شمحات

ملخص

شَمْحات امرأة من نساء أوروك المتّصلات بمعبد عشتار، من الصنف الذي تسمّيه الأكدية harimtu «خَرِيمْتُو»، وهي التي أخرجت إنكيدو من البرّية إلى المدينة. خلقت أرورو إنكيدو من قبضة طين رمتها في البرّية، فعاش مع الغزلان يأكل العشب ويشرب معها من مورد الماء، وردم الحفر التي حفرها الصيّاد وقلع فخاخه. فشكا الصيّاد إلى أبيه، فأشار عليه أن يذهب إلى جلجامش، فقال له جلجامش: اذهب أيّها الصيّاد وخذ معك شمحات.

سار الصيّاد وشمحات ثلاثة أيّام، وجلسا عند مورد الماء يوماً ويوماً، حتى جاء القطيع يشرب ومعه إنكيدو. فكشفت له جسدها، فاقترب منها، فبقي معها ستّة أيّام وسبع ليالٍ. فلمّا شبع منها عاد إلى قطيعه، فرأته الغزلان فهربت، وابتعدت عنه حيوانات البرّية، وثقلت ساقاه فلم يعد يجري كما كان، «لكنّه صار ذا عقل، واتّسع فهمه». فرجع وجلس عند قدميها، فقالت له: أنت حسن يا إنكيدو، كأنّك إله، فلماذا تهيم في البرّية مع الحيوان؟ تعال أقُدْك إلى أوروك، إلى البيت المقدّس مسكن آنو وعشتار، حيث جلجامش يتسلّط على الرجال كالثور البرّي. فقبل كلامها، وصار قلبه، وقد عرف، يطلب صديقاً. وحكت له أحلام جلجامش التي فسّرتها أمّه ننسون. اللوح الأوّل، 160–298.

ثم شقّت ثوبها، فألبسته قطعة ولبست الأخرى، وأخذته بيده كما يُقاد الإله إلى مخيّم الرعاة. فوضع الرعاة أمامه الخبز والجعة، فلم يعرف كيف يأكل الخبز ولا كيف يشرب الجعة. فقالت له، كما في الرواية البابلية القديمة: «كُلِ الخبز يا إنكيدو، فهو ما تقوم به الحياة، واشرب الجعة، فهي نصيب أهل البلاد». فأكل حتى شبع، وشرب سبعة أقداح، فانطلقت نفسه وغنّى، وفرح قلبه وأشرق وجهه. وحلق له الحلّاق شعر جسده، ودهن نفسه بالزيت «فصار إنساناً»، ولبس ثوباً، وأخذ سلاحه يطرد الذئاب والأسود عن الرعاة، فصار حارسهم. ثم مضى إلى أوروك وشمحات تمشي خلفه.

وحين قضت الآلهة بموت إنكيدو لعن الصيّاد ولعن شمحات: لا كان لك بيت تفرحين به، ولا جلست في مجلس الفتيات، وليكن مفترق الطرق مجلسك، والبيوت الخربة منامك، وظلّ السور موقفك، وليضرب السكران والصاحي خدّك، لأنّك أضعفتني وكنت طاهراً في البرّية. فناداه شمش من السماء: لماذا تلعن شمحات التي أطعمتك خبزاً يليق بإله، وسقتك جعة تليق بملك، وألبستك ثوباً عظيماً، وجعلت لك جلجامش رفيقاً؟ فسكن غضبه، وقال: تعالي يا شمحات أقضِ لك قدراً آخر، فالفم الذي لعنك يعود فيباركك: ليحبّك الحكّام والأشراف، وليعطوك حجر السَّبَج واللازورد والذهب والأقراط، ولتُدخلك عشتار بيت رجل مخازنه ملأى.

