ملخص
شجرة العالم شجرة تقوم في وسط الكون أو على حدّه، تنزل جذورها إلى الماء الذي تحت الأرض وإلى دار الموتى، ويبلغ رأسها السماء، فتجمع طبقات العالم في جسد واحد، ويسكنها من أسفلها إلى أعلاها أحياء يعادي بعضهم بعضاً.
وأقدم قصّة متّصلة وصلتنا عنها في القصيدة السومرية «جلجامش وإنكيدو والعالم السفلي». كانت على ضفّة الفرات شجرة واحدة، شجرة خَلُوب، يسقيها النهر. فاقتلعتها ريح الجنوب وجرّدت أغصانها، وحملها الفرات. فمرّت بها امرأة تهاب كلام آن وإنليل، فأخذتها إلى أوروك وغرستها في بستان إنانا، والمرأة هي إنانا نفسها كما تحكي القصّة بعد ذلك على لسانها. غرستها برجليها لا بيديها، وسقتها برجليها، وقالت: متى يصير هذا كرسيّاً أجلس عليه، متى يصير سريراً أنام عليه؟ ومضت خمس سنين وعشر، فغلظت الشجرة ولم ينشقّ لحاؤها. واتّخذت حيّة لا تنفع فيها الرُّقى عشّاً عند جذورها، ووضع الطائر أنزو فراخه في أغصانها، وبنت الفتاة الشبح بيتاً في جذعها. فبكت إنانا، وشكت أمرها إلى أخيها أوتو فلم يقف معها، ثم إلى جلجامش فوقف معها. شدّ على وسطه حزاماً وزنه خمسون مَنّاً، وأخذ فأسه البرونزية، فقتل الحيّة التي عند الجذور، فحمل أنزو فراخه إلى الجبال، وتركت الفتاة بيتها وهربت إلى البرّية. ثم اقتلع الشجرة، وقطّع رجال مدينته أغصانها، فأعطى إنانا خشب كرسيّها وسريرها، وصنع لنفسه من جذرها كرة ومن أغصانها مضرباً. ولعب بهما في ساحة المدينة حتى أنهك شبّانها، فلمّا اشتكت الأرامل والفتيات سقطت الكرة والمضرب إلى قاع العالم السفلي، فنزل صديقه إنكيدو ليأتي بهما.
وتعرف أساطير كثيرة شجرة من هذا النوع. عند أهل الشمال يغدراسيل، الدردارة التي لها ثلاثة جذور، عند أحدها بئر ميمير، وعند آخر يقرض التنّين نيدهوغ الجذر، وفي أعلاها نسر، وتسقيها النورنات كلّ يوم. وفي الهند شجرة الأَشْوَتَّه، وهي التينة المقدّسة، جذرها في الأعلى وأغصانها في الأسفل. وفي الصين شجرة فُوسَانْغ التي تغتسل عندها الشموس العشر، وشجرة جِيَانْمُو التي تصعد عليها المعبودات وتنزل في وسط السماء والأرض. وفي فارس شجرة كلّ البذور في البحر الواسع، عليها عشّ السيمرغ، وإلى جانبها الهوم الأبيض الذي يجعل آكله خالداً. وفي بابل شجرة مِيسُو التي تبلغ جذورها قاع العالم السفلي ويمسّ رأسها سماء آنو. وفي مصر جمّيزة نوت التي تعطي الميت الماء والهواء. وفي سفر التكوين شجرة الحياة في وسط الجنّة.
