ملخص
غِينُّونْغَاغَاب الفجوة الخالية التي كانت قبل أن يُخلق شيء في أساطير الشمال. تقول العرّافة في «نبوءة العرّافة» «ڤُولُوسْبَا»: كان في أوّل الدهور، ولم يكن شيء، لا رمل ولا بحر ولا أمواج باردة، لم تكن أرض ولا سماء فوقها، كانت فجوة فاغرة، ولا عشب في أيّ مكان.
ويروي سْنُورِي في «خداع غيلفي» «غِيلْفَاغِينِينْغ» ما جرى في هذه الفجوة. في شمالها نيفلهايم، تخرج منه أنهار يتجمّد ماؤها كلّما بعد عن منبعه، فتراكم الصقيع طبقة فوق طبقة حتى امتلأ الجزء الشمالي من الفجوة بالجليد الثقيل والريح الباردة. وفي جنوبها موسبلهايم، يتطاير منه الشرر فيضيء الجزء الجنوبي. أمّا وسط الفجوة فكان ساكناً كهواء لا ريح فيه. فلمّا التقى الصقيع بأنفاس الحرارة ذاب وقطر، ودبّت الحياة في القطرات، فخرج منها كائن على صورة إنسان هو العملاق يمير. ثم قتل أودين وأخواه يمير، وحملوا جسده إلى وسط الفجوة فصنعوا منه الأرض والبحر والسماء، وأخذوا الشرر المتطاير من موسبلهايم فثبّتوه في وسط الفجوة في السماء ليضيء السماء والأرض. ويقوم أحد جذور الشجرة يغدراسيل عند عمالقة الصقيع، «حيث كانت غينونغاغاب من قبل»، وتحته بئر ميمير. «خداع غيلفي»، 4 و5 و8 و15.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ العالم يبدأ في مكان خالٍ بين ضدّين. البرد في الشمال والحرارة في الجنوب، والحياة تظهر في الوسط حيث يلتقيان، ثم يملأ الآلهة الفراغ بالجسد الذي قتلوه وبالأضواء التي رتّبوها. ولا تختفي الفجوة بعد ذلك: يقول سنوري في «لغة الشعر» إنّ الهواء يُسمّى غينونغاغاب، فالخلاء الذي كان قبل الخلق صار الفضاء الذي بين الأرض والسماء.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»: Ginnungagap «غِينُّونْغَاغَاب» كلمتان، ginnunga «غِينُّونْغَا»، وهي صيغة إضافة في الجمع، وgap «غَاب»، أي الفجوة. أصل الأولى ginn- «غِينّ»، وتقابلها «الجِنّ» من جنّ يجنّ، والجيم العربية تصير في النوردية غيناً كما في «جَرَد» التي يُقرأ بها آخر اسم أسغارد. وفي معجم لين: جنّه الليل ستره بظلمته، والجِنّ ظلمة الليل وشدّتها، وجِنّ الشباب أوّله، و«أفعل ذلك الأمر بجِنّ ذلك» أي في أوّل أمره وجِدّته. وتقابل الثانيةُ gap «غَاب» «الجَوْبة»، وهي عند لين الفجوة والفُرجة في السحاب وفي الجبال، وكلّ فُرجة واسعة. فغينونغاغاب على هذه القراءة «جَوْبة الجِنّ»: الفجوة التي تسترها الظلمة في أوّل الأمر، وهذا ما تجعله القصّة: فراغ مظلم لا أرض فيه ولا سماء، يبدأ منه كلّ شيء.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | ما هي |
|---|---|---|
| gap var ginnunga | غَاب ڤَار غِينُّونْغَا | «كانت فجوة غينونغا»، «نبوءة العرّافة» 3 |
| Ginnungagap | غِينُّونْغَاغَاب | الاسم المركّب عند سنوري |
| ginn- | غِينّ | صدر في الشعر بمعنى العظيم المقدّس |
| ginnungar | غِينُّونْغَار | جمع، «القوى العليا» عند المعجم |
| ginna | غِينَّا | خدع، أسكر، ومنه «خداع غيلفي» |
| gap | غَاب | الفجوة، الفراغ |
| جِنّ + جَوْبة | جيم ونون مشدّدة، ثم جيم وواو وباء | اللفظان العربيان اللذان نقرأ بهما الاسم |
يقول معجم كْلِيسْبِي وفِيغْفُوسُون إنّ ginn- «غِينّ» صدر لا يأتي وحده، وإنّه في الكلمات الأسطورية القديمة بمعنى العظيم المقدّس، كما في ginnheilög goð «غِينّْهَيْلُوغ غُوذ»، أي الآلهة الأقدس، وإنّ ginnungar «غِينُّونْغَار» جمع بمعناها، ومنه Ginnunga-gap «غِينُّونْغَاغَاب»، الخلاء الذي لا صورة له، تسكنه القوى العليا قبل الخلق. ويرى المعجم أنّ الأقرب ردّ الصدر إلى الفعل الذي معناه «بدأ»، وهو في القوطية du-ginnan «دُوغِينَّان»، ويذكره أُورِل كذلك. ومن الأصل نفسه في النوردية ginna «غِينَّا»، أي خدع وأسكر، وهو الذي في اسم «خداع غيلفي»، وginnungr «غِينُّونْغْر» المشعوذ. أمّا gap «غَاب» فالفجوة والفراغ، من فعل gapa «غَابَا»، أي فغر.