والفكرة التي تدور عليها قصّتها أنّها الباب بين البرّية والمدينة. أدخلت إنكيدو المدينة بالجسد والكلام والخبز والثوب، فصار الرجل الذي خرج من الطين إنساناً بما تصنعه أيدي الناس. ولهذا التحوّل ثمن، فقد هربت منه الغزلان ولم يعد يجري معها. ولعنة إنكيدو تصف ما خسره وتصف حال المرأة التي لا بيت لها، وبركته تصف ما كسبه وما يمكن أن تكسبه هي. فقصّتها قصّة التحضّر بوجهيه، كما يراه رجل يموت.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Šamḫat «شَمْخات» صيغة مؤنّثة من الصفة الأكدية šamḫu «شَمْخُو»، ومعناها النامي الوافر المزدهر، من الفعل šamāḫu «شَماخُو»: نما حتى كثف، وازدهر، وبلغ غاية الحسن أو القامة. والخاء الأكدية هي الخاء العربية، فالكلمة شمخ العربية: شمخ الجبل إذا علا وارتفع، وشمخ الرجل بأنفه إذا تكبّر، والشامخ العالي، ويقال نسب شامخ. ففي الفرعين معنى الارتفاع: في الأكدية ارتفاع النبات والقامة والزهو، وفي العربية ارتفاع الجبل والأنف. فشمحات «الشامخة»، المرأة الوافرة الحسن العالية القامة، وهي في الوقت نفسه اسم صنف من نساء عشتار. وهذه قراءة مقترحة على المنهج، ليست في المقالات.

الجذر اللغوي

الكتابة النطق الموقع
ša-am-ka-tum «شا-أم-كا-تُم» شَمْكاتُم الرواية البابلية القديمة، بالكاف
šam-ḫat «شَم-خات» شَمْخات النسخة المعيارية، اللوحان الأوّل والسابع
ḫarimtu «خَرِيمْتُو»، بالعلامتين KAR.KID «كار-كِيد» خَرِيمْتُو الصنف الذي تُنسب إليه

شمحات و«الشامخة»

يعرّف معجم شيكاغو šamḫatu «شَمْخاتُو» بأنّها امرأة متّصلة بالمعبد، ويذكر صيغها šamkatu «شَمْكاتُو» وšamuḫtu «شَمُخْتُو»، ويردّها إلى الفعل šamāḫu «شَماخُو»: نما كثيفاً وافراً، وازدهر، وبلغ غاية الحسن أو القامة. ومنه الصفة šamḫu «شَمْخُو»: الوافر النبات، والمزدهر من الناس. ويُذكر الاسم بالمعنى نفسه في أماكن أخرى: تجمع عشتار في اللوح السادس نساء المعبد الثلاثة، الكِزْرِيتُو والشَّمْخاتُو والخَرِيماتُو، وتوصف أوروك في «إرّا وإيشوم» بأنّها مدينة هذه الأصناف، ويرد Šamḫatum «شَمْخاتُم» اسماً لنساء في وثائق بابلية قديمة. وفي معجم المكتبة البابلية الإلكترونية أنّه اسم علم في جلجامش، وأنّ معناه حين يكون اسماً «الوافرة الحسن».

والمقابلة الصوتية منتظمة: الشين بالشين، والميم بالميم، والخاء الأكدية بالخاء العربية، فالخاء القديمة بقيت في الأكدية على حالها. أمّا الكاف في الرواية القديمة «شمكاتم» فالتبادل بين الخاء والكاف داخل الأكدية نفسها، ويذكر المعجم صيغة šam-kat «شَم-كات» للفعل نفسه في نسخة من «إينوما إيليش». وفي معجم لين: شمخ الجبل علا وارتفع، والشامخ الجبل العالي، وشمخ بأنفه تكبّر ورفع أنفه، ونسب شامخ أي عالٍ رفيع.

الصنف: harimtu «خَرِيمْتُو»

يقول معجم شيكاغو في الفعل ḫarāmu «خَرامُو»، فصل وفرّق، إنّه قد يكون أصل ḫarimtu «خَرِيمْتُو» إذا كانت الكلمة تدلّ على نساء معزولات عن غيرهنّ في المجتمع. وفي وثيقة من نُوزِي: «ليست زوجة، إنّها خَرِيمْتُو»، وفي قانون آشوري أنّ الخريمتو لا تتحجّب. ويلتقي هذا المعنى بـحرم العربية: حَرُمت المرأة على زوجها، والحرام الممنوع، والحريم ما يُصان فلا يُقرب. وحدّ المقابلة أنّ الخاء الأكدية تقابل الخاء العربية في القانون المعتاد لا الحاء.

السياق التاريخي

تقول شمحات لإنكيدو إنّ في أوروك كلّ يوم عيداً تُضرب فيه الطبول، وإنّ نساء الخريمتو فيها حسان القامة مليئات بالفرح، وإنّها تقوده إلى إِيانّا، البيت المقدّس مسكن عشتار. ويقول اللوح السادس إنّ عشتار حين قُتل ثور السماء جمعت نساء معبدها فأقامت المناحة على فخذه. فشمحات من جماعة لها مكان في عبادة عشتار في أوروك، والملحمة لا تسمّيها زوجة لأحد، وقد ميّزت القوانين والوثائق بين الخريمتو والزوجة.

