ملخص
جلجامش «گِلْگامِش» ملك أُورُوك، وهي الوركاء في جنوب العراق، وبطل أشهر ملحمة في الأدب الرافديني. تقول الملحمة إنّ ثلثيه إله وثلثه إنسان، وإنّه كان يظلم أهل مدينته، فشكوا إلى الآلهة، فأخذت أَرُورُو قبضة من طين ورمتها في البرّية، فخلقت منها إنكيدو ندّاً له. التقيا فتصارعا، ثم صارا صديقين. وخرجا معاً إلى غابة الأرز فقتلا حارسها خُمْبابا بعون شمش. ولمّا عادا عرضت عشتار على جلجامش أن يتزوّجها فردّها، فأرسلت عليه ثور السماء، فقتله الصديقان. فقضت الآلهة بموت إنكيدو، فمرض ومات. عندئذ خاف جلجامش أن يموت مثله، فلبس جلد الأسد وهام في البرّية حتى بلغ أوتنابشتم، الرجل الذي نجا من الطوفان ونال الحياة الدائمة. فحكى له خبر الطوفان، ودلّه على نبتة تحت الماء تعيد الشباب، فأخذها جلجامش، ثم نزل يستحمّ في عين ماء فجاءت حيّة وأكلتها. فرجع إلى أوروك بلا نبتة، ووقف بالملّاح أُورْشَنابِي أمام سور مدينته وقال له: انظر إلى أساسه وإلى آجرّه.
والفكرة التي تدور عليها الملحمة أنّ الجسد يموت وأنّ الذي يبقى هو العمل والمعرفة. خرج جلجامش أوّلاً يطلب اسماً لا يموت بقتل الحارس وقطع الأرز، ثم أراه موت صديقه أنّ ثلثه الإنساني يكفي ليموت، ثم ضاعت منه نبتة الشباب في لحظة نوم وغفلة. وما بقي له هو سور أوروك الذي بناه الناس معه، والخبر الذي عاد به. ولهذا تبدأ الملحمة بمدحه لا لأنّه انتصر، بل لأنّه «رأى كلّ شيء» وجاء بخبر ما قبل الطوفان، وكتب تعبه على لوح من حجر.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Gilgameš «گِلْگامِش» جزآن: «گِلْ» من جَلَّ، أي عظُم، و«گامِش» من جَمَشَ، والگاف فيه هي الجيم العربية، فقد كانت الجيم تُنطق گافاً، وما زالت تُنطق كذلك في مصر. والجَمْش في المعاجم الحلق ونزع الشعر، ومنه «الجَميش»، الأرض التي لا نبت فيها كأنّها حُلقت. وتقرؤه المقالة البابلية «الذي يقتطف العظمة»، أي الباحث عن الخلود، وهو في الملحمة الذي نزل إلى قاع الماء فاقتلع نبتة الشباب وهي تجرح يده.
الجذر اللغوي
| الكتابة | النطق | البيان |
|---|---|---|
| ᵈbil-ga-meš «علامة الإله ثم بِلْ-گا-مِش» | بِلْگامِش | الصيغة السومرية؛ ᵈ علامة الإله لا تُنطق |
| ᵈbil₃-ga-mes «علامة الإله ثم بِلْ-گا-مِس» | بِلْگامِس | في قائمة الآلهة البابلية القديمة من نِبّور، والرقم الصغير يميّز العلامة ولا يُنطق |
| ᵈGIŠ.GIN₂.MAŠ «علامة الإله ثم گِلْگامِش» | گِلْگامِش | الصيغة الأكدية التي جاء منها «جلجامش» |
| gi-il-ga-mi-iš «گي-إِل-گا-مي-إِش» | گِلْگامِش | كتابة مقطعية أكدية |
| גלגמיס / גלגמיש «گِلْگامِيس / گِلْگامِيش» | گِلْگامِيس | الاسم بالآرامية في «كتاب العمالقة» من قمران، بالجيمل «گ» لا بالقوف «ق» |
والجيم في «جلجامش» تقابل گافاً قديمة تُنطق كالجيم المصرية، وكذلك كانت الجيم العربية في أصلها. والگاف ثابتة في كلّ كتابات الاسم: السومرية والأكدية، والآرامية التي كتبته في قمران بحرف الجيمل، وهو الجيم العربية، لا بحرف القوف، وهو القاف. والأكدية والآرامية تفرّقان بين الگاف والقاف، والقاف السامية تبقى فيهما قافاً. فالمقابل المنتظم للجزء الثاني «گامِش» هو جَمَشَ، وهي الكلمة التي تذكرها المقالة البابلية، وتستعملها المقالة السومرية نفسها للصيغة الأقدم بلجامش. أمّا الجزء الأوّل فالمقالتان متّفقتان عليه: جَلَّ الشيء عظُم، والجليل ذو القدر الخطير.
والجَمْش في المعاجم «جنس من الحلق»، كما يقول ابن فارس: جمش شعره إذا حلقه، و«الجَميش» المكان الذي لا نبت فيه كأنّه حُلق، و«سنة جَموش» تحلق النبات. وتفسّره المقالة البابلية بالنتف والاقتطاف، وتقرأ الاسم «الذي يقتطف العظمة»، أي الباحث عن الخلود. ولا تذكر المعاجم للجمش معنى الجمع، فـ«العظيم الجامع» الذي تكتبه المقالة في جدولها يأتي من القمش لا من الجمش. وفي الملحمة يقطع جلجامش وإنكيدو أرز الغابة ويصنعان من خشبه باباً، وتقرأ مقالتا إعادة القراءة البابلية والسومرية قتل خمبابا قطعاً للغابات؛ وصلة الجَمْش، أي تعرية الأرض من نبتها، بقطع الأرز قراءة مقترحة على المنهج.
