السيرينات

ملخص

السِّيرِينَات مغنّيات في البحر يمرّ بهنّ أوديسيوس وهو عائد من حرب طروادة، وقصّتهنّ في الكتاب الثاني عشر من «الأُودِيسَّة». حذّرته الساحرة كِيرْكِي منهنّ: يجلسن في مرج حوله أكوام من عظام الرجال، ومن سمع غناءهنّ وقف عندهنّ ولم يرجع إلى زوجته وأطفاله. فليّن أوديسيوس الشمع بيديه وسدّ به آذان رفاقه، وأمرهم أن يربطوه إلى سارية السفينة، وأن يزيدوا وثاقه إن طلب أن يطلقوه. فلمّا اقتربت السفينة نادته السيرينات باسمه، ووعدنه أن يمضي أعلم ممّا جاء، وقلن إنّهنّ يعرفن كلّ ما قاساه الإغريق والطرواديون في طروادة، وكلّ ما يجري على الأرض. فأشار إلى رفاقه أن يحلّوه، فشدّوا الحبال عليه، وجدّفوا حتى ابتعدوا، ثم بلغوا المضيق الذي تقوم فيه سكيلا وخاريبديس. الأوديسة 12.39–54 و12.165–259.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الخطر هنا معرفةٌ وغناء، لا وحش يهجم. السيرينات لا يقتلن أحداً بأيديهنّ، وإنّما يعدن المسافر بأن يعرف، فيقف ليسمع وينسى الطريق إلى بيته حتى يموت في مكانه. ونجا أوديسيوس لأنّه سمع وهو مربوط، ولأنّ رفاقه نفّذوا ما اتّفقوا عليه قبل الغناء، ولم يسمعوا ما طلبه في أثنائه.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Σειρήν / Seirēn «سِيرِين»، وجمعه Σειρῆνες / Seirēnes «سِيرِينِيس»، ينتهي باللاحقة اليونانية -ην «-ين»، فإذا رفعناها بقي «سِير»، وهو «شِعْر» العربي: الشين صارت سيناً لأنّ اليونانية لا شين فيها، والعين سقطت كما تسقط عادةً في اليونانية، وبقيت الراء. فالسيرينات على هذه القراءة «الشواعر»، المغنّيات اللواتي يُهلكن بالإنشاد. وفي العربية معنى ثانٍ للمادّة نفسها يوافق القصّة تماماً: شَعَر بالشيء أي علِمه، و«ليت شِعري» أي ليت علمي. فالسيرينات يغنّين ويعدن بالعلم، وكلا المعنيين في «شعر».

الجذر اللغوي

في «لسان العرب»: شَعَر به يشعُر شِعْراً وشُعوراً: علِم، وليت شِعري أي ليت علمي، ثم الشِّعر للكلام المنظوم. فالمادّة تجمع الإنشاد والعلم. والمقابلة الصوتية: الشين تصير سيناً في اليونانية، والعين تسقط، والراء باقية، والحركة الطويلة في Σειρ- «سِير» تقابل موضع العين الساقطة.

ويقوّي هذه القراءة شاهد من الألسن الأخوات: في العبرية שִׁיר «شِير» الغناء، وفي الأوغاريتية šr «ش-ر» المغنّي. وقد اقترح الباحثان لُوخَان وفِيتَا وصل الكلمة الأوغاريتية šrm «ش-ر-م»، وهي جمع أو مثنّى من šr «ش-ر»، بالصيغة الميسينية se-re-mo- «سِ-رِ-مُو» وباسم السيرينات. ويذكر بحث كُويْتَابَاشِي أنّ هذا المغنّي كان له عمل ورزق في بلاط أوغاريت، وأنّه غنّى أمام الملك في طقس عشر مرّات. فهؤلاء مغنّون من البشر، لكنّ وظيفتهم تشهد لمعنى الغناء في الكلمة. والفرق بين الشاهدين أنّ الأوغاريتية والعبرية بلا عين، والعربية بعين، وسقوطها في اليونانية يجعل الصيغتين تلتقيان.

ويقترح المقال الإغريقي في هذا المشروع قراءة أخرى: «سَرَّ» أي أخفى، مع «أنَّ» من الأنين، فتكون السيرينات صاحبات الأنين الخفيّ. وهي وصف ممكن للصوت، لكنّها تركّب الاسم من كلمتين، وقراءة «شعر» تفسّره بمادّة واحدة تجمع الغناء والعلم معاً.

السياق التاريخي

السيرينات في الكتاب الثاني عشر من «الأوديسة»، من الشعر الهوميري الذي أخذ صورته في القرنين الثامن والسابع ق.م. ولا يصف هُومِيرُوس أجسادهنّ، ولا يسمّي لهنّ أباً أو أمّاً. ثم أضافت الشواهد اللاحقة الصورة والنسب: قصعة من بِيُوتِيَا من منتصف القرن السادس ق.م تصوّرهنّ بأجساد طيور ورؤوس نساء، وفي «الأَرْغُونُوتِيكَا» الهلنستية أبوهنّ أَخِيلُوس وأمّهنّ تِرْبْسِيخُورِي، وكنّ في خدمة برسيفوني. المتحف المتروبوليتان، القطعة 51.11.9، الأرغونوتيكا 4.891–921.

السرديات الأسطورية الرئيسة

وفي «الأرغونوتيكا» تمرّ سفينة الأَرْغُو بالسيرينات، ولا يسدّ أحد أذنيه. فيضرب أُورْفِيُوس قيثارته ويغنّي غناءً سريعاً حتى يغطّي صوته غناءهنّ، والمجاديف تدفع السفينة بعيداً. ويقفز بُوتِيس وحده في البحر نحوهنّ، فتنقذه أفروديت. فالنجاة في هذه الرواية بغناء أقوى، لا بالشمع والحبال.

القراءة الرمزية

ويقرأ المقال الإغريقي في هذا المشروع رحلة أوديسيوس دليلَ ملاحة: السيرينات عنده مواضع خطرة في البحر، فيها صخور تحطّم السفن، و«غناؤهنّ» صوت الريح بين الصخور يضلّل الملّاحين. وعلى هذه القراءة تكون العظام في المرج حطام من سبقوا، والشمع والحبال خطّة الملّاح الذي يعرف الموضع قبل أن يبلغه.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. هُومِيرُوس، الأوديسة 12.

  2. أبولونيوس الرودسي «أَبُولُونِيُوس»، الأرغونوتيكا 4.

  3. المتحف المتروبوليتان، القطعة 51.11.9.

  4. معجم لِيدِل وسْكُوت، سيرين.

  5. لوخان وفيتا 2018؛ كويتاباشي 1985؛ معجم براون ودرايفر وبريغز، شير؛ معجم لين، شعر؛ معجم لين، سرر.