ملخص
أودين «أُوذِين» كبير الآلهة في أساطير الشمال الإسكندنافي، وأخباره محفوظة في قصائد «الإدا» «إِدّا» الآيسلندية، وفي الكتاب النثري الذي ألّفه سْنُورِي في القرن الثالث عشر وسمّى أوّل أقسامه «خداع غيلفي» «غِيلْفَاغِينِينْغ». هو وأخواه فِيلِي وفِي قتلوا العملاق يمير وصنعوا العالم من جسده، وزوجته فريغ، وابنه بالدر، ويستقبل بعض قتلى الحروب في قاعته فالهالا. «خداع غيلفي»، 6–9 و20 و38.
وقصّته في أصلها قصّة رجل يطلب المعرفة ويدفع ثمنها من جسده. جاء إلى البئر التي يحرسها مِيمِير تحت جذر الشجرة الكونية يغدراسيل، وفي مائها الحكمة، فلم يُعطَ شربة حتى ترك إحدى عينيه رهناً فيها. وفي قصيدة «أقوال العالي» «هَافَامَال» يتكلّم بلسانه: علق على شجرة تضربها الريح تسع ليال، مطعوناً برمح، بلا خبز ولا شراب، ثم نظر إلى أسفل فالتقط الرُّونَات، وهي الحروف التي يكتب بها أهل الشمال وينقشون. وله غرابان، هُوغِين ومُونِين، يطيران كلّ صباح في العالم، ثم يعودان فيقعان على كتفيه ويخبرانه في أذنيه بما رأيا وسمعا.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ أودين يشتري العلم بعضو من جسده ثم يجمعه بالسماع. أعطى عينه ليشرب، وجرح جسده وجوّعه ليأخذ الحروف، وأرسل غرابيه ليسمع منهما، وهو يقلق كلّ يوم من ألّا يعودا. وكلّ هذا العلم لا يردّ عنه آخرته: في رَاغْنَارُوك، المعركة التي تنتهي بها الآلهة، يبتلعه الذئب فنرير. «أقوال غريمنير» «غْرِيمْنِيسْمَال»، 20، «خداع غيلفي»، 51.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: النون الأخيرة في Óðinn «أُوذِينّ» علامة رفع نوردية، أصلها راء أُدغمت في النون التي قبلها، فتسقط في سائر المواضع فيقال في الإضافة Óðins «أُوذِينْس». يبقى «أُوذِن»، والحرف ð «ذ» فيه هو الذال العربية نفسها. فالاسم «أُذُن» بحروفها: همزة وذال ونون. وفي لسان العرب: الأُذُن من الحواسّ، وأَذِنَ له أي استمع، وأَذِنَ بالشيء أي علم به. فأودين على هذه القراءة هو الأُذُن، الذي يعلم بما يسمع، وهذا ما تجعله القصّة: يشرب من بئر الحكمة، ويأتيه خبر العالم كلّ يوم في أذنيه. ويقرأ المقال الصيغة الغربية Wōden «وُودِن» بـ«الوُدّ»، أي شدّة التعلّق، وهو قريب من الكلمة النوردية التي يصل بها المعجم الاسم، óðr «أُوذْر»: الهيجان والإلهام. فالأُذُن تقرأ الاسم كما نطقه أهل الشمال، والوُدّ يقرأ أصله الغربي، والاثنان في قصّته: يسمع الخبر، ويطلب العلم طلب العاشق.
الجذر اللغوي
أودين و«الأُذُن»
يتغيّر آخر الاسم بحسب موقعه في الجملة، ويبقى أوّله ثابتاً:
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| Óðinn | أُوذِينّ | الرفع، والنون الثانية علامته |
| Óðin | أُوذِين | النصب |
| Óðins | أُوذِينْس | الإضافة |
| Wōden | وُودِن | الإنجليزية القديمة |
| Wodan | وُودَان | الألمانية القديمة |
وفي لسان العرب، في مادّة أ-ذ-ن: «والأُذْنُ والأُذُنُ، يخفّف ويثقّل: من الحواسّ»، و«أَذِنَ له أَذَناً: استمع»، و«أَذِنَ بالشيء: علم». فالمادّة تجمع آلة السمع وفعل الاستماع والعلم الذي يأتي منه. وللكلمة أخوات في العبرية «أُوزِن» وفي الآرامية «أُذْنا»، وكلتاهما الأذن، والعبرية تنطق الذال زاياً كما تنطقها في «زاهاف» للذهب.
