أمتن ممّا يبدو. فقال الذئب: لا أنال فخراً إن قطعت شريطاً رقيقاً كهذا، وإن كان قد صُنع بحيلة ومكر فلن يوضع على قدميّ. فقالوا له: من كسر قيود الحديد الكبيرة يقطع هذا سريعاً، فإن لم تقطعه فلا خوف منك على الآلهة، ونحن نطلقك. فقال الذئب: إن ربطتموني ولم أقدر على فكّ نفسي فلن تعينوني، لكن ليضع أحدكم يده في فمي رهناً على أنّ الأمر بلا خداع. فنظر الآلهة بعضهم إلى بعض، ولم يمدّ يده إلّا تير، فوضع يمناه في فم الذئب. فلمّا دفع الذئب اشتدّ الشريط، وكلّما قاوم ازداد عليه شدّة، فضحك الآلهة كلّهم إلّا تير، فقد ذهبت يده. ثم أدخلوا السلسلة الخارجة من القيد في صخرة عظيمة وأنزلوها عميقاً في الأرض، وغرسوا حجراً عظيماً آخر أعمق منها وجعلوه وتداً، وأدخلوا في فمه سيفاً قائمته عند فكّه الأسفل وذبابته عند الأعلى، فلعابه يجري نهراً، وهو هناك إلى رَاغْنَارُوك. «خداع غيلفي»، 34.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ ما لا يقدر عليه الحديد تقدر عليه الصنعة. القيدان الأوّلان أُخذا بالقوّة فكُسرا بالقوّة، والثالث صُنع ممّا لا وزن له ولا وجود، فلم يكن فيه شيء يُكسر. لكنّ الصنعة احتاجت إلى كذبة، والكذبة احتاجت إلى رهن، فدفع تير يده ثمن القيد. ولم يقتل الآلهة الذئب لأنّهم لم يريدوا أن يلطّخوا مواضعهم المقدّسة بدمه، وهم يعلمون أنّه سيقتل أودين، فصار القيد تأجيلاً للنهاية لا منعاً لها: تقول «نبوءة العرّافة» «فُولُوسْبَا» في لازمتها: «سينقطع القيد، ويعدو الذئب».

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، فالمقالان لا يذكران القيد باسمه: في آخر Gleipnir «غْلِيبْنِير» اللاحقة -nir «ـنِير» التي تجعل الكلمة اسماً لمن يقوم بالفعل، كما في سليبنير ودراوبنير، فيبقى gleip- «غْلِيب»: غين ولام وباء صارت p «پ». وهذه حروف «كَلْب» العربية بترتيبها: الكاف تقابلها g في اللغات الأوروبية، واللام لام، والباء تصير p كما صارت في سليبنير. والكَلْب في معجم لين، غير الحيوان المعروف، «كلّ ما أُوثق به شيء»، سُمّي كذلك لأنّه يمسك الشيء كما يمسكه الكلب، والكَلْب أيضاً سير يُقطع من جلد غير مدبوغ، والمُكَلَّب الرجل المشدود بذلك السير، والأسير المقيّد الرجلين. فغليبنير على هذه القراءة «الكَلْب»، الرباط الذي يمسك ولا يُفلت، وهذا ما تجعله القصّة: شريط أملس ليّن يُشدّ على قدمي الذئب، وكلّما قاوم اشتدّ عليه. والكلب الحيوان من جنس الذئب الذي رُبط به، ومن المادّة نفسها «كَلِبَ على الشيء» إذا اشتدّ حرصه عليه، و«كَلِبَ» إذا أكل فلم يشبع، وهو الذئب الذي كان يكبر كلّ يوم.

الجذر اللغوي

غليبنير و«الكَلْب»

الصيغة النطق ما هي
Gleipnir غْلِيبْنِير اسم القيد
gleip- غْلِيب ساق الاسم بعد نزع -nir «ـنِير»
gleipa غْلَيْبَا فعل نوردي معناه سخر واستهزأ
Sleipnir سْلَيْبْنِير اسم حصان أودين، على البناء نفسه
Draupnir دْرَاوْبْنِير اسم خاتم أودين، على البناء نفسه

يفسّر معجم كليسبي وفيغفوسون الاسم بـ«الليّن الأملس»، وهو قريب من قول سنوري إنّ القيد كان أملس ليّناً كشريط الحرير. ويضع أورل الفعل النوردي gleipa «غْلَيْبَا»، أي سخر واستهزأ، مع صفة ألمانية قديمة معناها المائل الأعوج، ولا يذكر القيد. ويلتقي هذا المعنى بالقصّة أيضاً: شريط رقيق يبدو هزؤاً بقوّة الذئب، والآلهة يضحكون حين يشتدّ عليه.

