ملخص
يما «يَمَ» ملك الموتى في الأناشيد الفيدية، ومعنى اسمه في السنسكريتية «التوأم»، وله أخت توأم اسمها يَمي.
يقول نشيد الموتى 10.14 من «الريغفيدا» «رِگْ ڤيدا» إنّ يما، ابن ڤيفسڤات «ڤِيڤَسْڤَت»، أوّل من وجد للناس الطريق إلى الموضع الذي مضى إليه الآباء السابقون، فصار ملكًا يجمع الناس عنده. ويسمّيه «الأثرفاڤيدا» «أَثَرْڤَ ڤيدا» أوّل من مات من البشر، وأوّل من مضى إلى ذلك العالم. ثم يخاطب المنشد الميت: امضِ في الطرق القديمة التي سلكها آباؤنا، فسترى الملكين يما وفارونا، وتجاوز الكلبين ذوي الأعين الأربع اللذين يحرسان الطريق، والحق بالآباء. ويقدّم الأحياء ليما سوما والطعام، ويحمل أجني القربان إليه.
والفكرة التي يدور عليها النشيد أنّ الموت طريق سُلك من قبل. لم يكن قبل يما من يعرف هذا الطريق؛ فلمّا مات وجده، فصار كلّ من يموت بعده يسلك طريقًا معروفًا إلى موضع فيه الآباء وملك يستقبلهم. ولهذا يكلّم المنشد الميت كما يكلّم مسافرًا: يدلّه على الطريق، ويحذّره من الحارسين، ويذكر له من سيلقاه.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: إذا أسقطنا من yama «يَمَ» حركة آخره بقي «يَم»، بحرفي ي-م. وتقرؤه القراءة العروبية «اليَمّ»، وهو في لسان العرب البحر الذي لا يُدرك قعره ولا شطّاه. فيما على هذه القراءة صاحب الغَور البعيد الذي لا يُعرف آخره، وهو ما يجعله النشيد: أوّل من مضى إلى عالم لم يرجع منه أحد، فصار ملكه، وصار الناس يمضون إليه بعده.
الجذر اللغوي
| الصيغة | موضعها |
|---|---|
| यम yamá «يَمَ» | الصيغة الفيدية، ومعناها التوأم، وتأتي كذلك بمعنى الكبح والضبط |
| yamaḥ «يَمَهْ» | صيغة الرفع؛ الحركة الأخيرة من بنية الاسم، لا حرف ثالث |
| Yima «يِمَ» | الاسم الإيراني الموروث، ملك يحفظ الأحياء في حظيرة من شتاء مهلك |
وفي لسان العرب: اليمّ البحر الذي لا يُدرك قعره ولا شطّاه، ويقع كذلك على النهر الكبير العذب. والمقابلة في الصوت: الياء والميم كما هما، وتشدّد العربية الميم. ولا يذكر نشيد يما بحرًا، فصورة الماء العميق تأتي من القراءة لا من البيت الفيدي.
ويقترح المقال العربي معها «يوم»، أي اليوم والحساب: الأجل المعدود الذي يمضي فيه كلّ إنسان إلى يما. واليوم في لسان العرب معروف مقداره من طلوع الشمس إلى غروبها. لكنّ «يوم» تزيد واوًا لا تظهر في الاسم الفيدي.
والاسم نفسه في الأفستا ييما، وصار في الفارسية «جم» وجمشيد، بجيم في موضع الياء. وتقرأ صفحة جمشيد الصيغة الفارسية من «جَمّ» و«شيّد»، لأنّ قصّة ييما في الأفستا قصّة أرض تُوسَّع وحظيرة تُبنى، لا قصّة بحر. فالقراءتان على مستويين: «اليمّ» للاسم القديم بحرفيه الياء والميم، و«جَمّ» للصيغة الفارسية المتأخّرة التي صارت ياؤها جيماً.
وللموت في السنسكريتية ألفاظ أخرى: mṛtá «مْرِتَ» للميت، وmṛtyu «مْرِتْيُ» للموت، من الجذر mṛ «مْرِ»؛ وهي ألفاظ مستقلة عن اسم يما.
