ملخص
المُويرات في أساطير الإغريق ثلاث نساء يقسمن للإنسان نصيبه من الحياة يوم يولد: كْلُوثُو التي تغزل، ولاخِيسِيس التي تقسم بالقرعة، وأَتْرُوبُوس التي لا يُردّ ما تقضيه. واسمهنّ في اليونانية Μοῖραι / Moirai «مُويْرَاي»، ومفرده Μοῖρα / Moira «مُويْرا». وتأتي المويرا عند هُومِيرُوس في الغالب واحدة، تغزل للإنسان خيطه وهو في المهد. تقول هِيكابي، أمّ هِكْتُور، لزوجها بِرِيام حين يريد الذهاب إلى خيمة أخيل ليفتدي جثّة ابنه: هكذا غزلت له المويرا القويّة بخيطها يوم ولدتُه، أن يُشبع الكلاب بعيداً عن أبويه. ويقول ملك الفياكيين عن ضيفه أوديسيوس: نوصله إلى بلده، ثم يلقى هناك ما غزله له القدر و«الغازلات» الثقيلات بخيطهنّ يوم ولدته أمّه.
ويذكرهنّ هِسْيُود في «الثيوغونيا» مرّتين بنسبين مختلفين. في الأولى هنّ من بنات الليل، ولدتهنّ من غير زوج، وأسماؤهنّ كلوثو ولاخيسيس وأتروبوس، «يعطين الناس عند ولادتهم الشرّ والخير»، ويتبعن ذنوب الناس والآلهة، ولا يكففن عن غضبهنّ حتى ينزل بالمذنب عقاب شديد. وفي الثانية هنّ بنات زيوس من ثِيمِيس، ربّة النظام والحقّ، وأخوات «الساعات» والنظام والعدل والسلام، «أعطاهنّ زيوس الحكيم أعظم الكرامة»، وهنّ كذلك يعطين الناس الشرّ والخير. فالنسب يتغيّر من موضع إلى موضع، والعمل واحد: القسمة عند الولادة.
وأتمّ صورة لهنّ في آخر «الجمهورية» لأفلاطون. يروي أنّ جندياً اسمه إِرٌ قُتل في الحرب، ثم قام حيّاً على المحرقة في اليوم الثاني عشر، فحدّث بما رأى بعد الموت. رأى النفوس تصل إلى مغزل «الضرورة»، يدور على ركبتيها، وحوله ثلاث جالسات على عروش، بنات الضرورة، في ثياب بيض وعلى رؤوسهنّ عصائب: لاخيسيس وكلوثو وأتروبوس، يغنّين مع السيرينات، لاخيسيس ما كان، وكلوثو ما هو كائن، وأتروبوس ما سيكون. تدير كلوثو بيدها اليمنى الدائرة الخارجية من المغزل، وأتروبوس بيسراها الدوائر الداخلية، ولاخيسيس بيديها هذه وتلك. وتقف النفوس أمام لاخيسيس، فيأخذ ترجمانٌ لها من حِجرها القُرَع ونماذج الحيوات، ويصعد منبراً عالياً ويقول: «هذا كلام لاخيسيس، العذراء بنت الضرورة: أيّتها النفوس التي تعيش يوماً واحداً، هذه بداية دورة أخرى للجنس الذي يموت. لن يقترع عليكم روح حارس، بل تختارون أرواحكم.. والذنب على من يختار، والإله بريء». ثم يرمي القرع بينهم، فيأخذ كلّ واحد ما وقع إلى جانبه، ويختار حياته على ترتيب قرعته. فإذا اختارت النفوس مرّت ثانية بلاخيسيس، فترسل مع كلّ نفس الروح الذي اختاره ليحرس حياته، فيقوده أوّلاً إلى كلوثو، تحت يدها ودوران مغزلها، ليثبت القدر الذي اختاره، ثم إلى غزل أتروبوس ليصير خيط قدره لا يُردّ، ثم يمرّ تحت عرش الضرورة ولا يلتفت.
