راغناروك

ملخص

رَاغْنَارُوك في أساطير الشمال المعركة الأخيرة التي يموت فيها الآلهة وأعداؤهم ويحترق بها العالم، ثم تخرج بعدها أرض جديدة. أقدم رواية متّصلة لها في قصيدة «نبوءة العرّافة» «ڤُولُوسْبَا»، حيث تحكي عرّافة لـأودين ما سيكون، من البيت 40 إلى آخر القصيدة. ثم يعيد سْنُورِي روايتها نثراً في «خداع غيلفي» «غِيلْفَاغِينِينْغ»، في الفصول 51 إلى 53، ويستشهد بأبيات تلك القصيدة وبأبيات «أقوال ڤافثرودنير» «ڤَافْثْرُوذْنِيسْمَال».

وتبدأ القصّة قبل المعركة بزمن. يُقتل بالدر بغصن الهدال الذي رماه أخوه الأعمى هُودْر، ويولد لأودين ابن هو فَالِي يأخذ بثأره وهو ابن ليلة واحدة. ويُمسَك لوكي فيُربط على ثلاث صخرات بأمعاء ابنه، وتعلّق سْكَاذِي فوق وجهه حيّة يقطر منها السمّ، وتقف زوجته سِيغِين إلى جانبه تمسك وعاءً تحت القطرات، فإذا امتلأ ومضت تفرغه سقط السمّ على وجهه فانتفض، فتلك الزلازل. ويبقى في قيده إلى رَاغْنَارُوك.

ثم تأتي العلامات. ثلاثة شتاءات من الحروب، يقتل فيها الأخ أخاه طمعاً ولا يرحم أحد أباً ولا ابناً، وتقول القصيدة: زمن الفأس، زمن السيف، تُشقّ التروس، زمن الريح، زمن الذئب، قبل أن ينهار العالم. وبعدها الشتاء العظيم: ثلاثة شتاءات متّصلة بلا صيف بينها، يهبّ فيها الثلج من كلّ جهة ولا تنفع الشمس. ويبتلع ذئب الشمس ويأخذ ذئب آخر القمر، وهما من نسل عجوز تسكن غابة الحديد في الشرق، وتختفي النجوم من السماء. وتصيح ثلاثة ديوك: واحد عند العمالقة، وواحد ذهبيّ العُرف يوقظ المقاتلين في فالهالا، وواحد أحمر كالسخام في دار هيل. وينبح الكلب غَارْم أمام كهف غْنِيبَاهِيلِّير.

فإذا جاء الوقت ارتجفت الأرض والجبال حتى تنقلع الأشجار، وانقطعت القيود كلّها. يفلت الذئب فِنْرِير وفمه مفتوح، فكّه الأسفل على الأرض وفكّه الأعلى في السماء، والنار تخرج من عينيه ومنخريه. وتتلوّى حيّة العالم يُورْمُونْغَانْدْر في غضب العمالقة، فيطغى البحر على اليابسة، وتنفث سمّاً يملأ الهواء والماء. وتطفو في هذا الطوفان ناغْلْفَار، السفينة المصنوعة من أظافر الموتى، يقودها عند سنوري العملاق هْرِيم، وتقول القصيدة إنّ لوكي يقود سفينة تحمل أهل موسبل عبر البحر. ثم تنشقّ السماء ويخرج أبناء موسبل يتقدّمهم سُرْتْر، والنار أمامه وخلفه، وسيفه يلمع أشدّ من الشمس، فإذا عبروا جسر بيفروست انكسر تحتهم. ويجتمع الجميع في سهل ڤِيغْرِيذ، وسعته مئة فرسخ في كلّ جهة.

وعندها يقوم هايمدال فينفخ في بوقه غْيَالَّارْهُورْن فيوقظ الآلهة، فيجتمعون للمشورة. ويركب أودين إلى بئر ميمير، وفي القصيدة يكلّم رأس ميمير، وترتجف الشجرة يغدراسيل ويئنّ الشجر القديم. ويلبس الآسير سلاحهم ومعهم أهل فالهالا كلّهم، ويخرجون إلى السهل:

