ملخص
ڤانث امرأة من عالم الموتى عند الإتروسكيين، تقف حيث يمرّ الميت من الحياة إلى الدار الأخرى. تُصوَّر مجنّحة أحياناً وبلا جناحين أحياناً، في ثوب طويل، أو في ثوب قصير وحذاء عالٍ وسيرين متقاطعين على صدرها كهيئة الصيّادة، وفي يدها مشعل تضيء به الطريق الصعب إلى العالم السفلي، وقد تمسك حيّات. وهي صارمة الوجه، لكنّها لا تخيف كما يخيف خارون، وفي أكثر الصور تعين الميت ولا تؤذيه. واسمها قديم: كُتب في نذر على قارورة عطر من مارسيليانا دالبينيا، من نحو 640–620 ق.م، قبل أن تكثر صورها بقرون.
ولا تروي النصوص قصّتها، فقصّتها رحلة الميت كما رسمها الإتروسكيون على النواويس والجرار وجدران القبور. على ناووس هاستي أفوناي من كْلُوزْيُوم، من القرن الثاني ق.م، باب نصف مفتوح، تخرج منه امرأة من عالم الموتى اسمها كُولْشُو، أي صاحبة الباب، تفتحه وتغلقه وتحرسه، وإلى جانب الباب تنتظر ڤانث، وفي الطرف الآخر امرأة ثالثة تسوق الميتة نحو الباب، وعلى الطريق أهلها يودّعونها. وعلى جدار قبر آل أنينا في تاركوينيا، من القرن الثالث ق.م، يقف خارون عن يسار باب القبر مكسوّاً، بوجهه المخيف، وتقف ڤانث عن يمينه، مجنّحة، غير مكسوّة كما كُسي، ناعمة البشرة. فالباب الأوّل، باب القبر، صورة للباب الثاني، باب مدينة الموتى، ولكلّ منهما حارس.
وتدخل ڤانث أيضاً في حكايات الإغريق حين يرسمها الإتروسكيون. في قبر فرانسوا في ڤولتشي، من 340–320 ق.م، يذبح أخيل أسرى طرواديين عند جنازة باتروكلوس، كما في «الإلياذة»، لكنّ الرسّام وضع في المشهد ڤانث وخارون، وليسا في القصيدة اليونانية. وعلى جرّة رماد من المرمر في متحف المتروبوليتان، من القرن الثالث ق.م، يقاتل إغريق نساء الأمازون، وتقف ڤانث في الطرف الأيمن، ويقول المتحف إنّ وجودها إضافة إتروسكية خالصة إلى المشهد اليوناني. وعلى جرّة أخرى تجلس ڤانث على سرير الوليمة في مكان الزوجة إلى جانب الميت، وتنظر إليه بصرامة، وفي يدها لفافة، ويمسّ أحد جناحيها كتفه.
والفكرة التي تدور عليها صورها أنّ الموت طريق له باب، وأنّ على الباب من ينتظر الميت ليرافقه. ترى كراوسكوبف أنّ ڤانث كانت في الأصل دليلاً رحيماً، كما يدلّ هرمس الأرواح عند الإغريق، ثم أخذ الرسّامون لها هيئة ربّات الانتقام الإغريقيات بثوبهنّ القصير وأحذيتهنّ، فدخلت صورتها شيئاً من القسوة ببطء. وصور الهجوم على الميت نادرة جدّاً، والغالب أنّ ڤانث وخارون يرافقان الميت، بل يدافعان عنه أمام وحوش الطريق. فهي من صور النزول إلى العالم السفلي، لكنّ النازل هنا كلّ ميت، وليس بطلاً يعود.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: vanθ «وَانْث» حروفه الواو، فالحرف الإتروسكي v «ڤ» ينطق واواً، ثم النون، ثم θ «ث»، وهي الثاء. فالاسم «وَنْث»، والواو والهمزة تتبادلان في أوّل الكلمة العربية، وفي المادّة نفسها يذكر لين «أُقِّتَتْ» في موضع «وُقِّتَتْ». فـ«ونث» هي «أنث»، ومنها الأنثى. وتقول كراوسكوبف إنّ الاسم يرد سبع مرّات بجانب صور نساء من عالم الموتى، وقد يكون اسماً عامّاً لهنّ كلّهنّ، فتكون كولشو «ڤانث الباب». فڤانث على هذه القراءة «الأنثى»، اسم جنس لا اسم علم، وهو ما يقوله الشاهد الإتروسكي. ومن المادّة «أنّث له» أي لان له ورفق به، وهي في صورها رفيقة الميت. وفي معجم لين أنّ «إناثاً» في القرآن معناها عند الفرّاء معبودات العرب الإناث كاللات والعزّى. وهي قراءة مقترحة على المنهج.