والفكرة التي تدور عليها أخبار المويرات أنّ لكلّ إنسان نصيباً يُقسم له يوم يولد، فإذا غُزل لم يُردّ. غُزل لهكتور خيطه وهو في المهد، ويلقى أوديسيوس ما غُزل له حين ولدته أمّه، ويجعل هسيود المويرات يقسمن الخير والشرّ بين الناس، ويجعل أفلاطون القرعة أوّلاً، ثم الاختيار، ثم الغزل الذي يثبّت ما اختير. والأسماء الثلاثة تقول ذلك في اليونانية نفسها: كلوثو من فعل معناه فتل الخيط وغزله، ولاخيسيس من فعل معناه نال نصيبه بالقرعة، وأتروبوس معناها التي لا تُصرف ولا تُرَدّ.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Μοῖρα «مُويْرا» تنتهي بالألف التي هي علامة التأنيث في اليونانية، فيبقى «مور»، بالميم والراء. وتقرؤه المقالة الإغريقية في هذا المشروع «مِيرة»، وتجعل المويرات «صاحبات الأنصبة، اللواتي يقسمن أنصبة القدر». والمِيرة في معجم لين الطعام الذي يجلبه الرجل لأهله ويدّخره لهم، يقال: مار أهلَه يميرُهم، أي جاءهم بالطعام. والكلمة اليونانية نفسها تُستعمل عند هوميروس للحصّة من اللحم التي توزَّع على الآكلين في الوليمة، ثم صارت حصّة الإنسان من الحياة. فالمويرا على هذه القراءة الحصّة التي يعيش عليها المرء، كما يعيش أهل البيت على الميرة التي جيء بها إليهم، والألف اليونانية في آخرها تقابل التاء المربوطة في «مِيرة».
الجذر اللغوي
المويرا والمِيرة
| الصيغة | النطق | المعنى |
|---|---|---|
| Μοῖρα | مُويْرا | الجزء، والحصّة، ومنها حصّة الطعام في الوليمة، ثم نصيب الإنسان وقدره |
| μείρομαι | مِيرُومَاي | نال نصيبه، وهو الفعل الذي يردّ إليه المعجم اليوناني الكلمة |
| Μοῖραι | مُويْرَاي | المويرات |
| مِيرة، مارَ يَمير | الطعام الذي يُجلب للأهل ويُدّخر؛ جاءهم به |
تقول المقالة الإغريقية إنّ الاسم من «مَيَّرَ» أو «مِيرة»، وتعرض ثلاث قراءات: «مار» بمعنى جرى وسال، فيكون الاسم مجرى القدر، و«مِيرة» بمعنى النصيب والحصّة، فتكون المويرات صاحبات الأنصبة، و«أمر» بمعنى القضاء والأمر.
ونزن القراءات الثلاث على الشواهد. فالمعجم اليوناني يردّ Μοῖρα «مُويْرا» إلى μείρομαι «مِيرُومَاي»، نال نصيبه، ويجعل أوّل معانيها الجزء من الكلّ، ثم الحصّة التي تقع لصاحبها من الغنيمة ومن الطعام، ويستشهد بقول «الأوديسة» إنّهم كانوا يوزّعون الحصص على الآكلين، ثم النصيب والقدر. ويستشهد كذلك بهسيود حين يقول إنّ زيوس أعطى هيكاتي «حصّة» في الأرض والبحر. فالثابت في الكلمة الميم والراء، والألف في آخرها علامة التأنيث. والميم ميم والراء راء، والياء في «مِيرة» حركة طويلة تقابل حركة الكلمة اليونانية. وفي معجم لين أنّ المِيرة الطعام يجلبه الرجل لأهله أو يدّخره، وأنّ «مار أهله» جاءهم بالميرة، ويقال «ما عنده خير ولا مير»، أي ليس عنده مال ولا طعام. فالكلمة العربية حصّة الطعام التي يعيش عليها البيت، والكلمة اليونانية حصّة الطعام في الوليمة ثم حصّة العمر. وعمل المويرات في الأخبار كلّها القسمة: يقسمن الخير والشرّ عند الولادة كما يُقسم الطعام بين أهل البيت.