المتقاتلان ما يجري الشاهد
أودين وفِنْرِير يبتلع الذئبُ أودين «نبوءة العرّافة» 53، «خداع غيلفي» 51
فِيدَار وفِنْرِير يأخذ فيدار بثأر أبيه: يطعنه بالسيف في قلبه في القصيدة، ويشقّ فكّيه بيده وقدمه في النثر «نبوءة العرّافة» 55، «خداع غيلفي» 51
ثور والحيّة يقتلها، ثم يمشي تسع خطوات ويسقط ميتاً من سمّها «نبوءة العرّافة» 56، «خداع غيلفي» 51
فرير وسُرْتْر يسقط فرير لأنّه أعطى سيفه لخادمه سْكِيرْنِير «نبوءة العرّافة» 53، «خداع غيلفي» 51
تير والكلب غَارْم يقتل كلّ منهما الآخر «خداع غيلفي» 51
هايمدال ولوكي يقتل كلّ منهما الآخر «خداع غيلفي» 51

ثم يرمي سُرْتْر النار على الأرض فيحرق العالم كلّه. تسودّ الشمس، وتغوص الأرض في البحر، وتسقط النجوم من السماء، ويعلو البخار واللهب حتى يبلغا السماء نفسها.

وبعد ذلك ترى العرّافة الأرض تخرج من البحر مرّة ثانية خضراء، تنحدر عليها الشلّالات ويطير فوقها نسر يصيد السمك من الجبل. ويلتقي من بقي من الآسير في سهل إِذَافُول، فيتذكّرون حيّة الأرض العظيمة وأحكام الماضي والرونات القديمة التي أخذها أودين، ويجدون في العشب قطع اللعب الذهبية التي كانت لهم في أوّل الزمان. وتنبت الحقول بلا بذر، ويعود بالدر، ويسكن هو وهُودْر معاً. ويقول سنوري: يبقى فيدار وفالي حيّين لم يصبهما البحر ولا نار سُرْتْر، ويسكنان إذافول حيث كانت أسغارد، ويأتيهما ابنا ثور مُوذِي ومَاغْنِي ومعهما المطرقة ميولنير، ويأتي بالدر وهُودْر من دار هيل، فيجلسون يتحدّثون عن الحيّة وعن فنرير. ويخرج من غابة هُودّْمِيمِير رجل وامرأة، لِيف ولِيفْثْرَاسِير، اختبآ فيها من نار سُرْتْر وكان طعامهما ندى الصباح، ومنهما يمتلئ العالم بالناس. وتلد الشمس قبل أن يبتلعها الذئب بنتاً تسير في طريق أمّها. وفي آخر بيت من القصيدة يطير التنّين نيدهوغ فوق السهل يحمل الجثث في ريشه.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ النهاية معروفة قبل وقوعها، وتقع مع ذلك. يسأل أودين العملاق ڤَافْثْرُوذْنِير عن آخر أمره، فيجيبه بأنّ الذئب سيبتلعه وأنّ فيدار سيأخذ بثأره، وينذر هايمدال بالبوق، وتعدّ العرّافة الأحداث واحداً بعد واحد. وكلّ ما قيّده الآلهة من قبل يعود عليهم: الذئب الذي قيّدوه بخدعة، والحيّة التي ألقوها في البحر، ولوكي الذي ربطوه بأمعاء ابنه. ويموت الخصمان معاً في أكثر المعارك. ثم يبقى ما كان خارج المعركة: أبناء لم يقاتلوا، وزوجان مختبئان في غابة، وذكرى الرونات، وقطع اللعب الذهبية في العشب، فيبدأ العالم الجديد بما حُفظ من القديم.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Ragnarök «رَاغْنَارُوك» كلمتان. الأولى ragna «رَاغْنَا»، وهي صيغة الإضافة من regin «رِيغِين»، أي القوى التي تدبّر العالم، والثانية rök «رُوك»، أي مجرى الأمر وما ينتهي إليه، فالعبارة في النوردية «مصير القوى». ويقرأ المقال البنيوي في هذا المشروع الكلمة الأولى «رُكْن»، ويقول إنّ الأركان تُهدم في تلك النهاية، ويقرأ المقال الساميّ الكلمة الثانية «رَقّ»، ويسمّيه البديل الأقوى: الرَّقّ الجلد الرقيق الذي يُكتب فيه، ونقل لين عن الفرّاء أنّه الصحف التي تُخرج لبني آدم يوم القيامة. والرُّكن في معجم لين الجانب الأقوى من الشيء، وأركان الشيء جوانبه التي يقوم عليها، وركن الرجل قومه الذين يتقوّى بهم. فراغناروك على هذه القراءة «رَقُّ الأركان»: الصحيفة التي كُتب فيها مصير القوى التي يقوم عليها العالم، وهذا ما تجعله القصّة: عرّافة تقرأ موت كلّ واحد منهم في موعده، والقوى تسقط واحدة بعد واحدة. ويقرأ المقال الساميّ الاسم أوّلاً «رَجَع + نُور»، أي عودة النور، وهي قراءة لآخر القصّة حين تخرج الأرض خضراء بعد الظلام.

