ملخص
أُورْفِيُوس مغنٍّ من تْرَاقْيَا في أساطير الإغريق، ابن الملك أُويَاغْرُوس وكَالِّيُوبِي، أولى رَبّات الإلهام عند هسيود. تقول «المكتبة» المنسوبة إلى أبولودور إنّه كان يغنّي فتتحرّك لغنائه الحجارة والأشجار، وإنّه نزل إلى دار الموتى يطلب زوجته.
وقصّته قصّة زوجته يُورِيدِيكِي. لدغتها أفعى فماتت. ويقول فِرْجِيل في «الجورجيّات»، وهي قصائده في الزراعة، إنّها كانت تفرّ على ضفّة نهر من أَرِسْتَايُوس، صاحب النحل، فلم ترَ الأفعى في العشب الطويل. فنزل أورفيوس من فتحة تَيْنَارُون، باب دار هاديس، وغنّى للأرواح ولملك الموتى وملكته بيرسيفوني. فخرجت الأرواح من أعماق الظلام تسمع، وأمسك الكلب ذو الرؤوس الثلاثة أفواهه، ووقفت عجلة إِكْسِيُون، وجلس سيزيف على صخرته، وبكت الإرينيات أوّل مرّة. وقال أورفيوس في غنائه، كما يرويه أُوفِيد في «التحوّلات»، إنّ الحبّ الذي جاء به هو الذي جمع ملك الموتى بزوجته يوم خطفها. فأذن الملكان بعودة يوريديكي، بشرط تقول «الجورجيّات» إنّ بيرسيفوني هي التي وضعته: أن تمشي وراءه، ولا يلتفت إليها حتى يخرج من الوادي. فلمّا قارب الضوء التفت لينظر إليها، فانسلّت راجعة إلى الموتى. ويجعلها فرجيل تقول: من أهلكني وأهلكك يا أورفيوس؟ ثم تغيب كدخان يختلط بالهواء، ولا يأذن له المعدّي أن يعبر مرّة ثانية.
وبكى أورفيوس سبعة أشهر عند نهر سْتْرِيمُون، وترك النساء. فقتلته نساء تراقيا في ليلة من ليالي عبادة ديونيسوس، ومزّقنه، وحمل نهر هِبْرُوس رأسه وقيثارته إلى البحر، والرأس ما زال ينادي يوريديكي، حتى بلغ جزيرة لِسْبُوس. ويختم أوفيد القصّة بأنّ روحه نزلت إلى تحت الأرض فوجدت يوريديكي، فهما يمشيان معاً، وصار ينظر وراءه إليها آمناً.
والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ الغناء فتح له ما لا يُفتح لحيّ، وأنّ النظر أغلقه. أذن له ملك الموتى أن يأخذ ميتة من داره، وكان الشرط كلّه في العين: أن يصدّق أنّها تمشي وراءه من غير أن يراها. فلمّا أراد أن يرى بعينه ما وُعد به خسره. وبقي له بعد ذلك علم الطريق، فنسب إليه الإغريق الأسرار والشعائر التي تتكلّم عمّا بعد الموت: تقول «المكتبة» إنّه أنشأ أسرار ديونيسوس، ويقول أَرِسْتُوفَانِيس في «الضفادع» إنّ أورفيوس علّم الناس الشعائر والكفّ عن القتل.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Ὀρφεύς / Orpheus «أُورْفِيُوس» آخره -εύς «ـيُوس»، اللاحقة التي تختم أسماء أبطال كثيرين، وتأتي مكانها في الدورية لاحقة أخرى فيقال Ὄρφης «أُورْفِيس». فالثابت في الاسم «أُورْف»: حركة في أوّله، ثم راء، ثم φ «فاي». والعين العربية لا مقابل لها في اليونانية، فتسقط وتبقى حركتها في أوّل الكلمة، والراء راء، والفاء تقابل φ «فاي». فالاسم «عَرْف»، من عَرَفَ، وهي قراءة المقال الإغريقي: أورفيوس «العارف». وفي معجم لين أنّ عرف الشيء علمه وأدركه، وأنّ المعرفة عند الراغب إدراك الشيء بالتفكّر في أثره، وأنّ العرّاف الذي يخبر بما مضى وبما سيأتي. فأورفيوس على هذه القراءة العارف، وهذا ما تجعله القصّة: الرجل الذي عرف الطريق إلى دار الموتى ورجع منها، وصارت تُنسب إليه الأسرار التي تعلّم الناس ما بعد الموت.
الجذر اللغوي
أورفيوس و«العارف»
| الصيغة | النطق | الموضع |
|---|---|---|
| Ὀρφεύς | أُورْفِيُوس | الاسم عند بِنْدَار وأَفْلاطُون |
| Ὄρφης | أُورْفِيس | الصيغة الدورية عند الشاعر إِيبِيكُوس |
| Ὀρφικός | أُورْفِيكُوس | الصفة «الأورفيّ»، ومنها «الأشعار الأورفية» عند أَرِسْطُو |
تتبدّل اللاحقة في هذه الصيغ ويبقى Ὀρφ- «أُورْف» ثابتاً، فهو موضع المقابلة. وفي معجم لين: عَرَفَه علمه وأدركه، بإحدى الحواسّ الخمس أو بالنظر في أثره، والعرّاف الكاهن، أو الذي يخبر بما مضى وبما يأتي، والعُرْف الحدّ، ومن المادّة «الأعراف»، وهي السور الذي بين الجنّة والنار أو أعاليه. فالمادّة تجمع العلم الذي يأتي بالنظر في الأثر، والعلم بالخفيّ، والوقوف على حدّ بين دارين.