وأمّا «مار» فمعناه في معجم لين تحرّك ذهاباً وجيئة، ومار الدم سال على الأرض، ومنه «يوم تمور السماء موراً» في سورة الطور، وليس فيه معنى القسمة الذي في الكلمة اليونانية. وأمّا «أمر» فالهمزة في أوّلها تسقط في اليونانية كما تسقط الحروف الحلقية، ومعناها القضاء، وهو يناسب عمل المويرات، لكنّ الكلمة اليونانية معناها الحصّة، لا الأمر، فتبقى «أمر» صدى للمعنى. فالقراءة التي نثبتها «مِيرة».
أسماء الثلاث
لا تقرأ المقالة أسماء الثلاث، فقراءتها هنا مقترحة على المنهج.
| الاسم | النطق | معناه في اليونانية | القراءة العربية المقترحة |
|---|---|---|---|
| Κλωθώ | كْلُوثُو | من κλώθω «كْلُوثُو»: فتل الخيط وغزله | قَلَدَ الحبلَ: فتله |
| Λάχεσις | لَاخِيسِيس | من λαχεῖν «لَاخِين»: نال نصيبه بالقرعة | الخَلاق: النصيب؛ خَلَقَ: قدّر |
| Ἄτροπος | أَتْرُوبُوس | التي لا تُصرف، من النفي والفعل τρέπω «تْرِيپُو»: صرف | لا تُطرَف: طَرَفَه عن الشيء صرفه وردّه |
كلوثو: يقول المعجم اليوناني إنّ κλώθω «كْلُوثُو» فتل الخيط بالغزل، ويقال في ربّات القدر إنّهنّ يغزلن للإنسان خيط حياته. وفي معجم لين: «قَلَدَ الحبلَ» فتله، و«القِلْد» الطاقة الواحدة من الحبل، و«المقلود» الحبل المفتول. القاف تصير كافاً لأنّ اليونانية ليس فيها قاف، واللام لام، والدال تصير ثاءً، وهي من مجموعة الأصوات الأسنانية التي تتبادل في قوانين مشروع جذور. وتضع صفحة النورنات الكلمة نفسها في اسم النورنة سكولد إلى جانب «شَكَلَ»، لأنّ السين هناك من أصل الكلمة والدال لاحقة، أمّا كلوثو فحروفها كلّها في مكانها، وموضع الضعف أنّ اليونانية تكتب ثاءً حيث نتوقّع دالاً. ويقول المعجم الاشتقاقي اليوناني لـ Beekes «بِيكِس» إنّ κλώθω «كْلُوثُو» في الغالب من لغة ما قبل الإغريق، وإنّ صلته باللاتينية colus «كُولُس»، المغزل، احتمال نُظر فيه ولم يثبت، فلا أسرة هندوأوروبية للكلمة تنافس «قَلَد».
لاخيسيس: يقول المعجم اليوناني إنّها «موزّعة القرعة»، من λαχεῖν «لَاخِين»، نال شيئاً بالقرعة أو نصيباً. وفي معجم لين أنّ «الخَلاق» النصيب، ومنه في القرآن «وما له في الآخرة من خلاق»، وأنّ أوّل معاني «خَلَقَ» التقدير، أي أن يُجعل الشيء على مقدار. والخاء تصير في اليونانية خاءً، واللام لام، لكنّ الحرفين في اليونانية على عكس ترتيبهما في العربية، والقاف في «خلاق» لا يقابلها شيء في الكلمة اليونانية، فالقراءة ضعيفة، ونضعها حتى يظهر ما هو أقوى منها. ويقول Beekes «بِيكِس» إنّ الفعل λαγχάνω «لَانْخَانُو»، نال بالقرعة، أصله في صيغة λαχ- «لَاخ» التي منها اسم لاخيسيس، والنون فيه زائدة في المضارع وحده، وإنّه لا يُعرف له نظير في اللغات الهندوأوروبية إلّا كلمة مسّابية واحدة. فالجذر اللام ثم الخاء على هذا الترتيب، وهو ما ينبغي أن تقرأه قراءة أقوى.
أتروبوس: يقول المعجم اليوناني إنّ ἄτροπος «أَتْرُوبُوس» ما لا يُصرف ولا يتغيّر، وإنّه اسم واحدة من المويرات عند هسيود وأفلاطون. والألف في أوّلها النفي اليوناني، وما بعدها من فعل الصرف والتحويل. وفي معجم لين: «طَرَفَه عن الشيء» صرفه عنه وردّه، و«طرفتُ البصر عنه» صرفته. والطاء تصير تاءً، والراء راء، والفاء تصير باءً كما تجري في قوانين مشروع جذور. فأتروبوس على هذه القراءة «التي لا تُطرَف»، أي التي لا يُردّ ما قضته، وهو ما يجعله أفلاطون: يمرّ المرء بغزلها فيصير خيطه لا يُردّ، ثم يمضي ولا يلتفت.