وتقرأ المقالة السومرية الجزء الثاني من قَمَشَ: جمع الشيء من هنا وهنا، والقُماش ما جُمع من هنا وهنا من فتات الأرض، ثم متاع البيت. فجلجامش عندها «الجليل الجامع»، وهذا يوافق مدح اللوح الأوّل له بأنّه رأى كلّ شيء، وأنّ آنُو أعطاه المعرفة كلّها، فعاد بخبر ما قبل الطوفان. غير أنّ القاف لا تقابل الگاف بانتظام: الأكدية والآرامية تكتبان القاف قافاً، وقد كتبتا هذا الاسم بالگاف. ولا تصير القاف گافاً إلّا في نطق لهجات عربية كثيرة، وهو تحوّل داخل العربية لا يردّ گاف الاسم القديم إلى القاف. فقمش أقرب إلى المعنى الذي أرادته المقالتان، وجمش أقرب إلى حروف الاسم.
وتعرض المقالتان قراءات أخرى. الصيغة الأقدم بلجامش «بِلْگامِش» تبدأ بالباء، فتقرؤها المقالة السومرية «بال»، أي بعل السيّد، مع «جَمَش»: السيّد الجامع؛ وهي تحتاج إلى تفسير سقوط العين. وجلجل، أي صوت الرعد، مع «مش» بمعنى رجل، تجعله «الرجل المدوّي». وقلقل، أي حرّك بعنف، تجعله المغامر الذي لا يهدأ. وكمل تجعله الكامل. هذه كلّها تصف الملك، لكنّها أبعد عن ترتيب حروف الاسم من «جلّ» و«جمش». وفي السومرية نفسها تعني bilga «بِلْگا» السلف، وmes «مِس» البطل أو الشاب، فيُقرأ بلجامش «السلف بطل»، وهذا التقسيم يقطع الاسم في موضع غير موضع «جلّ» و«جمش».
السياق التاريخي
يسجّل المعجم الاسم منذ عصر فجر السلالات في الألف الثالث قبل الميلاد، ومن شواهده قائمة فارا «فارَة». وهذا أقدم من النسخ المطوّلة للملحمة، لكنه لا يقدّم سيرة ملك تاريخي. فقد وصلت قصائد سومرية مستقلّة، ثم نصوص أكدية من العصر البابلي القديم في الألف الثاني، ثم نسخة لوح الطوفان من مكتبة آشُورْبانِيبال في نينوى في القرن السابع قبل الميلاد.
الأسرة والرفاق والخصوم
| الاسم | الصلة | أين تظهر؟ |
|---|---|---|
| نِنْسُون، وتسمّى نِنْسُومُون أيضاً | أمّه، تفسّر أحلامه وتطلب حمايته | الملحمة؛ ملف ننسومون |
| لوغالبندا «لُوگالْبانْدا» | أبوه في نسبه الأسطوري | ملف ننسومون |
| إنكيدو | خصمه أوّلاً، ثم رفيقه | الملحمة الأكدية |
| عشتار | تعرض الزواج عليه فيرفض | اللوح السادس |
| أغا «أَگا»، ملك كِيش | يحاصر أوروك ثم يُطلق سراحه | القصيدة السومرية «جلجامش وأغا» |
| أوتنابشتم | الناجي من الطوفان | اللوح الحادي عشر |
السرديات الأسطورية الرئيسة
تفاصيل من الألواح
بدأ الصراع بين جلجامش وإنكيدو عند باب حجرة العروس، لأنّ الملك كان يدخل على العروس قبل زوجها. واللوح الثاني الذي نقرؤه اليوم مركّب: سدّت ترجمته بعض الكسور بمقاطع بابلية قديمة.
وحين ردّ جلجامش عشتار عدّد ما أصاب عشّاقها السابقين، ومنهم تموز. وفي حلم إنكيدو قضى إنليل بموته عقاباً على قتل خمبابا والثور.
رواية أخرى: النزاع مع كيش
في القصيدة السومرية «جلجامش وأغا» يستشير الملك شيوخ أوروك فيميلون إلى الخضوع لكيش، ثم يستشير الرجال القادرين على القتال فيختارون المقاومة. وبعد الحصار يُؤسر أغا، فيذكر جلجامش إحسانه القديم ويطلقه.
وفي «جلجامش وخوواوا» «خُوواوا» يبدأ طلب الاسم الباقي حين يرى جلجامش جثث الموتى تطفو على النهر؛ فالتفكير في الموت يسبق في هذه الرواية موت إنكيدو.
القراءة الرمزية
سور أوروك عمل عام يبقى بعد موت صاحبه، لكنه ليس عمل الملك وحده. فصنّاع السلاح يهيّئون أدوات الرحلة، والبنّاؤون يقيمون السور، والجماعة تتحمّل قرار الحرب، ثم تحفظ الحكاية اسم جلجامش. الشهرة التي طلبها فرد قامت على أيدٍ كثيرة لا تسمّيها الملحمة.
التوازيات عبر الحضارات
انتقلت أخبار جلجامش من السومرية إلى الأكدية فتغيّر دور إنكيدو وترتيب الوقائع. وفي اللوح الحادي عشر يقصد جلجامش أوتنابشتم، بينما يظهر زيوسودرا نظيراً له في تقليد سومري آخر؛ ومن خبر الناجي تأتي المقارنة بقصة نوح.