ملخص
فيلي وفي أخوا أودين في أساطير الشمال، أبناء بور وبِسْتْلا ابنة العملاق بولثورن. وبور ابن بوري، الذي كشفته البقرة أوذهوملا من حجر الصقيع المالح بلسانها في ثلاثة أيّام. ويقول الراوي في «خداع غيلفي» «غِيلْفاغِينِينْغ»: «أظنّ أنّ أودين هذا وأخويه هم الذين يحكمون السماء والأرض».
وقصّتهما قصّة صنع العالم. قتل أبناء بور الثلاثة العملاق يمير، فسال من جراحه دم كثير غرق فيه عمالقة الصقيع كلّهم إلّا واحداً، برغلمير، صعد مع امرأته على وعائه فنجا، ومنهما جاء العمالقة بعد ذلك. «خداع غيلفي»، 7. ثم حملوا يمير إلى وسط غينونغاغاب، فصنعوا من لحمه الأرض، ومن دمه البحر والمياه، ومن عظامه الجبال، ومن أسنانه وعظامه المكسورة الحجارة، وجعلوا البحر حلقة حول الأرض. وأخذوا جمجمته فجعلوها سماء، وأقاموها على أربعة أركان تحت كلّ ركن قزم، وثبّتوا الشرر المتطاير من موسبلهايم في السماء ليضيء، فمن يومها عُرف النهار والليل وعدد السنين. وأعطوا العمالقة أرضاً على شاطئ البحر في يوتنهايم، وبنوا من حاجبي يمير حصناً للناس هو ميدغارد، ورموا دماغه في الهواء فصار سحاباً. «خداع غيلفي»، 8. وتقول «نبوءة العرّافة» «فُولُوسْبَا»: «قبل أن يرفع أبناء بور اليابسة، وهم الذين صنعوا ميدغارد البهيّة، أشرقت الشمس من الجنوب على حجارة الأرض، فاخضرّت الأرض بالكرّاث».
ثم مشى الإخوة على شاطئ البحر فوجدوا شجرتين، فرفعوهما وصنعوا منهما الناس: أعطى الأوّل النفَس والحياة، والثاني العقل والحركة، والثالث الوجه والكلام والسمع والبصر، وأعطوهما ثياباً وأسماء، فكان الرجل آسك والمرأة إمبلا، ومنهما الناس الذين أُعطوا ميدغارد مسكناً.
ولا يعود الأخوان في القصص إلّا مرّة واحدة، في غياب أخيهم. تقول «ملحمة ينغلينغا» «إِينْغْلِينْغا سَاغا» إنّ لأودين أخوين، في وفيلي، يحكمان الملك إذا غاب، وإنّه غاب مرّة غيبة طويلة حتى ظنّ الآسير أنّه لن يرجع، فاقتسم أخواه ميراثه، وتزوّجا كلاهما امرأته فريغ. ثم رجع أودين بعد قليل فأخذ امرأته. وحين خرج أودين يطلب الشمال جعل أخويه على أسغارد. «ملحمة ينغلينغا»، 3 و5، النصّ النوردي. وبهذا يعيّر لوكي فريغ في وليمة إيغير: «اسكتي يا فريغ، أنت ابنة فيورغين، وما زلت مولعة بالرجال، يوم أخذتِ في حضنك في وفيلي كليهما، وأنت امرأة ڤيذرير».
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ العالم من صنع ثلاثة إخوة، يقتلون الجدّ الأوّل من جهة أمّهم، العملاق، ويقسمون جسده أرضاً وبحراً وسماء، ثم يعطون الإنسان النفَس والعقل والوجه. لكنّ الذاكرة تحفظ اسم واحد منهم، أودين، ويبقى الأخوان في الظلّ: لا يُذكران إلّا في الخلق، وإلّا حين يغيب الأخ الأكبر فيقومان مقامه في ملكه وبيته، ثم يرجع فيأخذ ما له. فهما الأخوان اللذان يملأان مكان الغائب.
أمّا الاسمان فنقرؤهما في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، فالمقال يذكر «أبناء بور (أودين، فيلي، في)» ولا يقرأ الاسمين. Vili «ڤِيلِي» حرفه الأخير علامة الرفع في الأسماء الضعيفة، يصير في النصب والإضافة Vilja «ڤِيلْيا»، كما في «خصومة لوكي»، ففيه الواو واللام والياء. وهو «وَلِيَ» و«الوَلِيّ» العربيّان بحروفهما. وفي معجم لين «وَلِيَ الأمرَ» تولّاه وقام عليه، أرضاً كان أو بلداً، أميراً أو حاكماً أو مدبّراً، و«والاه» صادقه، و«أولاه معروفاً» أسدى إليه فضلاً، و«الوَلاء» القرابة، والحقّ في الميراث. والكلمة النوردية vili «ڤِيلِي» معناها الإرادة والرغبة، والرضا والفضل. فالمعجمان يلتقيان في الرضا والفضل، والقصّة تجعل فيلي «الوليّ»: يتولّى ملك أخيه في غيبته، ويرث ماله، ويأخذ امرأته. وVé «ڤِي» أصله في الجرمانية *wīh- «وِيه»، بحرف حلقي في آخره يحفظه القوطي weihs «وِيهْس»، أي المقدّس، ويسقط في النوردية. فيه الواو، ثم حركة طويلة، ثم الهاء. وهو «وَجْه»: الجيم تصير ياءً في جدول مشروع جذور، والهاء هاء. والكلمة النوردية vé «ڤِي» معناها البيت، ثم الحرم المقدّس، وفي معجم لين «الوِجْهة» الموضع الذي يقصده المرء ويتوجّه إليه. والإنسان في «خداع غيلفي» أخذ «الوجه» من الأخ الثالث، وفي هو الثالث في ترتيب الإخوة.