البارْكات عند الرومان
وعند الرومان اسم ربّات القدر Parcae «پَارْكَاي»، ومفرده Parca «پَارْكا». ويروي أَوْلُوس جِلِّيُوس عن ڤارُّو أنّ الرومان جعلوا أسماءهنّ من الولادة ومن الشهرين التاسع والعاشر، لأنّ المرأة عندهم تلد في أحدهما، فـParca «پَارْكا» عنده من partus «پَارْتُوس»، الولادة، بتغيير حرف واحد، وNona «نُونَا» وDecima «دِيكِيما» من التاسع والعاشر. ويروي عن غيره أنّ أسماءهنّ ثلاثة: نُونا ودِيكُوما ومُورْتا، ويستشهد ببيت من ترجمة لِيڤِيُوس أَنْدْرُونِيكُوس اللاتينية للأوديسة: «متى يحين اليوم الذي أنبأت به مورتا؟».
ونقرأ Parca «پَارْكا» قراءة مقترحة على المنهج من «فَرَقَ»: في معجم لين «الفِرْق» القطعة من الشيء إذا انفصلت عنه، و«فرّقه» قسمه أجزاء، وفي سورة الدخان «فيها يُفرَق كلّ أمر حكيم»، أي يُفصل ويُقضى. الفاء تصير باءً، والراء راء، والقاف تصير كافاً. فالپاركا على هذه القراءة الفارقة، التي تقسم الأنصبة وتفصل الأمر، وهو معنى المويرا نفسه. ويحتاج تفسير ڤارّو إلى تغيير حرف كما يقول هو، ولا تحتاج «فرق» إلى ذلك.
التحوّلات المستعملة: الميم ميم والراء راء وتاء التأنيث ألف يونانية في «مِيرة»؛ القاف كاف واللام لام والدال ثاء في «قلد»؛ الخاء خاء مع قلب الترتيب في «خلاق»؛ الطاء تاء والفاء باء في «طرف»؛ الفاء باء والقاف كاف في «فرق».
السرديات الأسطورية الرئيسة
زيوس وقدر ساربيدون
حين يتقدّم ساربيدون، ابن زيوس وملك ليكيا، لقتال باتروكلوس، يقول زيوس لهيرا: «ويلي، فقد قُضي أن يُقتل ساربيدون، أحبّ الناس إليّ، بيد باتروكلوس»، ويتردّد: أيخطفه حيّاً من الحرب ويضعه في ليكيا، أم يتركه يُقتل. فتقول هيرا: أتريد أن تنجّي من الموت رجلاً فانياً قُضي عليه منذ زمن؟ افعل، لكنّ الآلهة لن يرضوا، وكلّ واحد منهم سيريد أن ينجّي ابنه. أرسل الموت والنوم يحملانه إلى ليكيا بعد قتله، فيدفنه أهله. فأطاعها زيوس، لكنّه أمطر الأرض قطرات من دم إكراماً لابنه. فالقسمة تمضي حتى على ابن ملك الآلهة.
أبولو يخدع المويرات
ويقول أبولو في أوّل مسرحية «ألكستيس» ليوريبيديس إنّ زيوس أجبره أن يخدم رجلاً فانياً، فرعى بقر أدميتوس ملك فيراي، ووجده رجلاً تقيّاً، فأنقذه من الموت «بخداع المويرات». وعدته المويرات أن يفلت أدميتوس من موته العاجل إن أعطى العالم السفلي ميتاً آخر بدله، فسأل أهله كلّهم، أباه وأمّه العجوزين، فلم يجد من يرضى أن يموت عنه إلّا زوجته ألكستيس. فالقسمة نفسها لا تُردّ، لكنّ النصيب قد يُستبدل.