الاسم الصلة بشمحات أين تظهر؟
إنكيدو أخرجته من البرّية وعلّمته عيش الناس، فلعنها ثم باركها الألواح الأوّل والثاني والسابع
الصيّاد جاء بها إلى مورد الماء، ولعنه إنكيدو معها اللوحان الأوّل والسابع
جلجامش أمر الصيّاد أن يأخذها، وحكت أحلامه لإنكيدو اللوح الأوّل 160 و297
ننسون فسّرت الأحلام التي حكتها شمحات اللوح الأوّل 257–296
شمش دافع عنها حين لعنها إنكيدو اللوح السابع 132–147
عشتار ربّة معبدها، والتي يدعوها إنكيدو أن تُدخلها بيتاً غنيّاً اللوح الأوّل 208؛ السابع 160

السرديات الأسطورية الرئيسة

«كُل الخبز... واشرب الجعة»

تجمع الرواية البابلية القديمة في سطرين ما تعنيه المدينة لإنكيدو: الخبز «ما تقوم به الحياة»، والجعة «نصيب أهل البلاد». ثم يأتي الحلّاق والزيت والثوب، فيقول النصّ: «صار إنساناً»، awīliš īwe «أَوِيلِيش إِيوِي». والتحوّل يتمّ بأشياء يصنعها الناس ويتقاسمونها: الحبّ المطحون المخبوز، والشعير المخمّر، والزيت، والنسيج.

الطريق إلى العرس

وهما في مخيّم الرعاة مرّ رجل ذاهب إلى عرس في أوروك، فسألته شمحات عن وجهته بأمر إنكيدو، فقال إنّ الملك يدخل على العروس قبل زوجها. فتغيّر وجه إنكيدو، ومضى إلى أوروك وشمحات خلفه، ووقف في باب بيت العرس، فكان أوّل لقائه بجلجامش صراعاً.

القراءة الرمزية

تقرأ مقالة إعادة القراءة السومرية إنكيدو «الإنسان الطبيعي»، الصيّاد الجامع قبل الحضارة، وتقرأ ترويض شمحات له «الحضارة تروّض الإنسان البرّي»، وتجعل شمحات «المعرفة والوعي» الذي يُخرج الإنسان من البرّية. وتقرأ مقالة إعادة القراءة البابلية ترويض إنكيدو بامرأة تحضّرَ البدوي وانتقاله من البرّية إلى المدينة. والنصّ يسند هذه القراءة بتفاصيل محدّدة: ما يتعلّمه إنكيدو خبز وجعة وزيت وثوب وحراسة للقطيع، أي حياة الرعاة والزرّاع، ثم حياة المدينة. ويضيف النصّ ما لا تقوله القراءة: أنّ الطبيعة نفسها تنفر من الرجل بعد أن عرف، فالغزلان تهرب منه قبل أن يصل إلى المدينة.

التوازيات عبر الحضارات

إنكيدو رجل من طين رمته أرورو في البرّية، وشمحات هي التي تتمّ صنعه إنساناً، فالطين وحده لا يكفي في هذه القصّة حتى يأتي الخبز والثوب والكلام.

وما تعطيه لإنكيدو هو ما ينسبه الناس في قصص كثيرة إلى حملة الصنائع: الخبز والشراب واللباس، غير أنّه هنا لا يأتي من السماء، وإنّما تحمله امرأة من المدينة إلى رجل واحد في البرّية.

ويدعو إنكيدو عشتار أن تُدخل شمحات بيتاً غنيّاً، فالربّة التي سكنت أوروك هي التي تحمي نساء معبدها، كما في صفحة إنانا.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. ملحمة جلجامش، الألواح الأوّل والثاني والسادس والسابع، والرواية البابلية القديمة، اللوح الثاني، نشرة أندرو جورج وترجمته في المكتبة البابلية الإلكترونية.

  2. معجم شيكاغو الأشوري، المجلد ش، الجزء الأوّل، ص 288 و311–312، والمجلد خ، ص 90 و101؛ معجم المكتبة البابلية الإلكترونية، šamhatu «شَمْخاتُو».

  3. معجم لين، شمخ، وحرم.

  4. معجم شيكاغو، المجلد ش، الجزء الأوّل، ص 288
  5. معجم شيكاغو، المجلد خ، ص 90