الجذر اللغوي
فيلي و«الوَلِيّ»
| الصيغة | النطق | ما هي |
|---|---|---|
| Vili | ڤِيلِي | الرفع |
| Vilja | ڤِيلْيا | النصب، «خصومة لوكي» 26 |
| Vila | ڤِيلا | النصب، «ملحمة ينغلينغا» 5 |
| vili | ڤِيلِي | الإرادة، الرغبة، الرضا، الفضل |
| wilja | وِيلْيا | الكلمة نفسها في القوطية |
| وَلِيَ، الوَلِيّ | واو ولام وياء | اللفظ العربي الذي نقرأ به الاسم |
يقول معجم كليسبي وفيغفوسون إنّ vili «ڤِيلِي» تُنطق vilji «ڤِيلْيِي»، وإضافتها vilja «ڤِيلْيا»، وأختها في القوطية wilja «وِيلْيا»، ومعناها الإرادة والرغبة، ثم الرضا والمحبّة والفضل، كما في «إن كان ذلك رضاك»، ثم في الشعر القديم البهجة والسرور. ويجعلها أوريل من أصل جرماني *weljōn «وِيلْيُون»، وفيه الإنجليزية القديمة willa «وِيلّا»، والألمانية القديمة willo «وِيلّو»، أي الرغبة.
وفي معجم لين: «وَلِيَ الأمرَ» و«وَلِيَ عليه» تولّاه وقام عليه، بلداً أو مدينة، أميراً أو حاكماً أو ملكاً أو مدبّراً، و«والاه» صادقه، و«أولاه معروفاً» أسدى إليه فضلاً كأنّه ألصقه به، و«الوَلاء» القرابة، وحقّ الميراث في مال المعتَق. معجم لين، ولي. والمقابلة منتظمة: الواو العربية من المجموعة الشفوية التي تخرج في اللغات الأوروبية واواً أو ڤاءً، واللام لام، والياء ظاهرة في الجرمانية نفسها، في vilja «ڤِيلْيا» وwilja «وِيلْيا». والمعنى النوردي، الإرادة، غير المعنى العربي، التولّي والقرب، ويلتقيان في الرضا والفضل.
في و«الوَجْه»
| الصيغة | النطق | ما هي |
|---|---|---|
| Vé | ڤِي | الرفع |
| Véa | ڤِيا | النصب، «خصومة لوكي» 26، من Véi «ڤِيي» |
| vé | ڤِي | البيت، ثم الحرم المقدّس |
| weihs | وِيهْس | القوطية، المقدّس |
| وَجْه، وِجْهة | واو وجيم وهاء | اللفظ العربي الذي نقرأ به الاسم |
يجعل معجم كليسبي وفيغفوسون vé «ڤِي» في الأصل البيت، ثم الحرم والمعبد، ومن أمثلته «بيت الناس»، أي الأرض، و«بيت الآلهة»، أي السماء، و«الدار الخارجية»، أي أطراف الأرض حيث يسكن العمالقة، و«من قتل في الحرم» صار طريداً. ويقول سنوري إنّ الآلهة لم يريدوا أن يدنّسوا حرمهم بدم الذئب فنرير. «خداع غيلفي»، 34. ويقرن المعجم الكلمة باللاتينية vicus «ڤِيكُوس» واليونانية οἶκος / oikos «أُويْكُوس»، أي البيت، ويجعل اسم أخي أودين من كلمة أخرى، Véi «ڤِيي»، معناها الكاهن. أمّا أوريل فيجعل vé «ڤِي» من الجرمانية *wīxan «وِيخان»، أي المعبد، وهي من *wīxaz «وِيخاز»، المقدّس، وفي القوطية weihs «وِيهْس».
وفي معجم لين: «الوِجْهة» الموضع الذي يقصده المرء ويتوجّه إليه، و«الوجيه» الجدير بالتقدير، و«أسلمتُ وجهي لله» أسلمت نفسي، لأنّ الوجه أشرف ما في الإنسان فسُمّي به كلّه. معجم لين، وجه. والمقابلة تحفظ الواو، وتجعل الجيم ياءً كما يسجّل جدول مشروع جذور أنّ الجيم تخرج في اللغات الأوروبية «ج» أو «غ» أو «ي»، وتحفظ الهاء في القوطية وتسقطها في النوردية. والمعنى الجرماني، البيت والحرم والمقدّس، يلتقي «الوِجْهة»، الموضع الذي يُقصد، ولا يلتقي الوجه نفسه إلّا في قصّة الخلق. وهذا موضع الضعف في القراءة.