وتتّفق هذه الشجرات في ثلاثة أمور: أنّ جذورها في ماء، بئر أو نهر أو بحر، وأنّ رأسها يبلغ السماء أو تقف عليه الشمس، وأنّ عليها حياة في كلّ طبقة، وكثيراً ما تكون الحيّة أو التنّين عند الجذر والطائر في الأعلى. وتختلف في علاقة الناس بها: شجرة إنانا تُقطع ليُصنع منها كرسيّها وسريرها، ويغدراسيل تُسقى وتُرعى حتى آخر الزمان، والأشوتّه في «البهغفد غيتا» تُقطع بسلاح الزهد، وشجرة الحياة في عدن يُمنع منها الإنسان ويُحرس طريقها. والفكرة التي تدور عليها هذه القصص أنّ العالم شيء حيّ يشرب من أسفل ويعطي من أعلى: الندى والبذور والمطر والماء والهواء، وأنّ هذه الحياة متنازع عليها من الجذر إلى الرأس، فلا تبقى إلّا بمن يحرسها أو يسقيها.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: الشجرة من مادة ش-ج-ر، والفعل «شَجَرَ» في معجم لين: اشتبك الأمر واختلط حتى صار موضع خلاف، وينقل عن البيضاوي أنّ الشجر سُمّي بذلك لاشتباك أغصانه بعضها في بعض. ومن المادة نفسها: شَجَرَه أي ربطه، وشَجَرَ البيت أي أقامه بعمود، وشَجَرَ الشجرة أي رفع أغصانها المتدلّية، و«اشتجر» الشيء إذا تداخل بعضه في بعض، و«تشاجر» القوم إذا اختلفوا وتطاعنوا بالرماح. فالمادة تجمع ما تفعله شجرة العالم في القصص: عمود يرفع البيت، وأغصان تربط الطبقات بعضها ببعض، ونزاع قائم فيها بين النسر والتنّين، وبين الحيّة وأنزو. ويلتقي هذا باسم يغدراسيل نفسه، وتقرأ المقالة النوردية أوّله «عَقْد»، أي الربط.
الشواهد بحسب الحضارة
سومر وبابل
الخَلُوب شجرة حقيقية عند أهل الرافدين، وتسمّيها الأكدية خَلُبُّو، ويذكر المعجم الأكدي الكبير في قوائم الكتبة «كرسيّاً من خشب الخلوب»، فرغبة إنانا في كرسيّ وسرير منها رغبة في خشب يُصنع منه الأثاث فعلاً. ويقول المعجم إنّ النصوص لا تذكر نباتها في بابل إلّا في هذه القصيدة وفي كتب الفأل، كقولها: إذا رُئيت شجرة خلوب في منخفض المدينة. ونقرأ اسمها، قراءةً مقترحة على المنهج، «خِلاف» العربية: الخاء خاء، واللام لام، والفاء مكان الپاء التي لا تعرفها العربية. والخِلاف في معجم لين ضرب من الصفصاف، ويقولون إنّه سُمّي بذلك لأنّ السيل يحمله من موضع إلى موضع فينبت في غير منبته، وهذا ما وقع لشجرة إنانا: حملها الفرات من ضفّته فنبتت في أوروك. غير أنّ المعجم الأكدي يفرّق بين خلبّو، ويرجّح أنّه نوع من البلّوط، وبين خِلِيبُو، وهو الصفصاف.
وفي إريدو، مدينة إنكي، شجرة أخرى في رقية سومرية أكدية: «في إريدو نبتت كِشْكانو سوداء، خُلقت في موضع طاهر». ثم تقول الرقية إنّهم أخذوا «تلك الكشكانو». ويذكر المعجم الأكدي لحاء الكشكانو السوداء في طقوس دفع الشرّ، وكرسيّاً طُعّم بخشبها. وتقرأ المقالة السومرية في هذا المشروع اسمها «كِسْ» بمعنى القطع والحصّة، و«كَنّ» بمعنى الستر، أو «كَشْف» و«كَنّ» معاً، فالشجرة عندها تكشف ثمرها وتستر بظلّها.
وفي القصيدة البابلية «إرّا وإشوم» يسأل مردوخ إرّا عن أشياء أخفاها بعد الطوفان: أين شجرة الميسو، لحم المعبودات، التي تليق بملك الكون، الشجرة الطاهرة، التي تمدّ جذورها في ماء البحر الواسع مسيرة مئة ساعة مضاعفة حتى تبلغ قاع العالم السفلي، ويمسّ رأسها في الأعالي سماء آنو؟ ويقول إنّه غيّر موضعها ولم يُرها أحداً، ويسأل عن نِنِلْدُو، النجّار الأكبر، صاحب الفأس الذهبية، الذي يعرف نحت تلك الشجرة. وهذه هي الشجرة التي يذكرها المقال البنيوي النوردي في هذا المشروع باسم «ميسو» ويقابلها بيغدراسيل.
