الرئيسية/الكيانات/جسر تشِنْڤات

جسر تشِنْڤات

ملخص

جسر تشِنْڤات في دين الزرادشتيين الجسر الذي تعبره روح الميّت من هذا العالم إلى العالم الآخر، وفيه تُحاسَب. وأقدم ذكر له في أناشيد زرادشت نفسه: يقول إنّه سيعبر «جسر الفاصل» مع كلّ من يقودهم إلى عبادة أهورا مزدا، وإنّ الكَرْپان والكَوِي، كهنة خصومه وأمراءهم، ستعذّبهم أرواحهم وضمائرهم حين يبلغون الجسر.

ويروي الفصل التاسع عشر من «الڤِنْدِيداد» الطريق كلّه. إذا مات الإنسان قطعت الشياطين بصره، فإذا كانت الليلة الثالثة وطلع الفجر، ووصل ميثرا إلى الجبال، جرّ الشيطان ڤيزَرِشا أرواح الأشرار مقيّدة، ومضت الروح في الطريق الذي صنعه الزمن، وهو مفتوح للصالح والطالح، حتى تبلغ رأس الجسر، فتُسأل عن جزاء ما أعطت في الدنيا. ثم تأتي فتاة جميلة قويّة، معها كلبان، تعرف الصالح من الطالح، فتصعد بروح الصالح فوق جبل هَرا، أي البُرْز، وتعبر بها الجسر إلى حضرة الآلهة. فيقوم «الفكر الحسن» من كرسيّه الذهبي ويقول: كيف جئت إلينا من ذلك العالم الفاني إلى هذا العالم الذي لا يفنى؟ وتمضي روح الصالح إلى عرش أهورا مزدا الذهبي، إلى «بيت الحمد».

ويقول نصّ «هادُخْت نَسْك» من هي هذه الفتاة. تجلس روح الصالح عند رأسه ثلاث ليالٍ، ثم تهبّ عليها في الفجر ريح طيّبة من الجنوب، وتأتيها في الريح فتاة في الخامسة عشرة، أجمل ما في الخلق، فتسألها الروح: من أنتِ؟ فتقول: أنا ضميرك، أنا دَئِنا التي هي أنت. كنت جميلة فزدتني جمالاً بفكرك الحسن وقولك الحسن وعملك الحسن. ثم تخطو الروح أربع خطوات: إلى جنّة الفكر الحسن، ثم القول الحسن، ثم العمل الحسن، ثم الأنوار التي لا نهاية لها. أمّا روح الشرير فتهبّ عليها ريح منتنة من الشمال، وتخطو أربع خطوات إلى جحيم الفكر السيّئ والقول السيّئ والعمل السيّئ، ثم الظلمة التي لا نهاية لها.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الإنسان يلقى عمله عند الجسر في صورة شخص. فالفتاة التي تعبر بالروح هي ضميرها وأعمالها، والجسر يتّسع للصالح ويضيق على الطالح بحسب ما جمع كلّ منهما في حياته، فما يعبر به الإنسان الجسر أو يسقط به هو ما صنعه بيده. ويتّصل بهذه القصّة من يقف عند الجسر: ميثرا القاضي، ورَشْنو الذي يزن، وسْرَوْشا الذي يرافق الروح، والنار التي تعين الصالح على العبور.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يأتي في الأفستا činuuatō pərətu «تْشِنْوَتو پِرِتُو»، والكلمة الثانية هي الجسر أو المعبر، والأولى صفة له. وتذكر المقالة الفارسية في هذا المشروع أنّ معناها في الأفستية «الفاصل» أو «القاضي»، وتقرؤها «شَنَأ»، وتفسّره «أبغض وفصل»، ثم «حَنا»، أي انحنى، فيكون الجسر المنحني. وشَنِئه في معجم لين أبغضه، والشانئ المبغض، وحَنا العود عطفه وثناه. ثم تقول المقالة إنّ أقوى صلة للجسر بالعربية هي «الصراط» نفسه، وإنّ الصراط من strata «سْتْراتا» اللاتينية، أي الطريق المرصوف.

الجذر اللغوي

الصيغ المشهودة

الصيغة الموضع
تْشِنْوَتو پِرِتُو الأفستية
تْشِنْوَد پُهْل الفارسية الوسطى
تْشِنْوَر پُهْل، تشيه وِدَرْگ صيغ أخرى في الكتب الفهلوية

ويُترجم الاسم تقليدياً «جسر الفاصل»، وقد بيّن كيلِنْز أنّ معناه «جسر الجامع» أو «جسر الحاسب»، من فعل či- «تْشي» الأفستي. ويحلّل علماء الإيرانيات činuuant- «تْشِنْوَنْت» إلى هذا الفعل مع لاحقة المضارع -nu- «نُو» ولاحقة اسم الفاعل.