جذوة ملياغروس
ويروي كتاب «المكتبة» المنسوب إلى أبولودوروس أنّ ملياغروس، ابن ألثايا وأوينيوس، كان في يومه السابع حين جاءت المويرات وقلن إنّه يموت إذا احترقت الجذوة المشتعلة في الموقد. فخطفت أمّه الجذوة من النار وحفظتها في صندوق. وكبر ملياغروس فقتل خنزير كاليدون، ثم قتل أخواله في خصومة على جلده، فأشعلت ألثايا الجذوة حزناً على إخوتها، فمات ابنها في الحال. فحياته في هذه القصّة شيء يُرى ويُمسك، كالخيط عند هوميروس.
القراءة الرمزية
تقابل المقالة النوردية في هذا المشروع القدر عند أهل الشمال بالنصيب والقسمة في التراث العربي، وبالمويرا اليونانية. وتقابل المقالة البابلية نمتار، رسول ملكة العالم السفلي وصاحب القدر والأمراض، بكلوثو وأتروبوس، «غازلتي القدر»، وتضع المويرات بين أشباهه.
وفي أخبار المويرات عملان من أعمال البيت. الغزل عمل النساء في كلّ يوم، وفي «الأوديسة» تجلس ملكة الفياكيين نفسها عند الموقد مع خادماتها تغزل الصوف الأرجواني. «الأوديسة» 6.48–53. والقسمة عمل الوليمة، يُعطى فيها كلّ آكل حصّته من اللحم. فالخيط يقدّر طول الحياة، والحصّة تقدّر ما فيها من خير وشرّ. والقراءات العربية المقترحة تبقى في البيت أيضاً: المِيرة طعام الأهل، والقِلْد طاقة الحبل المفتول، والخَلاق النصيب.
التوازيات عبر الحضارات
أقرب الشبه بالمويرات في الشمال النورنات. تقول «نبوءة العرّافة» إنّ ثلاث فتيات يخرجن من البحيرة تحت الشجرة، أُورْذ وفِرْذاندي وسكولد، يحفرن على ألواح الخشب، ويضعن القوانين، ويخترن الحيوات لأبناء الناس. ويقول سنوري إنّ نورنات أخر يأتين كلّ طفل يولد ليشكّلن حياته، فمن لقي في عمره خيراً فمن نورنات صالحات، ومن لقي شرّاً فمن نورنات سيّئات. فالنورنات مثل المويرات عند هسيود: ثلاث، يحضرن الولادة، ويقسمن الخير والشرّ. ويرى فالك وتورپ أنّ النورنات الغازلات ربّما صُوّرن على صورة الپاركات الرومانيات. وفي القراءة العربية تلتقيان مرّة أخرى: «قَلَد» يُقرأ بها اسم سكولد هناك، واسم كلوثو هنا.
وفي بابل القدر لوح مكتوب. تعلّق تيامات «لوح الأقدار» على صدر كينغو وتقول: «أمرك لا يُغيَّر، وكلمة فمك ثابتة»، فيقضي الأقدار لأتباعها، ثم يأخذه مردوخ منه، «ولم يكن من حقّه»، فيختمه ويعلّقه على صدره. وقبل المعركة تقول الآلهة لمردوخ: «قدرك لا مثيل له»، فيأمر فيختفي برج من النجوم، ثم يأمر فيعود. فالقدر في بابل لوح يملكه حاكم ويُؤخذ في الحرب، والمويرات يغزلنه ويقسمنه، ولا يملكه زيوس نفسه كما في خبر ساربيدون. ويتّفق النصّان في أنّ ما قُضي لا يُغيَّر، وهو معنى أتروبوس. وفي السومرية يُقال للقضاء nam-tar «نَمْ-تار»، والفعل tar «تار» معناه قطع ثم قضى، ومنه اسم نمتار، وزير ملكة العالم السفلي الذي يحمل القدر إلى الناس، وهو الذي تقابله المقالة البابلية بكلوثو وأتروبوس.
وخبر إِرٍ عند أفلاطون جزء من قصّة حساب الموتى: تُحاسَب النفوس أوّلاً، ثم تعود فتختار حيواتها بالقرعة أمام لاخيسيس. وفي صفحة حساب الموتى تجتمع الأنونّاكي في بابل مع «مَمّيتوم» صانعة الأقدار فيقضون الموت والحياة.