الشمال
تبدأ العرّافة في «نبوءة العرّافة» بما تذكره من أوّل الدهر: تسعة عوالم، وتسع عملاقات في داخلها، و«شجرة القياس» العظيمة تحت الأرض (البيت 2). ثم تصفها: دردارة اسمها يغدراسيل، شجرة عالية مرشوشة بالطين الأبيض، منها الندى الذي يسقط في الأودية، وتقف خضراء أبداً فوق بئر أُورْذ، ومن البحيرة التي تحتها يخرج ثلاث فتيات يخترن أعمار الناس (19–20). وتقول «أقوال غريمنير» إنّ لها ثلاثة جذور: تحت واحد تسكن هيل، وتحت الثاني عمالقة الصقيع، وتحت الثالث البشر، وإنّ السنجاب راتاتوسك يجري عليها ينقل كلام النسر إلى نيدهوغ في الأسفل، وإنّ أربعة أيائل تقضم أغصانها، وتحتها حيّات أكثر ممّا يظنّ الجاهل، وإنّها تحتمل من الشقاء أكثر ممّا يعرف الناس: أيّل يعضّها من فوق، وجنبها يتعفّن، ونيدهوغ يمزّقها من تحت (31–35). أمّا سنوري في «خداع غيلفي» فيجعل جذورها عند الآسير، وعند عمالقة الصقيع حيث بئر ميمير التي رهن فيها أودين عينه، وفوق نيفلهايم حيث نبع هفرغلمير، ويجعل بئر أورذ تحت الجذر الذي في السماء، يركب إليها الآلهة كلّ يوم على بيفروست ليقضوا (الفصل 15). ويزيد أنّ النورنات يصببن عليها كلّ يوم ماء البئر وطينه كي لا تجفّ ولا تتعفّن، وأنّ الندى الساقط منها يتغذّى به النحل (16). وفي راغناروك ترتجف الدردارة قائمة ويئنّ الشجر القديم (نبوءة العرّافة 47)، ثم يخرج رجل وامرأة، ليف وليفثراسير، من غابة هودّميمير التي اختبآ فيها، يأكلان ندى الصباح، ومنهما تنشأ الدهور الجديدة (أقوال ڤافثرودنير 45).
الهند
أقدم ذكر لها في «الريغفيدا»: يمسك الملك فارونا جذع الشجرة قائماً في الفضاء الذي لا قاع له، وأشعّتها تنزل إلى أسفل، وجذرها في الأعلى (1.24.7). ثم تقول «كاتها أوبانيشاد»: هذه الأشوتّه الأزلية، جذرها في الأعلى وأغصانها في الأسفل، هي الصافي المضيء، وهي البرهمن، وهي التي تُسمّى الخالد، فيها تقوم العوالم كلّها، ولا يتجاوزها أحد (6.1). وتعيد «البهغفد غيتا» الصورة: يقولون إنّ الأشوتّه لا تفنى، جذرها في الأعلى وأغصانها في الأسفل، وأوراقها أناشيد الفيدا، ومن عرفها عرف الفيدا (15.1)، ثم تقول إنّ هذه الشجرة الراسخة الجذور تُقطع بسلاح عدم التعلّق القويّ (15.3). والأشوتّه في معجم مونير وليامز التينة المقدّسة، واسمها عنده «التي تقف تحتها الخيل». وفي نشيد آخر يشرب يما مع المعبودات تحت شجرة كثيفة الورق (10.135.1).
الصين
في «كتاب الجبال والبحار» وادٍ في الشرق ماؤه حارّ، وفوقه شجرة فوسانغ، تغتسل عندها الشموس العشر، وفي الماء شجرة عظيمة، تقيم تسع شموس على أغصانها السفلى وشمس واحدة على غصنها الأعلى (الباب 9). وفي باب آخر: فوق الوادي الحارّ شجرة فُومُو، جذعها ثلاثمئة لي، كلّما وصلت شمس خرجت أخرى، وكلّها محمولة على الغربان، وأمّ الشموس العشر شي خه، زوجة دي جون، تغسل الشموس في لُجّة غان (الباب 14). وفي الباب الأخير شجرة جيانمو: ورقها أخضر وساقها أرجوانية وزهرها أسود وثمرها أصفر، تقوم مئة قامة بلا غصن، ثم لها في أعلاها تسعة أغصان ملتوية وفي أسفلها تسعة جذور، مرّ بها تاي هاو، وصنعها هوانغدي (الباب 18). ويجمع «هواينان تسي» الشجرتين في وصف الأرض: فومو في يانغ جو حيث تشرق الشمس، وجيانمو في دو غوانغ، «تصعد عليها المعبودات وتنزل، لا ظلّ لها عند الظهيرة، ولا صدى للصوت عندها، فهي وسط السماء والأرض»، وغربها شجرة رُومُو، في أطرافها الشموس العشر، يضيء زهرها الأرض تحته. ويذكر الباب نفسه أنّ فوق تلّ كونلون جبلاً من صعده لم يمت، فالشجرة والجبل في هذا الكتاب طريقان إلى الأعلى، كما في صفحة الجبل المقدّس. كتاب الجبال والبحار، الباب 9، الباب 14، الباب 18، هواينان تسي، الباب 4.