جَنى

وعلى المنهج نقرأ «تْشِنْوَ» بـ«جَنى»: التاء والشين معاً صوت واحد في الأفستية، وتقابله الجيم العربية في مجموعة واحدة مع القاف والكاف في قوانين مشروع جذور، والنون نون، والواو في موضع الياء الأخيرة. وفي معجم لين: «جنى الثمرة» اجتناها من الشجر، و«جنى عليه جِناية» أذنب ذنباً يؤاخذ به، والجاني جامع الثمر ومرتكب الجناية معاً، وفي الحديث: «لا يجني جانٍ إلّا على نفسه». فجسر تشِنْڤات على هذه القراءة جسر الجاني والمجتنى، يحصد فيه كلّ إنسان ما جناه في حياته، وهو قريب من المعنى الذي ذهب إليه كيلنز، «جسر الجامع». أمّا النون فهي عند علماء الإيرانيات من لاحقة المضارع لا من أصل الفعل، وهي في العربية من أصل «جنى».

دَئِنا و«الدِّين»

والفتاة التي تلقى الروح عند الجسر هي daēnā «دَئِنا»، ومعناها في الأفستية الضمير والبصيرة، من فعل «رأى»، ثم صارت في الفارسية الوسطى dēn «دِين» بمعنى الدين. وتقرأ المقالة الفارسية لفظ «دين» الفارسي بالعربية «دِين» وبالأكدية dīnu «دِينُو»، أي الحكم. وفي معجم لين: «دانه» جزاه بفعله، و«كما تدين تُدان» أي كما تفعل يُفعل بك، و«الدَّيّان» المجازي الذي لا يضيّع عملاً. وهذا ما تقوله الفتاة للروح: كنت جميلة فزدتني جمالاً بعملك.

السرديات الأسطورية الرئيسة

الجسر في الكتب الفهلوية

تضع الكتب الفهلوية الجسر على قمّة جبل البرز، عند صخرة تسمّى تشَگاد دائيتي، وطرفه الجنوبي إلى الجنّة، وتحت طرفه الشمالي الجحيم. ويحرسه كلبان في «الڤنديداد»، وكلب واحد في «البندهشن». وطوله وعرضه تسعة رماح، لكنّه يشبه حدّ السيف، أو حدّ الموسى. وعند مدخله محكمة يرأسها ميثرا مع سروشا ورشنو، ويزن رشنو حسنات الروح وسيّئاتها بميزان روحي. فإذا كانت الروح صالحة اتّسع لها الجسر سبعة وثلاثين عوداً، أو تسعة رماح، أو فرسخاً، فتمشي عليه في ربيع أخضر طيّب الريح، وإذا كانت طالحة ضاق حتى صار كحدّ الموسى فسقطت في الجحيم. وفي كتاب «أردا ويراز» تعين النار وسروشا روح الصالح على العبور.

في آخر الزمان

ويقول «البندهشن» إنّ الأرض تصير عند التجديد سهلاً مستوياً لا جليد فيه ولا منحدر، ويُخفض الجبل الذي يقوم عليه جسر تشنڤات حتى لا يبقى، وتُطهَّر أرض الجحيم وتُضمّ إلى العالم، فلا يبقى ما يُعبر فوقه. ويرتبط هذا بعمل سوشيانت الذي يقيم الموتى ويحاسبهم.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة الفارسية جسر تشنڤات «مفهوماً للمحاسبة والعدالة». وتقابله المقالة الثانية بالصراط في الإسلام، الجسر الممدود فوق جهنّم، أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف، يعبره المؤمنون ويسقط عنه الكافرون، وتعدّ التطابق «شبه حرفي».

والنصّ القديم نفسه يجعل الحساب عملاً يراه الميّت: ريح طيّبة أو منتنة، وفتاة جميلة أو قبيحة، وخطوات أربع تقابل الفكر والقول والعمل. فالفكر والقول والعمل التي يدعو إليها زرادشت في الغاثات تصير طريقاً يُمشى.

التوازيات عبر الحضارات

في طريق هرموذر إلى دار هيل جسر مسقوف بالذهب على نهر غْيُولّ، تحرسه فتاة اسمها مُوذْغُوذْر، تسأل العابر عن اسمه ونسبه، وتقول إنّ خمس جماعات من الموتى عبرت الجسر أمس فلم يرنّ تحتها كما يرنّ تحته وحده. فعند الجسرين فتاة تعرف العابر، غير أنّ فتاة تشنڤات هي ضمير العابر نفسه.

وفي مصر يُوزن قلب الميّت أمام أوزيريس في كفّة، وريشة ماعت في الكفّة الأخرى، كما يزن رشنو أعمال الروح عند الجسر. وفي الهند يمرّ الميّت بكلبين لـيما ذوي أربع أعين يحرسان الطريق، كما يحرس الجسرَ كلبان في «الڤنديداد». وهذه كلّها من شواهد النزول إلى العالم السفلي، والطريق فيها طريق الموتى لا طريق زائر يعود.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. يَسنا 46 و51، من الغاثات.

  2. الڤنديداد 19، ترجمة دارمستتر.

  3. هادوخت نسك، ترجمة دارمستتر.

  4. البندهشن 30، ترجمة وِسْت.

  5. الموسوعة الإيرانية، «جسر تشنڤات» و«دين».

  6. «خداع غيلفي»، 49، كتاب الموتى، الفصل 125، ريغفيدا 10.14.

  7. معجم لين، شنأ وحنو وجني ودين.