الجذر اللغوي

راغناروك و«رَقُّ الأركان»

الصيغة النطق ما هي
ragna rök رَاغْنَا رُوك العبارة في «نبوءة العرّافة» 44 و«أقوال ڤافثرودنير» 55
regin رِيغِين القوى، الآلهة بوصفهم مدبّري العالم، ولا تأتي إلّا في الشعر القديم
rök (rǫk) رُوك السبب والأصل ومجرى الأمور، ثم آخرها
ragna rökkr رَاغْنَا رُوكّْر «غسق القوى»، صيغة سنوري، مأخوذة من «سباب لوكي» 39
رُكْن، أركان راء وكاف ونون جانب الشيء الأقوى وما يقوم عليه
رَقّ راء وقاف مشدّدة الجلد الذي يُكتب فيه

يقول معجم كْلِيسْبِي وفِيغْفُوسُون إنّ regin «رِيغِين» اسم الآلهة بوصفهم صانعي الكون ومدبّريه، وإنّ الكلمة تشمل العالم نفسه في عبارة «حتى تتصدّع القوى»، وإنّ ragna rök «رَاغْنَا رُوك» تقابل الكلمة السكسونية muspilli «مُوسْبِلِّي» التي يُبحث أصلها في صفحة موسبلهايم. ويقابل المعجم الكلمة القوطية ragin «رَاغِين»، أي الرأي والحكم. أمّا rök «رُوك» فمعناها عنده السبب والأصل ومجرى الأمور، وتأتي «مجرى الدهور» لبداية الخلق ولنهايته، وفي «ragna rök» تقع خاصّة على الفصل الأخير، يوم الحكم. وحركتها ǫ «أُو» في الأصل فتحة تغيّرت، ويقابلها المعجم بالألمانية العليا القديمة rahha «رَاخّا»، أي الحكم والقول. ويرى المعجم أنّ صيغة سنوري ragna rökkr «رَاغْنَا رُوكّْر»، «غسق القوى»، تحريف للعبارة القديمة جاء من بيت في «سباب لوكي».

وفي معجم لين: الرُّكن «الجانب الأقوى من الشيء»، و«أركان الشيء جوانبه التي يقوم عليها ويُسند بها»، و«ركن الرجل قومه وعشيرته الذين يُعان بهم ويتقوّى»، ويقال «هو ركن من أركان قومه» للسيّد الشريف. وفيه أنّ الرَّقّ «الجلد الرقيق الذي يُكتب فيه»، وفي القرآن «في رَقٍّ منشور»، وقال الفرّاء إنّه الصحف التي تُخرج لبني آدم يوم القيامة.

وتجري الأصوات على قوانين مشروع جذور: الراء راء، والكاف العربية تدخل مع القاف والجيم في مجموعة واحدة تصير k أو g في اللغات الجرمانية، فتقابل كافُ «ركن» الغينَ في ragna «رَاغْنَا»، والنون نون. وفي rök «رُوك» تقابل القافُ المشدّدة في «رقّ» الكافَ، والفتحة الأصلية التي يشهد بها rahha «رَاخّا» تقابل فتحة «رَقّ». والمعنيان يلتقيان: الأركان قوم يقوم عليهم الأمر، وregin «رِيغِين» قوى تدبّر العالم، والرّقّ صحيفة الحساب الأخير، وrök «رُوك» مجرى الأمور حتى يوم الحكم. ويبقى أنّ الكلمة الأولى في القوطية ragin «رَاغِين» رأي وحكم، وفي العربية الرُّكن جانب يُستند إليه، فالجمع بينهما يمرّ بمعنى من يقوم عليه الأمر، وهذا ما ينتظر شاهداً أقدم.

قراءات أخرى في المقالين

يضع المقال الساميّ أوّلاً «رَجَع + نُور»، أي عودة النور بعد الظلام، ومرّة «رَجَع + نار»، ثم «رُوح». وهذه القراءة تقسم الاسم Ragnar «رَاغْنَار» وök «أُوك»، والاسم في النوردية ينقسم ragna «رَاغْنَا» وrök «رُوك»، ثم تحتاج إلى عين تسقط وإلى كاف لا مقابل لها في «نور». فهي تقرأ آخر القصّة، خروج الأرض خضراء، أكثر ممّا تقرأ الكلمة التي معناها المصير. ويذكر المقال أيضاً «رَقَن» للجزء الأوّل، أي أحسن الكتابة، فيلتقي بـ«الرّقّ» في معنى المكتوب، و«روّق» للجزء الثاني بمعنى صفّى، ولا تعرف الكلمة النوردية معنى التصفية.