فارس
في الأفستا شجرة «طائر سَئِينا» في وسط بحر ڤوروكَشا، تُسمّى «حسنة الدواء» و«قويّة الدواء» و«الدواء كلّه»، وعليها بذور النبات كلّه (رشن يشت 12.17). ويفصّل «البندهشن» أنّ شجرة كلّ البذور نبتت في البحر الواسع، ومنها تكثر بذور النبات، وأنّ إلى جانبها شجرة غوكرن، الهوم الأبيض، نبتت في الطين العميق، أرسل إليها أهريمن، أنجرا ماينيو، سحلية تفسدها، فخلق أهورا مزدا عشر سمكات تدور حولها، رأس إحداها أبداً إلى السحلية (9.5–6، 18.1–4 و9). وفي كلّ سنة يجرّد «الطائر» الشجرة ويخلط بذورها بالماء، فيأخذها تشتريا مع ماء المطر ويمطرها على الأقاليم كلّها، والهوم الأبيض عند منبع ماء أردوي سورا، وهي أناهيتا، ومن أكله صار خالداً (27.2–4). ويسمّي كتاب «مينوگ خرد» الطائر: عشّ سينمرو، وهو السيمرغ، على الشجرة المضادّة للأذى الكثيرة البذور، إذا نهض نبتت منها ألف غصن، وإذا حطّ كسر الألف وأسقط بذورها، فيجمعها طائر آخر، شَمْرُوش، وينثرها حيث يأخذ تشتريا الماء، فيمطرها على العالم (62.37–42 في ترجمة وِسْت، وهي 61.37–41 في طبعة أنكليساريا).
مصر
في «كتاب الموتى» فصل «لتنفّس الهواء والتحكّم في الماء» يقول فيه الميت: «يا جمّيزة نوت، أعطيني من الماء والهواء اللذين فيك» (الفصل 59). ويطلب في فصل آخر أن يأكل «تحت جمّيزة حتحور السيّدة» (52)، ويقول في فصل ثالث: «أعرف الجمّيزتين الزمرّديتين اللتين يخرج من بينهما رع» عند باب السماء الشرقي (109). فالجمّيزة في هذه النصوص على حدّ السماء: عند مشرق الشمس، وعند الموضع الذي يحتاج فيه الميت إلى الماء والنفَس.
اليابان
حين اختبأت أماتيراسو في كهف الصخر وأظلم العالم، اقتلع الكامي من جبل كاغو السماوي شجرة ساكاكي ذات خمسمئة غصن بجذورها، فعلّقوا الجواهر على أغصانها العليا، والمرآة على الوسطى، وقرابين القماش الأبيض والأزرق على السفلى، ووضعوها أمام الكهف، ثم رقصت أمينو أوزومه. والمقالة اليابانية في هذا المشروع تعدّ الساكاكي الشجرة المقدّسة في الشنتو، وتضعها مع يغدراسيل والأشوتّه وشجرة الحياة.
عدن
في سفر التكوين ينبت الله من الأرض كلّ شجرة حسنة المنظر طيّبة الأكل، وشجرة الحياة في وسط الجنّة، وشجرة معرفة الخير والشرّ، ويخرج من عدن نهر يسقي الجنّة ثم يتفرّع أربعة أنهار (2: 9–10). وبعد الأكل من شجرة المعرفة يقول: لئلّا يمدّ يده فيأخذ من شجرة الحياة أيضاً فيأكل ويحيا إلى الأبد، فيُخرج الإنسان، ويضع شرقي الجنّة الكروبيم ولهيب سيف متقلّب لحراسة طريق شجرة الحياة (3: 22–24). وتقابل المقالة النوردية يغدراسيل بشجرة الحياة في جنّة عدن، وتقابل أودين على الشجرة بآدم عند شجرة المعرفة.