الجذر اللغوي
ڤانث و«الأنثى»
| الصيغة | النطق | الموضع |
|---|---|---|
| vanθ | وَانْث | سبع مرّات بجانب صور نساء من عالم الموتى، وفي نذر من القرن السابع ق.م |
| Culśu | كُولْشُو | صاحبة الباب على ناووس هاستي أفوناي، وقد تكون «ڤانث الباب» |
| culś- | كُولْش | الباب، ومنه اسم كولشانش، إله الأبواب ذي الوجهين |
في معجم لين: الأنثى خلاف الذكر، وتقال لكلّ ما كان من هذا الجنس، و«امرأة أنثى» المرأة الكاملة، تُمدح بذلك كما يُمدح الرجل بأنّه ذَكَر. و«أنّث له» لان له ورفق به. و«أرض أنيثة» سهلة لينة تنبت النبات الكثير، و«حديد أنيث» حديد ليّن. ويقرأ ابن عبّاس في سورة النساء «أُثُناً» مكان «إناثاً»، فيقول الفرّاء إنّها جمع «وَثَن»، صارت الواو فيها همزة كما صارت في «أُقِّتت» مكان «وُقِّتت»، ويقول إنّ العرب كانت تقول عن اللات والعزّى ونحوهما إنّها إناث.
والمقابلة الصوتية: أخذ الإتروسكيون حروفهم من الإغريق، فكتبوا بالحرف v «ڤ» صوت الواو، وبالحرف θ «ث» الثاء. والثاء العربية تقابل θ «ث» اليونانية في جداول مشروع جذور. والنون نون. والهمزة في أوّل «أنث» تقابل الواو، وتبادلهما في أوّل الكلمة معروف في العربية، وبه تقرأ هذه الموسوعة اسم فينوس «الأُنس» من «وَنَس». فالحروف الثلاثة محفوظة في ترتيبها، ولا يسقط منها شيء.
والحدّ الذي يبقى: الإتروسكية ليست لغة سامية في ما يعرفه الباحثون، ولم يصلنا شرح إتروسكي لكلمة vanθ «وَانْث»، وتعدّ كراوسكوبف كونها اسماً عامّاً احتمالاً لم يثبت بعد.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الطريق والسفينة
ولم يتّفق الإتروسكيون على طريق واحد إلى الآخرة. في قبر الشياطين الزرق في تاركوينيا، من نحو 400 ق.م، يسوق الشياطين الميتة إلى سفينة في ما يشبه دهليز العالم السفلي، ويقف على أحد طرفيه خارون نوتيّاً، وإن كانت صورته لم تحفظ جيّداً، وعلى الطرف الآخر صخرة هي حدّ عالم الأحياء، ويخرج من الجهة الأخرى اثنان يستقبلان القادمة. وعلى ناووس من كلوزيوم يركب الميت فرساً ثم ينتظره وحش بحري، فالرحلة برّ ثم بحر. وتقول كراوسكوبف إنّ الطريق نفسه كان عندهم مهمّاً كالغاية، وإنّ صور الشياطين المخيفة تدلّ على أنّ في الطريق أخطاراً لا يجتازها كلّ أحد.
امرأة بمشعلين
وفي المتحف البريطاني جرّة رماد من حجر كلوزيوم، من نحو 425–350 ق.م، منحوتة على هيئة بيت أو معبد، يجلس في مقدّمها امرأة مجنّحة كانت تمسك في يديها شيئين، أغلب الظنّ أنّهما مشعلان. ولا يسمّيها الفهرس، لكنّها في هيئة ڤانث كما يصفها الباحثون.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة الإغريقية في هذا المشروع العالم السفلي معرفة بباطن الأرض والدفن: النهر الذي يفصل الأحياء عن الموتى طبقة الماء تحت الأرض، و«العبور» انتقال الجثّة من عالم الأحياء إلى التراب، ونوتيّ الموتى صورة لطقس الدفن. وصور ڤانث تضع هذا الانتقال على باب القبر نفسه: الميت يُحمل من البيت إلى المقبرة، والأهل يقفون عند حدّ لا يتجاوزونه، والمرأة ذات المشعل تتسلّمه عند الباب. فهي صورة لساعة الدفن كما يعيشها أهل الميت، يوم يسلّمونه إلى من لا يرونه.
التوازيات عبر الحضارات
عند جسر تشنڤات في الأڤستا تأتي الروح الصالحة فتاة جميلة قويّة، معها كلبان، فتعبر بها الجسر، وتقول للروح إنّها «ضميرك». وڤانث مثلها امرأة تلقى الميت عند الحدّ وتمضي به، لكنّ فتاة الأڤستا صورة عمل الإنسان، تأتي الصالح وحده، وڤانث تقف عند باب كلّ ميت. وعند الإغريق يقود هرمس الأرواح إلى دار هاديس، وتجعله كراوسكوبف أقرب صورة إلى ڤانث في أصلها، دليلاً رحيماً. ويحرس الأبواب عند الإتروسكيين أيضاً كولشانش ذو الوجهين، ونظيره الروماني يانوس، ومن اسمه اسم كولشو، صاحبة باب الموتى.