والمقابلة في الصوت: العين العربية تسقط في اليونانية أو تصير حركة في أوّل الكلمة، كما في عنبر وἄμβαρ «أَمْبَار»، والراء راء، والفاء العربية تقابل الفاء والباء في اللغات الأوروبية، فتقابل φ «فاي» هنا. فحروف «عرف» الثلاثة باقية في ترتيبها في Ὀρφ- «أُورْف».
كلمة يونانية بالحروف نفسها
وفي اليونانية ὄρφνη «أُورْفْنِي»، ظلمة الليل، ويقولها يُورِيبِيدِيس في «هيراكليس» لظلمة العالم السفلي. تشارك الاسم في Ὀρφ- «أُورْف»، ولا يقول المعجم إنّ الاسم منها. وقراءة «العارف» لا تنفيها: الرجل الذي عرف الطريق عرفه في تلك الظلمة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
في سفينة الأرغو
يضع أَبُولُّونْيُوس الرودسي أورفيوس أوّل من يذكره من أصحاب ياسون في سفينة الأرغو، ويقول إنّ ياسون قبله بأمر خِيرُون، وإنّ أشجار البلّوط التي قادها بغنائه من جبال بِيِيرِيَا ما زالت قائمة صفوفاً على ساحل تراقيا. ويسمّيه بندار في قصيدته الرابعة في الألعاب البوثية «أبا الأغاني»، ويقول إنّه جاء من عند أبولو. «الأرغونوتيكا» 1.23–34، بندار، «البوثية» 4.176–177.
ولمّا تخاصم الرجال في السفينة أخذ قيثارته وغنّى كيف كانت الأرض والسماء والبحر صورة واحدة مختلطة، ثم انفصل بعضها عن بعض بعد نزاع مهلك، وكيف ثبتت النجوم والقمر وطرق الشمس، وكيف قامت الجبال وجرت الأنهار، ثم كيف حكم أُوفِيُون ويُورِينُومِي ثم كرونوس ورِيَا، وزيوس بعدُ طفل في كهف. فسكت الرجال يسمعون. وهذا من شواهد فصل السماء عن الأرض. «الأرغونوتيكا» 1.492–511.
ولمّا مرّت السفينة بجزيرة السيرينات ضرب أورفيوس قيثارته وأسرع في غنائه حتى غطّى صوتهنّ، ولم يقفز إليهنّ إلّا رجل واحد.
نساء صرن شجراً
يروي أوفيد أنّ ديونيسوس لم يترك قاتلات أورفيوس، مغنّي شعائره، بلا عقاب: ربط أقدامهنّ بجذور ملتوية وأدخل أصابعهنّ في الأرض، فصرن أشجار بلّوط. ويقول إنّ أفعى أرادت أن تلدغ الرأس حين بلغ لسبوس، فجعل أبولو فكّيها حجراً.
القراءة الرمزية
يضع المقال «إعادة قراءة الأساطير الإغريقية» نزول أورفيوس في جدوله الأخير، ويقرؤه رحلة في المناجم أو الكهوف العميقة: رجل ينزل في جوف الأرض ثم يصعد منه.
وفي «الجورجيّات» نفسها توضع القصّة داخل قصّة أخرى. يروي إله البحر بْرُوتِيُوس خبر أورفيوس لأَرِسْتَايُوس حين ماتت نحله، ويقول له إنّ هلاك النحل عقوبة على موت يوريديكي. فتعلّمه أمّه أن يذبح أربعة ثيران وأربع عجلات، وأن يرسل في اليوم التاسع قرباناً لأورفيوس ويكرم يوريديكي بعجلة. فلمّا رجع إلى الذبائح وجد النحل يخرج من أجوافها. فالقصيدة تضع ميتة لم ترجع بجانب حياة رجعت بالقربان.
التوازيات عبر الحضارات
أقرب القصص إلى قصّته قصّة إيزاناغي في الخبر الياباني: ينزل إلى دار يومي ليردّ زوجته إيزانامي، ويُنهى عن النظر إليها، فينظر فيفقدها. وتضع المقالة السامية اليابانية في هذا المشروع هذه المقابلة في جدولها، وتقول إنّ إيزاناغي «نظر إليها ففقدها» كما فقد أورفيوس زوجته. ويفترقان في الخاتمة: يرجع أورفيوس وحده ويبكي، ويسدّ إيزاناغي الطريق بصخرة، ويصير الفراق عهداً بين الموت والولادة.
وفي الشمال يركب هرموذر إلى دار هيل يطلب أخاه بالدر، فتضع هيل شرطاً: أن يبكيه كلّ شيء في العالم. فتأبى عملاقة واحدة أن تبكي، فيبقى بالدر في الأسفل. فالقصّتان تعطيان العائد إذناً بشرط، ثم يسقط الشرط في لحظة واحدة: نظرة من أورفيوس، ودمعة لا تنزل في الشمال. وهما من شواهد النزول إلى العالم السفلي، وفيه أيضاً نزول هيراكليس إلى الدار نفسها، وعودة بيرسيفوني منها.
وبما تُنسب إليه من شعائر وأسرار يقف أورفيوس بين الأبطال الحضاريين الذين علّموا الناس عملاً أو رسماً.