التوازيات عبر الحضارات
| الشجرة | أين تقوم | ما عند جذرها | ما في أعلاها | ما يخرج منها | من يقطعها أو يرعاها أو يحرسها |
|---|---|---|---|---|---|
| خَلُوب أوروك | ضفّة الفرات ثم بستان إنانا | حيّة لا تنفع فيها الرقى | فراخ أنزو | كرسيّ إنانا وسريرها، وكرة جلجامش ومضربه | جلجامش يقطعها |
| ميسو | البحر الواسع | قاع العالم السفلي | سماء آنو | زينة ملك الكون | مردوخ يخفيها، والنجّار ننلدو يعرف نحتها |
| يغدراسيل | فوق ثلاث آبار | نيدهوغ والحيّات | النسر | الندى والعسل | النورنات يسقينها |
| الأشوتّه | جذرها في السماء | (الأغصان في الأسفل) | الجذر | أوراقها أناشيد الفيدا | الحكيم يقطعها بسلاح الزهد |
| فوسانغ وجيانمو | الوادي الحارّ، ووسط الأرض | الماء الحارّ، وتسعة جذور | الشمس، وتسعة أغصان | الشموس، وطريق المعبودات | هوانغدي صنع جيانمو |
| شجرة كلّ البذور والهوم الأبيض | بحر ڤوروكشا | الطين العميق والسحلية | عشّ السيمرغ | البذور مع المطر، والخلود | السمكات العشر |
| جمّيزة نوت | حدّ السماء | ـ | ـ | الماء والهواء للميت | ـ |
| ساكاكي | جبل كاغو ثم باب الكهف | اقتُلعت بجذورها | الجواهر | المرآة والقماش | الكامي |
| شجرة الحياة | وسط الجنّة | نهر يتفرّع أربعة | ـ | حياة لا تنتهي | الكروبيم والسيف |
الحيّة في الأسفل والطائر في الأعلى صورة تتكرّر. في شجرة إنانا حيّة عند الجذر وأنزو في الأغصان، وفي يغدراسيل نيدهوغ تحت الجذر والنسر في الرأس، وبينهما سنجاب ينقل الكلام بالعداوة، وفي البحر الفارسي سحلية في الماء العميق عند الهوم، والسيمرغ على شجرة البذور. وتختلف القصص فيما يُصنع بهذه الخصومة: جلجامش يقتل الحيّة ويطرد الطائر ثم يقطع الشجرة، والنورنات لا يطردن أحداً ويكتفين بالسقي، والسمكات العشر تحرس الهوم حراسة دائمة حتى تجديد العالم.
والشجرة في كلّ هذه القصص تشرب من ماء: ضفّة الفرات، وبئر أورذ ونبع هفرغلمير، وبحر ڤوروكشا، والوادي الحارّ، والبحر الواسع تحت الميسو، والنهر الذي يخرج من عدن، والموضع الطاهر في إريدو، مدينة إنكي وماء الأبسو. ثم تعيد ما تشربه إلى الأرض في صورة أخرى: الندى الذي يسقط في الأودية، والبذور التي يحملها المطر، والماء الذي تصبّه جمّيزة نوت في يد الميت. وهذا ما تجمعه صفحة المياه الأولى من جهة الماء.
وهي طريق بين الطبقات. على جيانمو تصعد المعبودات وتنزل، وإلى بئر أورذ يركب الآلهة كلّ يوم، ومن خشب شجرة إنانا تسقط الكرة إلى العالم السفلي فينزل إنكيدو وراءها، وهي قصّة تمضي إلى النزول إلى العالم السفلي. والشمس نفسها تقيم على الشجرة: الشموس العشر على أغصان فوسانغ، ورع يخرج من بين الجمّيزتين. وتعمل الشجرة عمل العمود الذي يُبقي السماء بعيدة عن الأرض، وهي فكرة صفحة فصل السماء عن الأرض.
ومن الشجر يأتي الناس أنفسهم في قصص أخرى. يصنع أبناء بور آسك وإمبلا من شجرتين وجدوهما على شاطئ البحر، واسم آسك في النوردية هو الدردارة، الكلمة التي تسمّي بها «نبوءة العرّافة» يغدراسيل، وتقرؤه صفحته «ساق»، وهي في العربية جذع الشجرة وساق الإنسان معاً. وينبت الزوجان الأوّلان في فارس نبتة راوند، ويأتي جيل هسيود البرونزي «من شجر الدردار»، وهي قصص تجمعها صفحة خلق الإنسان.
وفي اسمين من أسمائها يسمع الشرح المعجمي الحصان: الأشوتّه عند مونير وليامز «التي تقف تحتها الخيل»، ويغدراسيل في الشرح النوردي المشهور «حصان المهيب»، أي أودين، وقد ذكرت صفحة يغدراسيل الخلاف في هذا الشرح. وهو اتّفاق في شرحين حديثين لاسمين، لا يدلّ وحده على أصل واحد.