وفي معجم لين في مادّة جنن: «جنّه: ستره وغطّاه، يقال للّيل»، و«الجِنّ ظلمة الليل، أو شدّة ظلمته»، و«جِنّ الشباب أوّله»، و«أفعل ذلك الأمر بجِنّ ذلك: في أوّل أمره وجِدّته»، ويقال الجِنّ أيضاً لجنون الفرح. ويقول الراغب فيما ينقله لين إنّ أصل الجَنّ الستر عن الحسّ، ومنه سُمّي الجنّ. وفي مادّة جوب: «جابه: خرقه وقطعه»، و«الجَوْبة: الفُرجة في السحاب وفي الجبال، وكلّ فُرجة واسعة، والموضع المنخفض بين البيوت».
وتجري الأصوات على قوانين مشروع جذور: الجيم والقاف والكاف مجموعة واحدة تصير g «غ» أو k «ك» في اللغات الجرمانية، فتقابل الجيمُ الغينَ في ginn- «غِينّ» وفي gap «غَاب». والنون المشدّدة في «الجِنّ» تبقى نوناً مضعّفة في ginn- «غِينّ». وفي «جَوْبة» تسقط الواو، وهي حرف ضعيف، وتصير الباء p «پ» كما صارت في Muspell «مُوسْبِل». وتلتقي معاني الصدر النوردي الثلاثة، البدء والقوى الخفيّة والخداع، بمعاني «جنن» في العربية: أوّل الشيء، والجنّ المستورون، والجنون. ويبقى أنّ -ung- «ـونْغ» لاحقة جرمانية لا يُطلب لها مقابل.
ولا يقرأ المقال الساميّ في هذا المشروع اسم الفجوة، ويذكرها المقال الآخر في كلامه على الخلق.
السرديات الأسطورية الرئيسة
يبدأ بيت الفجوة في «كتاب الملك» «كُودِكْس رِيغْيُوس»، المخطوطة الرئيسة للقصيدة، بقوله «في أوّل الدهور حين سكن يمير»، ويبدأ في اقتباس سنوري «في أوّل الدهور حين لم يكن شيء». فإحدى الروايتين تجعل يمير في الفجوة من البدء، والأخرى تجعلها خالية.
ويذكر معجم كليسبي وفيغفوسون أنّ البحر الذي بين غرينلاند وأمريكا سُمّي غينونغاغاب في القرن الحادي عشر، فانتقل اسم الفراغ الأوّل إلى بحر لم يكن الناس يعرفون آخره.
القراءة الرمزية
تقرأ مقالة «إعادة قراءة الأساطير النوردية» الفجوة صورة لشمال المحيط الأطلسي، الفراغ الذي بين القارّات قبل أن يعرفه الإنسان، أو صورة لفوهة بركان عظيمة تحت الجليد، وتقرأ لقاء الجليد والنار عند وسطها ينابيع حارّة كينابيع آيسلندا. ولتسمية البحر الذي بين غرينلاند وأمريكا باسم الفجوة في القرن الحادي عشر صلة بقراءة المحيط، لكنّها تسمية لاحقة، والقصيدة تقول إنّ الفجوة كانت حين لم يكن بحر ولا أمواج.
التوازيات عبر الحضارات
يبدأ هِسْيُود العالم بـخاوس، وهو مثل غينونغاغاب فجوة مفتوحة، تُقرأ على هذا الموقع بالخَواء. ثم تظهر الأرض في خبر هسيود بعد الفجوة من غير صانع، ويأتي الليل قبل النهار. أمّا في الشمال فالحياة تقطر من التقاء البرد بالحرارة، ثم يصنع الآلهة الأرض من جسد مقتول على نمط الجسد الكوني. ويبدأ الخلق في مصر من ماء نُون الأوّل، والفجوة النوردية بلا ماء ولا بحر في بيت العرّافة، والماء يأتيها أنهاراً متجمّدة من الشمال.