والحرف ð «ذ» في النوردية صوت الذال العربية، فلا يحتاج إلى إبدال. وكان في أوّل الاسم واو سقطت في النوردية قبل الحركة المدوّرة الطويلة، وبقيت في الإنجليزية القديمة Wōden «وُودِن»؛ فالأُذُن تقابل الاسم كما بقي بعد سقوطها، وهمزتها في موضع تلك الواو. ويصل المعجم الجرماني الاسم بكلمة óðr «أُوذْر»، أي الهيجان وإلهام الشعر، وفيها الذال نفسها، ويشتقّ أُورِل *Wōđanaz «وُوذَنَز» من الصفة *wōđaz «وُوذَز»، أي الممسوس الملهَم، فالنون من بناء الاسم الجرماني.
قراءات أخرى في المقال
يضع المقال «أُذُن» أوّلاً، ثم «وَدّ»: المحبّة والتعلّق الشديد، ويقابل بها الصيغة الغربية «وُودِن»، ويفسّر Wōd «وُوذ» بالمجنون حبّاً وحكمة. ووَدّ أيضاً اسم معبود عند العرب ذكره القرآن. تحفظ هذه القراءة الواو والدال اللتين في أوّل «وُودِن»، والنون من بناء الاسم كما سبق، فلا يُطلب لها مقابل في الجذر؛ ويبقى بين الدال العربية والذال الجرمانية فرق لا شاهد له بعد. وتلتقي في المعنى بـóðr «أُوذْر»: الوُدّ شدّة التعلّق، والهيجان شدّة الحال، وكلاهما في أودين الذي تعلّق بالعلم حتى ضحّى بعينه. معجم لين، ودّ. ويذكر المقال كذلك «عَدَن» بمعنى أقام، وجنّة عدن جنّة الإقامة، فيرى فيها أودين الجالس على عرشه، و«وَدَن» بمعنى تشرّب، و«أوّد» بمعنى عاد ودار. والأخيرتان لا يشهد لهما المعجم بهذين المعنيين.
السياق التاريخي
تحمل قلادة ذهبية من فِينْدِلِيف في الدنمارك، مؤرّخة بأوائل القرن الخامس للميلاد، ذكراً كتابياً مبكراً لاسم أودين. أمّا أخبار البئر والرونات والغرابين فحفظتها نصوص آيسلندية كُتبت بعد ذلك بقرون، فتاريخ المخطوط ليس زمن الحادثة التي يرويها.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الشجرة والرونات
تُرقَّم أبيات التعليق 139–140 في ترجمة بِيلُوز، و138–139 في ترقيم آخر. ولا تسمّي الأبيات الشجرة باسمها، فاسم يغدراسيل من شروح لاحقة لا من نصّ القصيدة نفسه.
البئر والغرابان
يشرب ميمير من البئر بالبوق غْيَالَارْهُورْن، ولذلك كان كثير العلم، وعينُ أودين باقية في البئر رهناً. وفي «أقوال غريمنير» يقول أودين إنه يخاف ألّا يعود هوغين، وخوفه على مونين أشدّ.
القراءة الرمزية
يقرأ المقال النوردي أودين نموذجاً للحكيم الباحث: العين المتروكة ثمن الفهم، والتعليق تسع ليال معاناة سبقت معرفة الكتابة، فقدّمت الرونات ثمرة جهد لا هبة. والغرابان في هذه القراءة نظام استطلاع يذهب إلى الأراضي البعيدة ويعود بالأخبار. وتعطي الشربة والحروف وتقارير الرسولين أودين ثلاث موادّ مختلفة للمشورة، لكلّ منها ثمن مختلف.
التوازيات عبر الحضارات
يواجه ثور الخطر بالمطرقة، ويضع تير يده في فم فنرير ضماناً للعهد، أمّا أودين فيرسل غرابين ويطلب ماء البئر ويحمل الرونات. يحتاج مجلسهم إلى الخبر والقوّة والضمان، ولكلّ واحد منها ثمن: عين، أو يد، أو حياة في المعركة الأخيرة.