ملخص
نُون هو الماء الأول عند المصريين، الماء الذي كان قبل أن توجد السماء والأرض، وهو أقدم الآلهة وأبوهم. في بردية بْرِيمْنَر رِنْد يقول الخالق إنه كان في نون مع كائنات ساكنة لا تتحرك، ولم يجد موضعاً يقف عليه. ثم بصق شو وتفل تفنوت، فقال: «وأبي نون ربّاهما». وكان الولدان يفرحان في نون حيث كانا. وفي روايات أُون يخرج أتوم من هذا الماء على التلّ الأول، كما تخرج الأرض من الماء.
ولا يزول نون بعد الخلق. فحين شاخ رع وتآمر عليه الناس، جمع الآلهة وقال لنون: «يا أقدم الآلهة، يا من صرتُ فيه»، وسأله ماذا يفعل. فأجابه نون: «يا بنيّ رع، ابقَ على عرشك»، وأشار عليه أن يرسل عينه على المتآمرين. وقال رع في المجلس نفسه إنه سيعود في آخر الأمر إلى نون، إلى الموضع الذي صار فيه. وفي ختام «كتاب البوابات» على تابوت سيتي الأول «سِيتِي» يرفع نون مركب الشمس بذراعيه من الماء، وتستقبل نوت رع في السماء.
والفكرة التي تدور عليها قصة نون أنّ العالم خرج من الماء ولم يخرج عليه. فنون لا يُقتل ولا يُهزم كما يُهزم ماء الفوضى في أساطير أخرى. هو الأب الذي ربّى أول الأولاد، والشيخ الذي يستشيره الملك، والماء الذي يحيط بالأرض ويجري تحتها، ترجع إليه الشمس كل ليلة ويرفعها منه كل صباح. وتقرّب إعادة القراءة هذه الصورة من النيل: يغمر الفيضان الأرض كل سنة فتختفي الحدود، ثم ينحسر فتظهر الأرض للزرع، فيتكرّر الخلق كل عام.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية nw.w «ن-و-و»، والواو الأخيرة لاحقة، فإذا حذفناها بقي nw «نُو»، وهي كلمة الماء نفسها في المصرية، ثم صار في الديمُوطِيقِيّة nwn «نُون» للماء الأول والفيضان. وهو «النون» العربي: النون في لسان العرب الحوت، وجمعه أنوان ونينان. فاسم الماء الأول هو اسم الكائن الذي يعيش فيه، ونون على هذه القراءة هو الماء العميق الذي تسكنه الحياة قبل أن تظهر الأرض.
الجذر اللغوي
الماء والسمك والسكون
| الصيغة | معناها | الشاهد |
|---|---|---|
| nw.w «ن-و-و» | اسم نون | معجم المصرية، الاسم |
| nw «نُو» | الماء | الجذر المائي |
| nwn «نُون» | في الديموطيقية: الماء الأول والفيضان | الصيغة الديموطيقية، الماء الأول |
هذه الرسوم لا تعطينا الحركات القديمة كاملة، فـ«نُون» و«نُو» قراءتان اصطلاحيتان. والنون نون والواو واو في اللغتين، والصيغة الديموطيقية nwn تطابق «نون» العربية حرفاً بحرف؛ أمّا الصيغة القديمة فليس فيها النون الأخيرة، فالمطابقة التامة متأخرة في المصرية.
وتربط شروح مصرية الاسم بلفظ neni «نِنِي»، أي الخامل الساكن، وعليه تلعب بردية بريمنر رند حين تقول إن الخالق صنع في نون كائنات «ساكنة».
| اللفظ | معناه في المعجم | موقعه من الاسم |
|---|---|---|
| «نون، ن-و-ن» | الحوت؛ والدواة؛ وحرف الهجاء | قراءة المقال الأولى، وتطابق الصيغة الديموطيقية |
| الأكدية nūnu «نُونُو» | السمك | نظير قديم لكلمة السمك |
| «نوم، ن-و-م» | الرقاد؛ ويقال نام البحر إذا هدأ | يصل الماء بالسكون، والميم فيه مكان النون |
| «ونى، و-ن-ي» | فتر وضعف | يقارب معنى الخمول، وترتيب حروفه مختلف |
| «أنّ، أ-ن-ن» | أصدر أنيناً | يذكره المقال صوتاً للفوضى الأولى، ولا يدلّ على الماء |
مصادر الألفاظ: لسان العرب، نون، وني، أنن؛ والقاموس المحيط ولسان العرب، نوم؛ ومعجم النصوص المسمارية، nūnu «نُونُو». ويذكر المقال أيضاً «نان» بمعنى الماء، ولم نجدها في المعاجم العربية بهذا المعنى. وفي لسان العرب أن «ن» في أول سورة القلم فُسّرت بالحوت وبالدواة، وفضّل الأزهري أنها حرف هجاء.
السياق التاريخي
يسجّل معجم الاسم شواهد تبدأ نحو 2375 ق.م، فالاسم حاضر في الدولة القديمة. وبعد أكثر من ألف عام يظهر نون في ختام كتاب البوابات على تابوت سيتي الأول، نحو 1279 ق.م، وهو التابوت M470 «إم 470» من مقبرته في وادي الملوك.
وينتمي نون ونُونِت، أو نَاوْنِت، إلى أربعة أزواج في جماعة الثمانية، وترتبط تقاليدهم بخِمْنُو، الأشمونين اليوم، ثم تجعل تقاليد متأخرة جِمِه قرب مدينة هابو في طيبة موضعاً لدفنهم وعبادتهم. ونونت هي المقابل الأنثوي للماء الأول، وليست نوت السماء.
السرديات الأسطورية الرئيسة
بقية قصة الهلاك
بعد مشورة نون نزلت العين في هيئة حَتْحُور وقتلت الناس، ثم أوقف رع القتل بجعة ملوّنة بالمغرة الحمراء ظنّتها دماً. فنون شريك في قرار مجلس عن استعمال القوة، والقتل نفسه تنفّذه العين.
صورة التابوت
في مشهد الساعة الثانية عشرة على تابوت سيتي الأول تقف نوت على أوزيريس الذي يحيط بالعالم السفلي، ويسمّي النقش نون صراحة. وُضعت الصورة على وعاء دفن ملك بعينه، فوصلت رجاءه في الحياة بعد الموت بعودة الشمس.
القراءة الرمزية
تصوّر المصريون ماء نون محيطاً بالأرض وكامناً تحتها. ويربط شرح المتحف المصري العالمي التلّ الأول بالأرض التي تنكشف بعد الفيضان، ويرى في وصول أساس المعبد إلى الماء صلة بين كل بناء والبداية الأولى. نون. ويحمل نون في إعادة القراءة طرفين: خطر الغمر، والماء الذي لا يقوم معاش بدونه.
التوازيات عبر الحضارات
يسمّى يونس «ذا النون»، والنون الحوت المتصل بقصته: ينادي من الظلمات ثم ينجو، فتجتمع صورة الكائن المائي والاحتجاب والخروج.
وتذكر هود 7 خلق السماوات والأرض وكون العرش على الماء، فيلتقي الخبر مع التصوّر المصري في سبق الماء للعالم المشكّل، وتنفرد أخبار نون بتشخيص الماء سلفاً يتكلم في مجلس رع ويرفع المركب.
وفي بلاد الرافدين يمثّل أبسو الماء العذب الأول وتمثّل تيامات البحر في «إِينُوما إِيلِيش». يسبق الماء العالم المنظّم في الروايتين، لكن أبسو وتيامات يدخلان صراعاً عائلياً لا يدخله نون.