السرديات الأسطورية الرئيسة
أخ وأخت وحدّ القرابة
في «الريغفيدا» «رِگْ ڤيدا» 10.10 تطلب يَمي من أخيها التوأم يما أن يقترنا لينجبا نسلاً. تقول إن صانعهما جعلهما زوجاً في الرحم، لكنه يرد بأن ما تطلبه إثم وأن عيون المعبودات لا تغفل. يحثها على أن تختار زوجاً آخر، ولا يقع الزواج في النشيد. يضع الحوار الحاجة إلى النسل أمام حد القرابة، ويجعل معنى التوأم فعلاً ونزاعاً لا مجرد تعريف معجمي.
الكلبان والسماء العليا
يُدعى يما إلى فراش من العشب مع الآباء والأنغيراس «أَنْگِرَس»، ويُدعى أبوه ڤيفسڤات «ڤِيڤَسْڤَت» إلى القربان أيضاً. والكلبان ليما، لكل واحد أربعة أعين، يحفظان الطريق وينظران في الناس، وتسأل الأبيات الحارسين أن يسلّما الميت. ويضع البيت الثامن اللقاء في «السماء العليا» بترجمة غريفيث «گْرِفِث»؛ أما صور العالم السفلي ومحكمة العقاب فتتسع في أوصاف لاحقة.
نار الجنازة
تكمل الترتيلة 10.16 المشهد من جهة الحرق. يطلب المنشد من أجني ألا يفني جسد الميت كله، بل أن ينضجه ويرسله إلى الآباء. يجعل العين مع الشمس والنفَس مع الريح، ويذكر الماء والنبات موضعين آخرين. وفي ترجمة غريفيث «گْرِفِث» يكون التيس نصيب أجني في الشعيرة، ثم يطلب البيت التالي من الميت أن يعود إلى جسد ويلتحم به. ترد هذه الصور معاً في الشعيرة، ولا ترتب الأبيات وحدها عقيدة مكتملة في التناسخ.
ضيف في بيت الموت
في «كَثا أوبانيشاد» «كَثَ أُپَنِشَد» يصل نَچيكيتا إلى بيت يما في غيابه، فيبقى ثلاث ليال بلا طعام. يعود يما ويمنحه ثلاث أمنيات، واحدة عن كل ليلة: يطلب أولاً أن يصالحه أبوه، ثم يتعلم قربان النار المؤدي إلى السماء، ويسأل في الثالثة عن الخلاف في مصير الإنسان بعد الموت. يحاول يما أن يصرفه بالمال والعمر الطويل، لكن الفتى يصر؛ عندئذ يصير يما معلماً للنفس والموت.
السياق التاريخي
يظهر يما الفيدي في الشعر الجنائزي وحوار يَمي، ثم تتسع صورته في النصوص اللاحقة إلى ملك للموتى وقاضٍ. وسبق الاسم هذا التطور؛ فـYima (يِمَ) الإيراني يحكم ويوسع الأرض ثم يبني حظيرة تحفظ بذور الرجال والنساء والحيوان والنبات من شتاء مهلك في «الونديداد» (Vendidad، ڤَنْديداد) 2.
القراءة الرمزية
يهيئ الأحياء فراش العشب، ويصبون سوما، ويقدمون الطعام، ويسمون الآباء، ويطلبون من كلبي يما أن يفسحا الطريق للميت. لا يعود الميت إلى البيت؛ ويؤدي أهل الفقد هذه الأعمال معاً لإرساله في طريق السابقين. وفي حوار يَمي يرفض يما طلب أخته أن ينجبا نسلاً، ويطلب منها زوجاً آخر، فيثبت حد القرابة الذي تناقشه القصيدة.
التوازيات عبر الحضارات
في ألواح دورة بعل يهدد موت بعل بالابتلاع، ثم يرد خبر موته؛ ولا يبقى في النص المحفوظ وصف متصل لتنفيذ هذا التهديد. وبعد سبع سنين يتجدد صراعهما. يحمل الخصم هنا اسم الموت نفسه. وفي بردية «نزاع حورس وست» يحكم أوزيريس الغرب، ويذكّر مجلس المعبودات بأنهم سيصلون جميعاً إلى مملكته. أما يما في الترتيلة الفيدية فيعرف طريق السابقين، ويستقبل الآباء والقربان عنده.