وفي معجم لين، مادّة كلب: الكَلْب الحيوان المعروف؛ والكَلْب «كلّ ما أُوثق به شيء»، لأنّه يمسك الشيء كما يمسكه الكلب؛ والكَلْب سير يُقطع من جلد غير مدبوغ، والمُكَلَّب المشدود به؛ والمُكَلَّب أيضاً الأسير المقيّد الرجلين، ويقال إنّه مقلوب «مُكَبَّل»؛ والكَلْب والكُلْبة سير يُدخل بين طرفي الجلد حين يُخاط؛ والكَلّاب والكَلّوب الحديدة المعقوفة. ومن الفعل: كَلِبَ على الشيء اشتدّ حرصه عليه، وتكالب الناس على الأمر كأنّهم كلاب، وكَلِبَ أكل أكلاً شديداً فلم يشبع.

والمقابلة تجري على قوانين مشروع جذور: الكاف من المجموعة التي تصير k أو c أو g، واللام من أثبت الحروف، والباء من مجموعة الشفة التي تصير b أو p. وهي المقابلة نفسها التي قرأت بها صفحة سليبنير sleip- «سْلَيْب» بـ«سَلِب». والقراءة تأخذ الاسم ممّا يفعله القيد، والمعجم النوردي يأخذه من ملمسه.

السرديات الأسطورية الرئيسة

المثل والرسول

يقول سنوري إنّ الناس جعلوا القيدين الأوّلين مثلاً، فيقولون لمن يجهد في أمر: «ينفكّ من ليذينغر، ويفلت من درومي». والرسول الذي نزل إلى الأقزام، سكيرنير، هو نفسه الذي خرج بعد ذلك يخطب غيرذ لفرير وأخذ سيفه أجراً.

القيد في الشعر

في «خصومة لوكي» «لُوكَاسِنَّا» يعيّر لوكي تير بيده التي قطعها فنرير، فيقول تير: فقدتُ يداً، وفقدتَ أنت الذئب، والذئب نفسه ليس في خير، فهو في القيود ينتظر راغناروك. ثم يقول فرير للوكي: أرى ذئباً ملقى عند مصبّ النهر حتى تتمزّق القوى، وبجانبه ستُقيَّد أنت إن لم تسكت. وتعود لازمة «نبوءة العرّافة» أربع مرّات: ينبح الكلب غَارْم أمام كهف غْنِيبَاهِيلِير، وسينقطع القيد ويعدو الذئب. وكلمة الذئب في هذا البيت freki «فْرِيكِي»، وهي اسم أحد ذئبي أودين، في صفحة غيري وفريكي. «خصومة لوكي»، 39 و41، «نبوءة العرّافة»، 44 و49 و53 و57.

انقطاع القيد

وفي راغناروك ينفكّ فنرير، ويفتح فمه حتى يبلغ فكّه الأسفل الأرض والأعلى السماء، فيبتلع أودين، ثم يقتله فيدار ابن أودين.

القراءة الرمزية

يقرأ المقال النوردي فنرير الجوعَ والمجاعة التي تكبر حتى لا يمكن تقييدها إلى الأبد، ويقرأ تقييد أبناء لوكي محاولةً من الجماعة لتأجيل الكارثة: القيد مؤقّت دائماً، والطبيعة تفلت في النهاية. وغليبنير على هذه القراءة صورة لما تملكه الجماعة في وجه الجوع: لا تقدر عليه بالقوّة، فتحبسه بالحيلة زمناً، وتدفع ثمن ذلك من جسدها. وفي النصّ نفسه ما يتّصل بهذا: الأشياء الستّة التي صُنع منها القيد أشياء لا تُرى ولا تُمسك، ويجعلها سنوري سبباً لغيابها من العالم، فالقيد مصنوع من النقص نفسه.

التوازيات عبر الحضارات

يصنع هيفايستوس في «الأوديسة» قيوداً رقيقة كنسج العنكبوت، لا يراها حتى الآلهة، ولا تنكسر ولا تنحلّ، فيقع فيها آريس وأفروديت، فيضحك الآلهة ضحكاً لا ينقطع. وغليبنير مثلها رقيق كالحرير، صنعه صنّاع لا يقاتلون، وضحك الآلهة حين اشتدّ، إلّا الذي دفع ثمنه.

ويُقيَّد ضحّاك في جبل دماوند ولا يُقتل، حتى يفلت في آخر الزمان، كما يُقيَّد فنرير بغليبنير وأبوه لوكي بأمعاء ابنه، فالقيد في الخبرين تأجيل للخطر إلى النهاية، كما في راغناروك. والحيلة التي صُنع بها القيد، والرهن الذي احتاجت إليه، تجعل الآلهة في هذا الخبر في موضع المحتال، وتجعل الذئب هو الذي يطلب الضمان من الخديعة.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. «خداع غيلفي»، 34 و37 و51، «خصومة لوكي»، 39 و41، «نبوءة العرّافة»، 44 و49 و53 و57.

  2. كليسبي وفيغفوسون، Gleipnir «غْلِيبْنِير»، أورل، ص 135، معجم لين، كلب.

  3. «الأوديسة»، 8.266–366، ترجمة موراي.