ونقرأ الاسم أيضاً «وَقَى»: في معجم لين «وقاه الله» حفظه، و«اتّقى» احترز، ومنه التقوى، وهو قريب من معنى المقدّس المحفوظ في القوطية weihs «وِيهْس». لكنّ القاف فيه قبل الياء، والحرف الحلقي في الجرمانية بعد الحركة الطويلة، فالترتيب مقلوب.
ويجتمع الجذران في العربية في قولهم «وَلّى وجهَه»، أي أداره نحو الشيء، ويذكر معجم لين أنّ «وَلّى» تأتي بمعنى أدار نحو الشيء، وبمعنى صرف عنه.
السرديات الأسطورية الرئيسة
ثلاثة آخرون في «نبوءة العرّافة»
تروي «نبوءة العرّافة» خلق الناس بأسماء أخرى: جاء ثلاثة من الآسير إلى البيت، فوجدوا آسك وإمبلا على الأرض قليلَي القوّة بلا قدر، لا نفَس فيهما ولا روح ولا دم ولا لون حسن، فأعطى أودين النفَس، وأعطى هونير الروح، وأعطى لودور الدم واللون الحسن. فالشاعر يجعل الثلاثة أودين وهونير ولودور، وسنوري يجعلهم أبناء بور، ولا يسمّي أيّ الإخوة أعطى أيّ الهبات، ويكتفي بالأوّل والثاني والثالث.
أسماء الإخوة الثلاثة
يسقط حرف الواو من أوّل اسم أودين في النوردية، ويبقى في الإنجليزية القديمة Wōden «وُودِن». فكانت أسماء الإخوة الثلاثة في الأصل تبدأ كلّها بالواو، كما تتوالى الحروف المتشابهة في أوّل الكلمات في الشعر النوردي، وكانت الأسماء على هذا النسق: الإلهام، والإرادة، والحرم.
القراءة الرمزية
تذكر مقالة «إعادة قراءة الأساطير النوردية» أبناء بور، أودين وفيلي وفي، في خبر الخلق، وتقرأ صنع العالم من جسد يمير «وصفاً جغرافياً تشريحياً»: لحمه التربة، ودمه البحار والأنهار، وعظامه الجبال، وجمجمته السماء، وحاجباه ميدغارد، فالإسكندنافي يشرح أرضه بتشبيهها بجسد عملاق، وهي «خريطة مجسّدة». فالإخوة الثلاثة على هذه القراءة راسمو الخريطة، والقتل الأوّل تقسيم الأرض إلى مواضعها.
وتعين النصوص على قراءة من حياة الناس: الإخوة الذين يقومون على ملك أخيهم الغائب، ويقتسمون ميراثه حين يُظنّ أنّه لن يرجع، ويأخذون امرأته، ثم يردّونها حين يرجع، صورة لما يقع في بيت يغيب كبيره في سفر طويل. وتقدّم «ملحمة ينغلينغا» الخبر على أنّه خبر ميراث، لا خبر خيانة.
التوازيات عبر الحضارات
يقتل مردوخ في «إينوما إيليش» تيامات، الأمّ الأولى، فيشقّها نصفين، ويجعل من أحدهما السماء ومن الآخر الأرض، ثم يُصنع الناس من دم كينغو المهزوم. وأبناء بور يقتلون يمير، الجدّ الأوّل من جهة أمّهم، ويصنعون من جسده العالم كلّه، ثم يصنعون الناس من شجر. فالقصّتان تبدآن بقتل الجسد الأوّل ثم قسمته، وتفترقان في مادّة الإنسان: دم إله مقتول هناك، وشجرتان على الشاطئ هنا.
وعند الإغريق ثلاثة إخوة آخرون، أبناء كرونوس: زيوس وبوسيدون وهاديس. غلبوا الجيل الأقدم، ثم اقترعوا على العالم فكانت السماء لزيوس والبحر لبوسيدون والظلام لهاديس. وفي «الإلياذة» يغضب بوسيدون حين يأمره زيوس، ويقول إنّه نظيره في النصيب، فيذكّره الرسول بحقّ الأخ الأكبر. وأخوا أودين يقتسمان ميراث الأخ الأكبر في غيابه، ثم يردّانه حين يرجع.
وصنع العالم من جسد يمير شاهد على نمط الجسد الكوني، ورفع اليابسة وجعل الجمجمة سماء من فصل السماء عن الأرض، وهبات الإخوة لآسك وإمبلا من خلق الإنسان، والدم الذي أغرق العمالقة إلّا برغلمير وامرأته يضعه المقال العربي إلى جانب الطوفان، طوفان نوح.