السرديات الأسطورية الرئيسة

ما بعد النار

يقسم سنوري مساكن ما بعد رَاغْنَارُوك: أحسنها غِيمْلِي في السماء، وقاعة بْرِيمِير للشراب، وقاعة سِينْدْرِي من الذهب الأحمر، يسكنها الصالحون. وعلى شاطئ الجثث قاعة منسوجة من ظهور الحيّات أبوابها إلى الشمال، يجري فيها السمّ أنهاراً يخوضها الحانثون في أيمانهم والقتلة، وفي نبع هْڤِيرْغِيلْمِير يعذّب نيدهوغ أجساد الموتى. وفي القصيدة بيتان عن قاعة غيملي المسقوفة بالذهب، وعن «القويّ الذي يأتي من فوق إلى الحكم، الذي يدبّر كلّ شيء»، ويختلف الباحثون في أثر المسيحية في هذين البيتين.

آخر سؤال

تنتهي مسابقة أودين مع ڤافثرودنير بسؤال لا يعرف جوابه أحد غير السائل: ماذا قال أودين في أذن ابنه قبل أن يُرفع على المحرقة؟ فيعرف العملاق ضيفه ويقول إنّه تكلّم بفم الهالك عن أخباره القديمة وعن رَاغْنَارُوك.

القراءة الرمزية

تقرأ مقالة «إعادة قراءة الأساطير النوردية» رَاغْنَارُوك وصفاً لشتاء الشمال الطويل ولكوارث المناخ: الشتاء العظيم موجات برد أو شتاء بركاني تموت فيه المحاصيل، وابتلاع الذئب للشمس ليل القطب الذي تغيب فيه الشمس شهوراً، وخروج الحيّة من البحر عواصف وأمواج وارتفاع للماء، ونار سُرْتْر بركان من براكين آيسلندا، وعودة بالدر رجوع الشمس في الربيع، وليف وليفثراسير المختبئان في الغابة ناجون يعمرون الأرض بعد انحسار الجليد. وتذكر المقالة ثوران لاكي سنة 1783 مثالاً لشتاء قاسٍ تبعته المجاعة. والنصوص تجعل النهاية مرّة واحدة في آخر الزمان، ولا تجعلها دورة كلّ سنة، وفيها قتل الأقارب ونقض العهود قبل البرد، فالقراءة المناخية تفسّر الصور ولا تفسّر الأخلاق التي تبدأ بها القصّة.

التوازيات عبر الحضارات

المقارنة التفصيلية بين رَاغْنَارُوك وأخبار زيوسودرا وأوتنابشتم في الراغناروك وروايات الطوفان، وخلاصتها أنّ الآلهة في الشمال تموت في النهاية، والآلهة في الطوفان الرافدي تبقى بعده، وأنّ الناجين هنا يختبئون في غابة وهناك يبنون سفينة. وتجمع صفحة الطوفان أخبار الماء الذي يهلك العالم. ويقرب الشتاء العظيم من الشتاء المهلك في خبر جمشيد الفارسي، حيث تُبنى حظيرة يُحفظ فيها الناس والحيوان والبذور. ويقارن المقال الساميّ رَاغْنَارُوك بيوم القيامة: بوق ينفخ فيه هايمدال وصُور يُنفخ فيه، وشمس تسودّ وشمس تُكوّر، وبحر يطغى وبحار تُسجّر. ويبقى في القرآن حاكم واحد يحاسب الخلق، وفي الشمال يموت الآلهة أنفسهم في المعركة.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. «نبوءة العرّافة»، النصّ والترجمة الحرفية، وطبعة نورذرن تيلز مع التعليق.

  2. «خداع غيلفي»، 12 و34 و49 و50 و51 و52 و53.

  3. «أقوال ڤافثرودنير».

  4. كليسبي وفيغفوسون: regin «رِيغِين» وrök «رُوك» وrökr «رُوكْر».

  5. معجم لين، ركن ورقق ورجع ونور.

  6. الطور 3، الزمر 68، التكوير 1–6.