وتفترق القصص في موقف الإنسان من الشجرة. في سومر تُقطع لتصير أثاث الملكة ولعبة الملك، وفي الشمال تُرعى، وفي الهند يُطلب من الحكيم أن يقطعها ليتحرّر، وفي عدن تُحرس من الإنسان. والطريق إلى الخلود يمرّ بالشجرة في ثلاث منها: الهوم الأبيض الذي يجعل آكله خالداً، وشجرة الحياة التي يُمنع منها آدم، والأشوتّه التي تُسمّى «الخالد». وجلجامش، الذي قطع شجرة إنانا، هو نفسه الذي يخرج في الملحمة الأكدية يطلب الحياة الدائمة، وتقابل المقالة البنيوية البابلية رحلته بطلب «شجرة الحياة» أو «ماء الحياة».
وفي ملحمة إتانا حَوْرة في ظلّ معبد أدد، في أعلاها نسر وفي أصلها حيّة، تعاهدا ثم خان النسر، فكان خلاصه في حاجة ملك يريد الصعود، في صفحة إتانا.
القراءة الرمزية
تقرأ مقالة «إعادة قراءة الأساطير النوردية» يغدراسيل نموذجاً جغرافياً ومناخياً رسم به أهل الشمال عالمهم: أسغارد في الأعلى هي الجبال التي يسقط عليها الثلج والمطر، وميدغارد في الوسط هي السهول الساحلية والأودية، ويوتونهايم هي البراري المتجمّدة، ونيفلهايم في الأسفل هي الأنهار الجوفية والكهوف والينابيع الحارّة. والجذور الثلاثة عندها ثلاثة مصادر للماء، والنسر والتنّين رياح عالية وقوى أرضية، والسنجاب الذي يجري بينهما دورة الماء، ينزل مطراً ويصعد بخاراً، فالشجرة كلّها عندها نظام بيئي يربط السماء والأرض والماء.
وتجعل المقالة البنيوية النوردية الشجرة «عمود الوجود»، وتجعل قراءة يغدراسيل «عَقْد، دَرْس، إيل» منها كتاباً كونياً يربط مستويات الوعي، وتقابلها بشجرة الميسو. وتقرأ مقالة «إعادة قراءة الأساطير الفارسية» السيمرغ الساكن على الشجرة الكونية، غوكرن، شبكة معرفة متفرّعة: يعرف كلّ شيء، ومن ريشه يُصنع الدواء، فالمعرفة عندها تشفي. وتعدّ المقالة السامية اليابانية شجرة العالم «نمطاً عالمياً»، الشجرة فيه محور الكون.
وتسمح النصوص نفسها بقراءة من جهة الطبيعة ومعاش الناس. الشجرات كلّها شجرات ماء: تنبت على ضفّة نهر أو فوق بئر أو في بحر، كما يقول لين في الخِلاف إنّه لا يكاد يوجد في الصحراء، وكما تحمل جمّيزة نوت في جوفها الماء الذي يطلبه الميت، فالشجرة العظيمة هي الموضع الذي يصير فيه الماء الذي تحت الأرض خضرة وظلّاً وثمراً. والبذور في الرواية الفارسية تنتقل من الشجرة إلى المطر ومن المطر إلى الأقاليم، وهي صورة لما يعرفه الزارع من أنّ النبت يحمله الماء والطير من أرض إلى أرض.
ومن جهة المجتمع، تقوم عند الشجرة أعمال الجماعة: الآلهة تجتمع عند بئر أورذ كلّ يوم للقضاء، والنورنات يخترن الأعمار عندها، ويما يشرب مع المعبودات تحت الشجرة الكثيفة الورق، كما تجتمع القرى تحت الشجرة الكبيرة. وخشب الشجرة خشب الملك: كرسيّ إنانا وسريرها من الخلوب، والميسو «تليق بملك الكون» ولها نجّار خاصّ يعرف نحتها، والساكاكي تُحمل إلى باب الكهف لتُعلّق عليها المرآة والجواهر. وتروي القصيدة السومرية ثمن ذلك: الكرة المصنوعة من الشجرة أنهكت شبّان المدينة، فاشتكت الأرامل والفتيات، فسقطت إلى العالم السفلي. فالشجرة التي تجمع طبقات العالم تجمع كذلك الحاكم والمحكومين، ويُرى فيها ما يأخذه الملك من الناس.